هناك مصطلحات كثيرة لوصف (الرواية) من حيث هي فن تعاقبت مذاهبه ومدارسه وتعددت تياراته واتجاهاته, ويمكن تقسيم هذه المصطلحات الى قسمين اساسيين: يجمع القسم الاول منهما المواصفات الشكلية للرواية وخصائصها البنائية. وذلك في المجال الذي يتحدث فيه النقاد عن الرواية متعددة الاصوات, او الرواية الدائرية التي تنتهي الى النقطة التي تبدأ منها, او رواية التعارض التي تتقابل فيها المكونات والعناصر البنائية, او غير ذلك من المسميات الاصطلاحية التي تكشف عن الاهتمام بالجوانب الشكلية او الخصائص البنائية التي تجعل من الرواية رواية, واماالقسم الثاني فهو القسم الذي ينصرف الى مضمون الرواية او محتواها, كما ينصرف الى الغاية التي يهدف اليها هذا المضمون, وذلك في المجال الموازي الذي يتحدث فيه النقاد عن (الرواية السياسية) التي يغلب على مضمونها المشكلات السياسية او تكون المشكلات السياسية هي الباعث على كتاباتها, والدافع الى تكوين شخصياتها وسلوك هذه الشخصيات على نحو دون غيره في مواجهة التحديات السياسية التي تواجهها. وروايات من مثل (الكرنك) او (امام العرش) لنجيب محفوظ او (وليمة لاعشاب البحر) للكاتب السوري حيدر حيدر, فضلا عن الكثير من روايات عبدالرحمن منيف والطاهر وطار وجمال الغيظاني وصنع الله ابراهيم وغيرهم, هي نماذج متعددة على مناحي الرواية السياسية العربية, كما انها دلائل على تهوس الكاتب الروائي العربي بمشكلاته السياسية التي يبدو انه لايستطيع الابتعاد عنها حتى لو اراد ولاشك ان غلبة الروايات السياسية امر يرتبط بطبيعة الحياة العربية الحديثة والمعاصرة التي يغلب عليها التمزق السياسي والصراعات الاقليمية والطائفية. وربما كانت الرواية الاخلاقية اقل الانواع المضمونية شغلا لانتباه الكاتب الروائي الذي يبدو غارقا في مشكلات السياسي الى ابعد حد, ولكن الرواية الاخلاقية لها وجودها المسوس رغم ذلك, خصوصا في التيارات التقليدية التي تختلط فيها وظيفة المتعة الفنية بوظيفة التعليم او تسيطر الوظيفة الثانية على الاولى نتيجة شروط ترتبط بأهداف الاصلاح الاجتماعي والتربية الاخلاقية التي تهدف اليها روايات هذا النوع وقد غلبت الرواية الاخلاقية على مرحلة نشأة الرواية العربية التي اهتم روادها الاوائل بإصلاح العوائد والاخلاق صحيح ان الاهتمام الريادي بهذا النوع من الرواية تقلص مع الوقت, وتراجع من مرحلة الاحياء الى مرحلة الرومانسية, وكاد يختفي مع المرحلة الواقعية, لكن تيار الرواية الاخلاقية ظل موجودا لدى الكتاب الذين يختصرون مشكلات العالم في المشكلة الاخلاقية دون غيرها, ويرون ان الازمة التي يعيشها الانسان المعاصر هي ازمة اخلاق بالدرجة الاولى. ونتيجة ذلك اصبح مصطلح (الرواية الاخلاقية) من المصطلحات التي توازي مصطلحات (الرواية السياسية) او (الاجتماعية) او (الدينية) اوغير ذلك حسب العنصر المضموني الغالب على الرواية وما يميز (الرواية الاخلاقية) عن غيرها, تحديدا هو تركيزها على البعد(الاخلاقي) لحقبة او لفترة, وعند طائفة او طبقة, ممثلة في شخصية تحتل, عادة موضع الصدارة, ويتم تصويرها بطريقة تكون معها الرسالة الاخلاقية المباشرة, او المضمنة او المضمرة, هي الرسالة التي تغلب غيرها من الرسائل او تسيطر عليها, دون ان تنفي وجودها تماما, وبقدر ما يرتبط هذا النوع من الرواية برسالة معينة, تتخذ خطابا مباشرا او غير مباشر, فإن رسالته تفرض خصائص شكلية متميزة في بنائه خصائص يتحدد بها الخطاب الروائي من حيث مستوياته السردية والوصفية, وعادة, تنتهي الرواية الاخلاقية بما يشبه الموعظة الاخلاقية التي يستخلصها الراوي او البطل من الاحداث, او تنتهي بموقف يعاقب الاشرار على سوء فعالهم ويثيب الاخيار على حسن خصالهم, والرواية الاخلاقية الساذجة, من هذا المنظور هي التي تحرص على المباشرة حرصها على النبرة الخطابية الوعظية كما تحرص بالقدر نفسه على النهاية السعيدة التي ينتصر فيها الخير, ويردع العصاة, ويكافىء الشخصيات الفاضلة. ورواية نعيم عطية (الملاك) هي رواية تنتمي الى هذا النوع فهي نموذج نمطي للراوية الاخلاقية في اكثر تجلياتها وضوحا, خصوصا في الجوانب السلبية التي عدها النقاد من مثالب الرواية الاخلاقية, وتظهر هذه المثالب, اولا, في طغيان الرسالة الاخلاقية (المباشرة) على غيرها من الرسائل, وذلك الى الدرجة التي تهيمن كل الهيمنة على الخطاب الروائي, وتنفرد به انفراد الممثل بخشبة المسرح بما يلغي حضور زملائه كما تظهر هذه الخصائص في التصوير النمطي للشخصيات التي تغدو مطلقات للخير او الشر, فتغدو شخصيات مسطحة فنية, اعني شخصيات ذات بعد واحد, يمكن اختصارها في صفة واحدة, او في بعد واحد, لا يوجد ما يتداخل او يتفاعل معه, او ما يمده بالحيوية والتوتر, ولذلك تفقد الشخصيات عنصر الاقناع لعدم قدرتها ايهام القارىء بحياتها الخاصة داخل الفضاء الروائي. وكان الامر يمكن ان يكون هينا, في رواية (الملاك) لو كانت الرسالة الاخلاقية اكثر خفوتا, تتردد اصداؤها بأشكال غير مباشرة, وتتجسد في التصوير او غيره من تقنيات القص, ولكن مباشرة الرسالة الزاعقة, وخطابيتها الواضحة, ووعظيتها اللافتة, تزيد رواية (الملاك) ثقلا ووطأة, وتضعها في باب الروايات الاخلاقية وحيدة البعد والقصد واشاراتها لا تخلو من نبرة الوعظ, وعلاقة تقنياتها بهدفها علاقة وحيدة البعد, فهي علاقة يفضي فيها السبب الى النتيجة دون وسائط, وعلى نحو تقليدي. ولان الرسالة الوعظية مباشرة في الرواية فبناؤها يعتمد على التجريد, ومن ثم تبدو الحبكة التي تقوم عليها رواية (الملاك) حبكة مكرورة, تدورحول موضوع (الحسناء) التي تقع في شراك الاثم والخطيئة من ناحية (المخلص) الذي يحاول انقاذها من هذا الشراك بلا جدوى من ناحية ثانية, وتجليات التحول في العلاقة بين الاثنين نمطية, خصوصا حين يوقع الملاك الزائف الضحية في شراكه, وحين تجد الضحية ما يعوضها عن الام السقوط ومرارته في النهاية ومن هذه الزاوية, تبدو الرواية حريصة على الخاتمة المكرورة التي يصل فيها الجزاء الى اصحابه فالمخلص يعثر على (ابنة الحلال) التي تعوضه خيرا عن ملاكه الغادر, وصديقه يعثر على الزوجة الخيرة. وتتركنا الرواية ونحن في حال اشبه بحال من تلقى الدرس الاخلاقي عن الانتصار النهائي للخير والهزيمة النهائية للشر, وشأن الروايات الاخلاقية الساذجة تلقي الحبكة باللوم على الشخصية الخاطئة وترد المأساة التي وقعت فيها (الحسناء) الى غرورها الذاتي, ذلك الغرور الذي جعل منها شخصية مسطحة, وحيدة الصفة, ثابتة الابعاد سواء في علاقتها بالاحداث او بغيرها من الشخصيات. وكما يحدث في افلام حسن الامام, رحمه الله, فهناك الكأس الصفراء, التي تخرج بعدها البطلة حاملة ثمرة الخطيئة, جنينا يتحرك في الاحشاء, وهناك محاولات الانتحار وموت الاب الذي يضحي بحياته محاولا انقاذ شرف ابنته البطلة, وهناك فضلا عن ذلك, الثرثرة العفوية التي تشبه احاديث المقاهي من حيث الاستطراد, والترسل الذي ينتقل من موضوع الى اخر, ومن مشبه الى مشبه به بحكم تداعيات المشابهة العفوية او التضاد المرتجل ويكشف عن سلب هذا الارتجال ما يوازيه من محاولات التضمين المتعمدة للاعمال الفنية والادبية التي تتداعى بدورها على ذاكرة القص. والنتيجة بالطبع, هي نفسها النتيجة التي تنتهي اليها الرواية الاخلاقية في اسوأ حالاتها, حيث تنعكس الرسالة الاخلاقية المباشرة, في تطرفها الحدي, على الاحداث والشخصيات, التي تغدو امثولات وعظية تشرح الفكرة المجردة, دون حياة ذاتية مستقلة او ابداع سردي متميز, فتنتهي الرسالة الاخلاقية الى نقيض الهدف المطلوب منها فيضحك القارىء ساخرا من الرواية بدل ان يستغرق متأملا في عبرتها, خصوصا حين تطغى السذاجة على الحكمة, وتهيمن الذاتية على الموضوعية, وتعلو الثرثرة على الفن, ويبدو الفارق بين الهدف المضمر والنتيجة المحققة اشبه بلوحة يرسمها رسام مبتدىء ساذج واخرى يرسمها واحد من كبار الرسامين المقتدرين المتميزين.