حقيقة الامر ان ما اريد ان اكتبه هنا يهم الخاصة لا العامة, ولكني اشعر ان الوقت مناسب للخوض فيه, فقد احتفلت مصر منذ ايام بالعيد الثامن والاربعين لذكرى الثورة المصرية, حيث نوقش ما للثورة المصرية وما عليها على نطاق واسع, وبعض ما ذكر ربما يكون صحيحا, وكثير منه علقت عليه وغلفته ما يعلق على التاريخ من شوائب تخفي بعض الحقيقة او تخفي الحقيقة كاملة. السبب الرئيسي في تناولي لهذا الموضوع هو بعض ما قرأته من مذكرات ثروت عكاشة في طبعته الاخيرة الصادرة عن دار الشروق, وهو لمن لا يعرف احد الضباط الاحرار, البارزين. ويذكر له قيادة العمل الثقافي الرسمي في مصر وزيرا للثقافة في فترة حرجة من تاريخها, وثروت عكاشة من الرجال المحترمين الذين تعج بهم ارض الكنانة, وقد كانوا كثيرين ولا يزالون ايضا فمصر كما يقول المثل الشائع (ولادة) . اما الدافع الثاني للكتابة في هذا الموضوع فهو ان الاستاذ محمد حسنين هيكل اختار ان يحتفل بهذه المناسبة بطريقة خاصة جدا, وهي ان يروي تفاصيل يوم واحد مع عبدالناصر, وهو يوم الجمعة الحزين يوم التاسع من يونيو 1967 الحديث الذي اثار في النفس شجونها. ومهما اختلف الكتاب بعد هذه الفترة الطويلة, فإن الواقع حدده الرئيس حسني مبارك في خطابه بهذه المناسبة حيث قال ما معناه: ان هناك فريقين يقيمان الثورة, فريق يضع كل اخطائها امامه ولا ينظر الى منجزاتها وفريق آخر ينظر الى الايجابيات وليس له طاقة على قبول السلبيات. واعتقد ان ذلك التحليل هو التحليل الدقيق والمنطقي لمثل هذا العمل التاريخي, ولكن لان الثورة المصرية قد اثرت ليس في مسيرة مصر, بل والدول العربية قاطبة وربما بعض دول العالم الثالث, ولاننا جيل تربى وفتح عينيه على شعارات الثورة وانتصاراتها واخفاقاتها ايضا, فأي كتابة, او كتاب حول هذا الموضوع يجعلنا نتوقف امامه, مقبلين على قراءته لعل معلومة جديدة موثقة تخرج منه. ليس هذا التوقف امام اللحظات التاريخية توقفا تفرضه النوستالجيا المرضية في اجترار الماضي, ولكنه محاولة لاستخلاص الدروس وفهم المعاني والنظر النقدي الى تجارب امة مازالت تعتمد في بعض سلوكها السياسي النظرية القديمة, نظرية المشاعر لا الحقائق. حاولت مؤسسات مصرية عدة ان تكتب تاريخ الثورة, ولكنها حتى الآن لم تخرج ذاك العمل الموثق والكامل لقصة الصراع الطويل, ولا اعتقد ان اي محلل تاريخي يمكن له ان يفعل ذلك لسبب موضوعي هو ان عمل الثورة وما احاط بها, خاصة في حياة حكم الرئيس جمال عبدالناصر, خلق كماً من المعارك الخارجية والداخلية لا يمكن ان يحيط به احد, ولا حتى الجان, ثم ان التاريخ كثيرا ما يكتب على غير حقيقته, فنحن نجد امامنا اليوم احداثا قد خبرناها يكتب عنها بشكل مخالف فما بالك ان الاحداث قد مضى عليها سنوات طوال, تراجعت فيها الذاكرة أو تسامح الانسان ونسي. وفي الفترة الاخيرة وجدنا عبدالمحسن ابو النور, وهو من رجال الثورة المصرية ينشر مذكراته, كما نشرها من قبل عبداللطيف البغدادي وخالد محيي الدين وحسين الشافعي وآخرون, وقد قيل ان رجل الرئيس عبدالناصر لشئون المعلومات سامي شرف قد ينشر مذكراته قريبا, وهكذا تتراكم المذكرات والذكريات عبر ما كتب في السابق من دراسات بينما بقى بعض رجال الثورة الذين مازالوا على قيد الحياة صامتين, وهم قلة القلة من امثال زكريا محيى الدين, غير ان تلك المذكرات والكتابات الكثيرة تفرقت بها السبل كما تفرق الطريق بأصحابها نتيجة التفاعل بين الثورة والدولة, وما تفرضه طبيعيا من اختلاف. نعود الى الموضوع الذي بدأت به فما يلفت النظر في المذكرات التي نشرت اخيرا لثروت عكاشة ان كاتبها رجل خبر الحياة ورجل له صدقية عالية لدى معاصريه والجيل الذي اتى بعده, بعد ان دوت اسماء كثيرة اخرى من الذين ساهموا بشكل او آخر بأحداث اكبر تغيير بعد الحرب العالمية الثانية في نطاق الدول العربية, ومن هنا تأتي أهمية ما ذكر والزاوية التي اختار ان يذكرها. بعد هذه المقدمة الطويلة نسبيا ماذا روى ثروت عكاشة, ونقل الاستاذ هيكل مما يصلح ان نستفيد منه اليوم وغدا ايضا, ولنقرأ له: يقول ثروت عكاشة لم يكن قد مضى على تعييني وزيرا للثقافة, اكثر من شهرين, اتصل بي سكرتير رئيس الجمهورية (جمال عبدالناصر) الى لقاء عاجل مع الرئيس الذي ما ان لقيته حتى طلب مني الاستماع الى شريط صوتي مسجل لمجموعة من الاشخاص انهالوا على شخص الرئيس بالشتائم, ناعتين اياه بأحط النعات, وسألته مندهشا عمن يكونون فذكر لي اسم احد الوزراء واسم اديب رائد مرموق, وانه استغنى عن خدمات الوزير وامر باعتقال الاديب الشيخ, ولما سألته عن الغرض من دعوتي قال ان يحيى حقي (اديب وكاتب مشهور توفي قبل سنوات) رئيس مصلحة الفنون (التابعة للوزير) كان موجودا معهما ويتعين احالته الى المعاش! فبادرته بقولي لكن من الواضح من الشريط الصوتي انه لم يشارك في هذا السباب وهو مشهود له بعفة اللسان ودماثة الخلق فضلا عن انه اديب مرموق, ومجازاته ظلما على هذا النحو لها اثر سيء في اوساط المثقفين, فقال ولكنه كان موجودا معهما ولم يعترض وهذا يكفي. لقد عالج ثروت عكاشة الوضع بخصوص يحيى حقي بعد ان استأذن الرئيس في ذلك. ولكنه يخلص الى ان التجسس على الوزراء واحصاء حركاتهم وسكناتهم واسرارهم الشخصية داخل بيوتهم قد اتصف بالمساواة مع التجسس على المجرمين والخارجين على القانون كلهم سواء. اما الحادثة الثانية فقد كان ثروت عكاشة قد طلب من الدكتور لويس عوض (باحث ومفكر واستاذ جامعة كان قد فصل من عمله في الخسمينيات وكان يدرس في جامعة دمشق) ان يعمل في وزارة الثقافة مديرا لادارة الثقافة ولكنه اعتذر مفضلا الاستمرار في الجامعة, ولكن يقول الدكتور عكاشة ازاء اصراري قبل وبعد اربعة اشهر من عمله فوجئت انه اعتقل بتهمة الشيوعية, وانا اعلم علم اليقين انه لا يدين بالمبادىء الماركسية, وقد حاولت المستحيل لاطلاق سراحه, فتوجهت الى الرئيس عبدالناصر استصرخه واناشده ان يأمر بالافراج عن برىء فأبلغني انه لا يعرف شيئا عن لويس عوض وان قائمة وصلته من وزارة الداخلية تضم اسماء للاعتقال السياسي فوقعتها. وبعد محاولات ثروت عكاشة مع وزير الداخلية الذي استدعى مدير المباحث فأصر الاخير على ان لويس عوض شيوعي, يقول ثروت عكاشة اوضحت الى مدير المباحث معرفتي التامة بأن لويس عوض بعيد عن الماركسية بل في اعتقادي انه شيخ الليبراليين فقد تتلمذت على يديه في الجامعة ولكن محاولاته ذهبت عبثا. يعلق ثروت عكاشة على هذا الامر بالقول لقد وعيت درسا هو ان كبار المسئولين في الدولة كانوا لا يؤمنون بغير ما يسجله رجال مباحث امن الدولة عن الافراد. وربما هي الفكرة نفسها التي نقلها الاستاذ هيكل فيما نشر اخيرا في مجلة وجهات نظر, وهو مقال حزين وطويل سجل فيه حديثا مطولا بينه وبين عبدالناصر في التاسع من يونيو عشية خطاب التنحي المشهور وكان الاستاذ هيكل يريد ان يخفف عنه, ولكن عبدالناصر (قال وهو يهز رأسه في اسى عميق, ما يؤلمني ان المقادير لم تكن هي التي ضربتنا نحن ضربنا انفسنا والتفت الى ناحية التلفون وكأن الرجل الذي كان يحدثه من خلاله قبل دقيقتين ـ عبدالحكيم عامر ـ تجسد في مكانه, ومن المهم ان الاستاذ هيكل في مقاله الطويل يستشهد بموقف الحلفاء في بداية الحرب العالمية الثانية عندما اجتاحت جيوش الدكتاتور الالماني ادولف هتلر معظم اوروبا وخاصة مقاومة فرنسا فيقول (لعل ما كان اهم واكبر وابقى ان مجموعة من خيرة مثقفي فرنسا لحقوا بديجول في المنفى عارفين ان واجب المثقف هو تمجيد روح الحرية, وهكذا فإن ديجول وجد حوله في لندن جيشا فكريا اقوى من كتائبه العسكرية وهو دور لم نعره التفاتا, اي قدرة المثقفين ـ ان رفع عنهم الحظر ـ على ان يصححوا مسار مجتمعاتهم فليس كل ما يقولونه بالضرورة هو خيانة عظمى تستحق السجن والتشريد وربما التصفية. ما عرضته هو ليس من اجل التذكير او الاعادة او المقارنة ولكن من اجل استخلاص الدروس العميقة فالدول والمجتمعات لا يمكن ان تحقق طموحاتها, ولا حتى من قبل القادة التاريخيين الذين قدموا لها الكثير, ان تقلصت حريات الناس, ولعل تلك الممارسات قد استعارتها انظمة عربية عديدة على انها افضل السبل لضبط آليات المجتمع, فادت الى كوارث مهما حسنت النيات فالسياسة كما يقال هي في النتائج وليس النيات ولو حسنت. لقد اكتشف الجميع اليوم ان الامر اكبر من التخلص من محتل اجنبي او محاربة عدو خارجي, بل الامر الاكثر جدية والاكثر مرارة هو اي طريق تأخذه آليات تطور وتنمية المجتمع, فإن كان هذا الطريق هو عن طريق وأد الحريات والاستبداد فهو معرض بالضرورة لان تنمو على اطرافه ثم تنتشر على سطحه فئات فاسدة ومستغلة تحصد مصالحها في الظلام, مما يعيق اصلا الهدف المنشود بل يغلق الطريق عليه والطريق الاصعب ان يكون الفعل السياسي تحت الاضواء لا في اضابير التقارير وان الاوفق هو جعل كل القوى الوطنية تزاول لعبة السياسة في اطار من القانون المتفق عليه من خلال مؤسسات. لقد تجاوزت مصر خاصة في السنوات العشرين الاخيرة التي حكم فيها الرئيس مبارك الكثير من تلك المنغصات واختلفت المرحلة ويكفي ان نطالع ما يكتبه اليوم كثير من كتاب مصر لنرى ان هناك حوارا صحيا وواضحا يقارع الرأي بالرأي وقد يكفي ايضا ان نرى احكاما قضائية في المجال السياسي يقبلها الحكم في مصر عن قناعة وعن ايمان بمبدأ فصل السلطات وتحقيق الحريات. ان ما يجمل القول ان هذا البلد الكبير والعظيم مصر له من التأثير الكبير في محيطه وقد قيل ان ما يحدث في مصر اليوم يحدث بعد فترة في البلاد العربية ولعل تتابع كامب ديفيد (السادات ثم من بعده بسنوات وبعد خسائر فادحة ووقت ضائع يذهب عرفات الى المكان نفسه) هو ما يصدق هذا القول. وعودا على بدء, إن مصر تعلم وتخوض التجارب القاسية ولكن العزاء انها تحتضن رجالا ونساء ساهموا في الثقافة والسياسة والفن والادب والحياة العربية بحجم اكبر من غيرهم ومازالوا يفعلون, قوتها هي قوة للعرب وركيزة للدفاع عن حقوقهم المشتركة, فتحية الى تلك المسيرة الطويلة وان جاءت بعد اسبوعين من الاحتفال. امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت