ذكرى جلوس رئيس دولة الامارات العربية المتحدة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, هذا العام, ربما تكون مناسبة لقول كلام مختلف, ليس لأن الشيخ زايد مختلف فقط عن غيره من رؤساء الدول العربية, وانما بالذات لأن مثل هذه المناسبة عادة ما تكون سببا للكتابة عن ادوار الرؤساء والقادة في عوالم السياسة والاقتصاد والمال والادارة والتنظيم الاداري الخ.. وصولا في الفترة الاخيرة الى العولمة وغيرها. الكلام المختلف, هنا كلام في سياق آخر تماما وعلى طول الخط, انه عما يمكن تسميته بـ (دولة الاخلاق) تلك التي لم تعد موجودة في اي مكان من هذا العالم, فضلا عن ان احدا لم يعد يذكرها, لا في عالم الكتابة الخيالية ولا طبعا في العالم البراجماتي السياسي القائم, لأن احدا لم يعد يتذكرها حتى لا نقول انه لم يعد يتذكر الاخلاق ذاتها, فضلا عن الاخلاق الحميدة. وليس ذلك لأنه لا سياسة مثلا او لا حكم او اقتصاد او ادارة او تنظيما اداريا الخ... في دولة الامارات العربية المتحدة, بل لأن السياسة في هذه الدولة, تماما مثل الحكم والادارة والتنظيم الاداري, اتصفت طوال سنوات حكم صاحب السمو الشيخ زايد الماضية بأخلاق زايد, اضافة الى انها اخذت منها كما اخذت من (دولة الاخلاق) التي اقامها على صورته ومثاله ما جعلها شيئا مختلفا. وقد يقال هنا ان ما في العالم مختلف, والرد عليه يكون: بل ان ما في دولة الامارات العربية هو المختلف, واكثر من ذلك فالمختلف هنا هو الطبيعي والمنطقي بينما ما في العالم راهنا هو الاستثناء بل والشذوذ. لكن السؤال يبقى: اية (دولة أخلاق) هذه التي يجري الحديث عنها؟! لم يكن صاحب السمو الشيخ زايد يوما في رئاسته امارة ابوظبي اولا ثم في رئاسته دولة الامارات العربية المتحدة لاحقا, الا الرجل الطيب ابن الصحراء العريق في اصالته وعروبته والاب الحاني والشقيق الوفي سواء في تعامله مع ابناء وطنه في الامارات او في تعامله مع الخليجيين عموما او مع العرب على امتداد اراضيهم الواسعة. واذا لم تكن اخلاقه العربية الاصيلة هذه هي التعبير عن سياسة منتهى الايمان بالعروبة الصادقة, وسياسة منتهى الوفاء للأمة العربية وقضايا العرب الاهم والتي هي التضامن مع العرب والتعاون فيما بينهم, فأية صفة اخرى يمكن ان تطلق على هذه القيم؟! وفي التفاصيل, فإن مواقف صاحب السمو الشيخ زايد, وعبره مواقف حكومته الحالي منها والسابق ومن افراد الشعب الفلسطيني المقيمين في دولة الامارات وحتى في الشتات وفي داخل الاراضي المحتلة, ومن اللبنانيين المقيمين في الامارات وأولئك الذين صمدوا في لبنان نفسه اثناء المحنة الاليمة التي تعرض لها بلدهم على امتداد اكثر من عشرين عاما فضلا عن رعايته عشرات الألوف من مختلف الجنسيات العربية الاخرى, لم تحد في يوم من الايام ولا مرة من المرات عن مبادىء هذه الاخلاق التي هي احدى قواعد الضيافة العربية الاصيلة.. وبالتالي عن اصول تلك السياسة, سياسة (دولة الاخلاق) . في دولة الامارات العربية, كما في كل امارة منها على حدة, حدث ما يمكن وصفه بالمعجزة في كل المجالات الخاصة بعصرنة البلد والمجتمع والدولة والادارة, بما في ذلك فتح الابواب واسعة امام ثورة التكنولوجيا والاتصالات والكمبيوتر والانترنت وغيرها بالقدر نفسه الذي تم فيه تحويل الصحراء القاحلة الى غابة اشجار وفواكه وخضار, وارتفاع قامات البيوت عالية في السماء بحيث اصبحت ناطحات سحاب بالمعنى الكامل للكلمة. لكن هذه المعجزة التي تدهش كل من يزور الامارات حاليا لم تغير ـ برغم التبدل الذي احدثته في العلاقات الاجتماعية بين تجار وصناعي الامس من البدو وتجار وصناعي اليوم عبر المناطق الحرة والانترنت ـ اي شيء في التعامل الاخلاقي الاصيل للمجتمع وحتى في واقع الدولة والادارة نفسها, عندما يتعلق الامر بالقواعد الاصيلة التي تبدو متجذرة في هذه الدولة. واذا لم يكن من قبيل التضخيم او المبالغة في شيء الاعتراف بأن تبدلات واسعة وحتى جذرية احدثها النفط في انماط الحياة لدى الاماراتيين كما لدى الخليجيين في المنطقة كلها, فضلا عن تبدلات اخرى في انماط تعاطي الادارات والمؤسسات على انواعها الرسمية منها والخاصة, مع سكان المنطقة الاصليين ومع الوافدين من الدول العربية, الا انه ليس من قبيل التضخيم والمبالغة في شيء ايضا القول ان (دولة الاخلاق) في الامارات العربية برعاية صاحب السمو الشيخ زايد ووفق قيمه وتقاليده الاصيلة لم تهتز بدورها كذلك. في علاقات دولة الامارات العربية مع الخارج اي ما يوصف بالسياسة الخارجية لهذه الدولة بدت واضحة دائما مبادىء الصداقة والعداوة من جهة وعناوين مثل (صديقك من صدقك لا من صدقك) (بتخفيف الدال في فعل صدقك الاولى وتشديدها في الفعل الثاني) و(الصديق عند الضيق) و(صديق صديقي صديقي كما هو صديق عدوي عدوي) ... حتى وفي احلك الازمات واشدها ضراوة, وفي السلام كما في الحرب. وعلى سبيل المثال, فليس في الطرح السياسي الذي اعتمدته دولة الامارات ولا تزال تعتمده حتى الآن بخصوص الجزر الاماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الكبرى وابو موسى) ودعوتها لاحالة النزاع بشأنه على محكمة العدل الدولية في لاهاي, او على اية جهة تحكيم اسلامية, سوى مايتفق نظريا وعمليا مع مبادىء (دولة الاخلاق) هذه وقيمها وشعاراتها. كذلك فليس في موقف هذه الدولة من المعاناة الطويلة والمريرة للشعب العراقي بسبب الحصار الدولي الظالم المفروض عليه منذ عشر سنوات, وتمييزها الواضح والقاطع بين موقفها من نظام الحكم العراقي منذ اللحظة التي غزا فيها الكويت وحتى الآن وموقفها الآخر من حرب التجويع المستمرة ضد الشعب العراقي, الا ما يتوافق تماما ايضا مع مبادىء وقيم وشعارات هذه الدولة في سياق ذاته. ولا ينسى اللبنانيون ابدا ذلك العدد الكبير من المبادرات الاخوية التي قام بها صاحب السمو الشيخ زايد شخصيا ـ وكانت دائما تحت عنوان الاخوة بلسان صاحب السمو الشيخ زايد نفسه ـ لاصلاح ذات البين فيما بين الاطراف المتصارعة في لبنان اثناء الحرب اللبنانية الاهلية فضلا عن المساعدات والهبات التي قدمها الى الدولة في مرحلة اعادة بناء ما هدمته الحرب, والى المؤسسات والجمعيات الخيرية والانسانية لمد المواطنين بالعون اللازم في مواجهة متطلبات وحاجات الصحة والتعليم والعوز, بعد تدهور قيمة العملة الوطنية في لبنان وتدني مستوى المعيشة لدى المواطنين. والامر ذاته تكرر بالطريقة نفسها و بطرق اخرى مماثلة في السودان مما يتعلق بمشكلاته الداخلية في الجنوب والشمال, وفي الصومال فيما يتعلق بجولات القتال الدامية والمتواصلة فيه منذ سنوات من دون ان ننسى طبعا قضية العرب الاولى (قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي) وما قدمته دولة الامارات للشعب الفلسطيني من ناحية وللدول العربية من ناحية ثانية, بهدف رد العدوان الاسرائيلي على امتداد سنوات طوال ومن اجل ضمان استعادة الحقوق الفلسطينية والعربية التي اغتصبها هذا العدوان تحت انظار ومسامع العالم, ودائما بمساعدة القوى الاستعمارية في الولايات المتحدة وفي اوروبا الغربية. اما عن العلاقات مع العالم الخارجي, فلم تكن دولة الامارات تتعامل يوما مع هذا العالم الا بما يتوافق مع القيم المذكورة آنفا.. ولكن دائما من منطلق ان هذه العلاقات تهدف اساسا لخدمة قضايا العرب ـ بصرف النظر عن النجاح والفشل فيها ـ ولتحقيق الاهداف النبيلة التي تضعها دولة الامارات والدول العربية الاخرى في حساباتها. انها (دولة الاخلاق) هذه التي اسسها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, ولا يزال يرعاها حتى الآن. قد يعتبر البعض ان دولة تقوم على الاخلاق هي دولة خارج العصر في هذه المرحلة من القرن الحادي والعشرين, او انها من ذلك النوع من الدول التي عفا عليها الزمن او يكاد, لكن نظرة فاحصة الى العالم الآن قد تقلب الوضع رأسا على عقب. وما يعانيه العالم في مجال علاقات القوى فيه وفي مجال التهديد الذي يتعرض له بقاء الصغار, دولا منفردة وحتى تكتلات دول, في مواجهة الدول الكبيرة والكتل التي تسعى لتشكيلها في ما بينها, بعض الدليل على ذلك. نائب رئيس تحرير جريدة (السفير) ـ بيروت