في مارس ,1985 صدر عدد مميز من دورية إسرائيلية شهرية عنوانها (مجلة الضباط) . تضمن العدد مجموعة منتقاة من الأبحاث والدراسات التي تدور حول إسرائيل سنة 2000 وفيها تم رسم تصورات مستقبلية اضطلع بها مختصون وأكاديميون حول قضايا, تتعلق بمعظم معالم حياة الدولة اليهودية في مطلع قرن وألفية جديدين. وبعد عام واحد, تولت دار الجليل للنشر في عمان ترجمة هذا العدد وقدمته للقارئ العربي في كتاب بهدف الاستضاءة بمحتوياته كدليل على نمط التفكير المستقبلي الإسرائيلي. وكانت مقدمة الدار (الترجمة) موفقة حين أشارت إلى أنه (حينما يكون الموضوع موجها إلى الضباط, فإنه سيكون معدا بروية وإمعان. لأنه سيعرض على الصفوة التي تمثل الأداة التنفيذية للتوجه الصهيوني) . كما كانت الدار متفائلة أكثر من اللازم عندما افترضت أن الكتاب يحوي في حيثياته دروسا وعبرا, وحافزا لأولي الأمر للتصدي للمخططات الصهيونية والعمل على إفشالها. وعلة هذا التقدير الأخير, أننا الآن نعيش العام ,2000 وقد تكون بعض التصورات التي طرحها الكتاب صدقت أو فشلت وجانبها الصواب. لكن انعدام الصدقية أو الفشل لا يعود على الأرجح لمخططات عربية مضادة, وإنما لظروف أخرى يمكن البحث عنها خارج الإدارة العربية الفاعلة. لم يتحدث الباحثون الإسرائيليون أصحاب الاستشراف عن البيئة المحيطة بتوقعاتهم, ولا عن اتجاهات الثبات والتغير في هذه البيئة. ونحن نعرف الآن أن التغير كان أوضح بكثير من الاستمرارية على هذا الصعيد إقليميا ودوليا. فخلال الخمسة عشر عاما الماضية, توقفت الحرب العراقية الإيرانية بعد أن أنهكت قوى النظام العربي سياسيا وعسكريا, ثم جاءت تداعيات الغزو العراقي للكويت والحرب الدولية ضد العراق, لتودي بما تبقى لهذا النظام من قوى وتفاقم الانقسامات العربية داخله. وتغير النظام الدولي ليصبح أحادي القطبية لصالح الطرف الأمريكي وحلفائه الغربيين بعد انهيار القطب الاشتراكي وزعيمه الاتحاد السوفييتي. هذا دون الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية وتداعياتها, فضلا عن بداية عملية التسوية العربية الإسرائيلية بهندسة أمريكية منفردة تقريبا.. كل ذلك في ظل تصاعد للتحالف الأمريكي الإسرائيلي وتحولات جوهرية في اهداف حركة التحرر الفلسطيني وأدواتها. من المستبعد تماما أن تكون هذه المستجدات أو حتى بعضها قد دارت بخلد الإسرائيليين وهم يستطلعون حال دولتهم قبل عقد ونصف من السنين. ويمكن تلمس ذلك تماما في معرض التمثيل لهذه العملية الاستطلاعية وقياس مستوى صدقيتها. فحول شكل السكان في إسرائيل عام ,2000 ذكر اثنان من كبار المختصين الصهاينة في الدراسات السكانية أن مجموع سكان إسرائيل عام 1985 يبلغ 23.4 ملايين نسمة ( بما في ذلك ما يعرف بعرب 1948).. وأجمعا على أن هذا الرقم سيصل عام 2000 إلى نحو 3.5 أو 5.5 ملايين. وتوقعا بعمليات حسابية سكانية أن يصل ميزان الهجرة السنوية في التسعينيات إلى معدل الصفر. أي أن يتساوى عدد المغادرين مع عدد الوافدين للدولة. وندرك الآن يقينا, وقد أصبحنا في صلب المستقبل الذي استشرفاه, أن هذين الباحثين كانا جد متشائمين. ففي غضون سنوات التسعينيات استقبلت إسرائيل زهاء مليون مستوطن, وفدوا إليها من وسط آسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي الآفل. لقد فسد توقعهما ـ وكان ذلك لصالح الدولة! ـ بسبب الرياح الدولية المواتية لتدفق المستوطنين, وكذا الأجواء الإقليمية المناسبة, حيث طمأنت مسيرة التسوية السلمية كثيرا من اليهود والمتصهينين إلى مستقبلهم في إسرائيل. وعن الخارطة الاستيطانية في (إسرائيل) , تصور (اليشع إفرات) أستاذ الجغرافيا في جامعة تل أبيب ـ قبل 15 عاما أيضا ـ أن الاستيلاء على أراضي غزة مستحيل بسبب الكثافة السكانية الفلسطينية, وأنه لم يبق أمام السلطات سوى الضفة الغربية. وانتقد الباحث حركة الاستيطان التي لم تستطع على مدار 18 عاما منذ احتلال الضفة عام ,1967 أن توطن سوى 28 ألف يهودي بمعدل نحو 1700 نسمة سنويا. و هو علل هذا البطء الاستيطاني التوسعي بعدم وجود أشخاص يهود يبدون استعدادهم للإقامة هناك. ولم يتوقع تحول في هذا الاتجاه. ولابد أن إفرات هذا سعيد الآن, وهو يرى بأم عينه إن كان حيا يرزق, كيف انتشرت المستوطنات اليهودية في طول الضفة وعرضها, وكيف تضاعفت أعدادها بوتيرة لم يتخيلها, حتى أضحى سكانها قرابة المائتي ألف بخلاف مقدار هذا العدد في القدس. وفي ذلك مؤشر آخر على مضي الرياح في نهاية القرن الماضي بما تشتهي سفن الصهيونية وإسرائيل. وتصور ألوف هارابن الباحث في معهد فان لير بالقدس, أن أمام إسرائيل أربعة قرارات حاسمة ينبغي التعامل معها في الفترة ما بين 1985 و2000 وتتعلق هذه القرارات, التي يصفها بالصعبة, بكل من: مستقبل الأراضي المحتلة عام1967 والهوية اليهودية للدولة والتوصل إلى الاستقلال الاقتصادي في عالم الغد وصفة الإنسان الإسرائيلي وعلاقته بالآخرين. وقد كان هارابن محقا وهو يرى ارتباط هذه القضايا والقرارات بعضها بالبعض.. فالقرار المتعلق بتفسير الهوية اليهودية للدولة مرتبط بمستقبل الأراضي المحتلة ومرتبط أيضا بالاستعداد للاستقلال الاقتصادي.. ونظرة المجتمع لذاته ولهويته تحدد نظرته للآخرين وعلاقته بهم.. ويبدو من ظاهر السياسة الإسرائيلية عام ,2000 أن هذه القرارات الصعبة في طريقها للتبلور, لكنها جميعا مازالت مطروحة على العقل الإسرائيلي. إنهم يريدونها دولة يهودية لكنهم لا يعرفون كيف ينظمون علاقة هذه الدولة مع الكيان الفلسطيني العتيد, ولا مع المحيط العربي (الآخر).. وتقديرنا أن ذهنية الهيمنة والاستقواء تحول بينهم وبين الوصول للقرارات المطلوبة. فهم يقدرون أن فلسطين آتية لا ريب فيها, بيد أنهم يبغونها تحت سيطرتهم وعلى مقاسهم ووفق أهوائهم, ويقدرون أن استقلالهم عن القوى الغربية الحامية لهم يتوقف على اندماجهم في علائق مع المحيط العربي الاقليمي. ولكن كيف يتأتى هذا الدمج بدون خسائر على الهوية اليهودية المزعومة, لاسيما وأن هذا المحيط عصي على الهيمنة؟. على كل حال, لعل نماذج التفكير المستقبلي هذه, تؤكد أن الحركة الصهيونية لا تصنع المعجزات, ولا يمكنها على خلاف ما يزعم البعض أن تتحكم في البيئة الإقليمية والدولية, لتطويعها لأهدافها, فمعظم ما جاءت به هذه البيئة خالف توقعات الفكر المستقبلي الإسرائيلي. صحيح أن هذه المخالفة كانت لصالح الصهيونية وإسرائيل, غير أن ذلك حدث بغير سابق إعداد ولا تخطيط صهيوني إسرائيلي. كل ما في الأمر أن الصهيونية وإسرائيل تمكنتا من امتطاء الرياح حين كانت مواتية, ولم يكونوا كالعرب الذين يتحركون ببطء شديد, وغالبا بعد فوات الأوان. *كاتب فلسطيني ـ القاهرة