على كامل الصفحة التاسعة من صحيفة (لوفيجارو) احدى اكبر الصحف الفرنسية واعرقها واكثرها رواجا, يوم الاثنين 31 يوليو 2000, نقرأ مقالتين لشخصيتين فرنسيتين, مختلفتين لمستقبل الصراع العربي الاسرائيلي, اي في الواقع لما تبقى منه معلقا وخاصة مستقبل مدينة القدس الشريف ومصير ملايين اللاجئين الفلسطينيين. وبالطبع فإن (لوفيجارو) تلخص تلخيصا امينا هنا الانقسام الذي نلاحظه في الرأي العام الفرنسي ازاء قضية ساخنة, ويختلط فيها السياسي بالمقدس والاستراتيجي بالديني. المقال الاول بقلم المحامي والكاتب اليهودي الفرنسي ادوارد فالدمان رئيس جمعية الكتاب اليهود باللغة الفرنسية, والمقال الثاني بقلم وزير خارجية فرنسا الاسبق ميشال جوبير المعروف بمواقفه المعتدلة والمتضمنة للحق الفلسطيني بشجاعة وذكاء. نظرتان متباينتان: الكاتب والمحامي اليهودي دافع عما أسماه القدس الموحدة تحت السيادة الاسرائيلية, داعيا الفلسطينيين والعرب مسلمين ومسيحيين الى اعتناق عقيدة العودة وحق العودة... لشعب اسرائيل الى الارض الموعودة حتى.. يعيش الشرق الاوسط في سلام تلمودي..!! ويتخلى عن اي تفسير آخر للتاريخ والاحداث! وللعلم فإن المحامي فالدمان كتب كتابا منذ سنوات سماه (عودة المقدس) وتكهن فيه بالسيطرة الروحية الكاملة لليهود على حضارة القرن الحادي والعشرين. وهو ليس تكهنا غريبا او استثنائيا لأن كثيرا من المتطرفين اليهود وحتى من المسيحيين البروتستانت يؤمنون بهذا التفوق الروحي ـ العرقي لليهود على سائر امم الدنيا وهي عقيدة عنصرية نشأت منذ المؤتمر اليهودي العالمي الذي انعقد في مدينة بازل السويسرية عام 1897, وتفرعت عنها كل مصائب الشرق الاوسط ومصائب اليهود انفسهم. يقول هذا الكاتب العنصري حرفيا في مقاله: (ان انشاء دولة اسرائيل هو في الواقع احياء للفكر المقدس في العالم بأسره.. ولذلك فإن تقسيم القدس فيه خطر جسيم على الانسانية قاطبة) . الرد الحاسم والذكي على هذه المزاعم جاء في الصفحة نفسها على لسان ميشال جوبير الذي دعا الى تغيير جذري في العقليات لتقبل فكرة دولة فلسطينية تعتبر حقا مشروعا للشعب الفلسطيني الذي يعاني منذ نصف قرن, وعبر عن الامل في ان يتحقق السلام بعيدا عن الوصاية الامريكية ذات المصالح الامريكية قطعا. وقد جمعني الاسبوع الماضي غداء مع الصديق ميشال جوبير وكان معنا سيناتور فرنسي سابق واحد قدماء وزراء الملك الراحل الحسن الثاني وتحادثنا عن الامل الذي كان يمثله لقاء كامب ديفيد, وكان جوبير شديد الحذر لأنه يعلم ان الرئيس كلينتون ليس في مركز قوة يسمح له بالاعتدال والنزاهة, ولكن ـ حسب جوبير ـ فإن كلينتون في مأزق انتخابي صعب ليس لنفسه بل لنائبة آل جور ولزوجته هيلاري الطامحة الى منصب نائبه في الكونجرس.. وهذا وذاك متحاجان لأصوات اللوبي اليهودي النافذ في الرأي العام الامريكي. اما في اذاعة اوروبا واحدة صباح يوم الاثنين 31 يوليو.. فقد اعطيت الكلمة لمدة نصف ساعة للسفيرة الفلسطينية بباريس ليلى شهيد, وكانت مقنعة ورائعة في استعراض تاريخ الصراع ومنزلة القدس لدى المسلمين ولدى المسيحيين, واوضحت حق الشعب الفلسطيني في ان تكون له دولة وان تكون لهذه الدولة عاصمتها ورمزها وروحها اي القدس الشريف. اما في التلفزيون الفرنسي فأصبحنا نرى ـ كما في ليلة الاحد 30 يوليو الماضي على شاشة القناة الفرنسية الرسمية ـ تقارير تعطي الكلمة للاجئين فلسطينيين يحملون مفاتيح بيوتهم التي تركوها عام 1948 في الخليل وحيفا ونابلس والناصرة... وممن يعيشون في مخيمات عين الحلوة وغيرها, وكما قال احدهم (الشيخ حسن محمد 77 عاما): هذا المفتاح سلمته لأبني وابني بدوره سلمه لحفيدي وستظل نرعى ذاكرة شعبنا حتى لا ينسى.. وحتى يعود!) . انها تحولات في الرأي العام الفرنسي ذات معان, لأن اوروبا كلها بدأت تتفهم الحق وتفرزه من الباطل, ولو كان ذلك على استحياء وبخطى ما زالت بطيئة. استاذ في كلية الاعلام ـ جامعة قطر