يسود في الولايات المتحدة حاليا عزم على مساعدة لبنان بعد الانسحاب الاسرائيلي من جنوبه, وخلال الاسابيع الاخيرة من يوليو قام مجموعة من اعضاء الكونجرس الامريكي من كلا الحزبين بتمرير رسالة موجهة باسم الرئيس الامريكي بيل كلينتون ليوقعها النواب وتطالبه بالموافقة على دعم مهم للبنان وعلى الاغلب تتراوح قيمتها بين 50 و100 مليون دولار هذا العام. واشار النواب في رسالتهم الى الدمار الذي شهده لبنان والى ان استقرار واعمار لبنان مسألة ضرورية لارساء سلام في الشرق الاوسط. وخلال الايام الثلاثة الاولى على الشروع في تدوير الرسالة بين النواب حصلت على 25 توقيعا ومن بينهم اعضاء الكونجرس من الامريكيين العرب الذين يمثلون المناطق ذات الجاليات الامريكية العربية الكبيرة اضافة لبعض اعضاء الكونجرس اليهود من دعاة السلام, وقد اطلق الامريكيون العرب حملة لضمان حصول الرسالة على مزيد من الدعم. كما حصل لبنان ايضا على دعم السيناتور الامريكي العربي الوحيد داخل مجلس الشيوخ وهو ابراهام سبنسر الذي طالب برفع قيمة المساعدة الى 250 مليون دولار ودعم السيناتور مكن من كسب تأييد المزيد من الجمهوريين في مجلس الشيوخ. واضافة لهذه الجهود فقد حث المؤتمر الكاثوليكي الادارة الامريكية والكونجرس على الاستجابة لحاجات لبنان وحثهم ايضا على الاخذ بعين الاعتبار ظروف لبنان المتغيرة والاستجابة بسخاء للتنمية والاعمار في لبنان. وعلى الرغم من حاجة لبنان الواضحة والمؤشرات الايجابية على الجهود التي يبذلها النواب فسيكون من الخطأ الزعم بأنه سيكون من السهل ضمان تقديم المساعدة الامريكية للبنان, اذ ان هناك مجموعة من النقاط يجب اخذها بعين الاعتبار. اولى هذه النقاط واكثرها اهمية هي ان معظم طلبات المساعدة الاضافية دائما ما يكون من الصعب الحصول عليها, ففي العام الحالي خفض الكونجرس الحجم العام للمساعدة الاجنبية التي طلبها الرئيس كلينتون بأكثر من مليار دولار. والنقطة الايجابية بخصوص لبنان هو ان الطلب الذي تحمله رسالة الكونجرس تتضمن دفع المنحة اللبنانية من المئة مليون دولار التي تم تخفيضها من اصل حجم المساعدة السنوية المخصصة لمصر واسرائيل بدلا من طلب مزيد من اموال المساعدات الخارجية. وعلى الرغم من اننا اقتربنا من نهاية العام وان مفاوضات الميزانية قد اوشكت على الاختتام فإن الرعاية المشتركة لطلب المساعدة اللبنانية من الحزبين ما زالت واثقة من ان الادارة ما زالت قادرة على دعم هذه المساعدة. والنقطة الثانية المهمة هي ان الادارة لم تفصح حتى الآن عن نواياها وعندما اجتمع الامريكيون العرب مع مستشار الامن القومي ساندي بيرجر ليضغط لصالح المعونة اللبنانية قال لهم بأن الادارة تأمل ان تختتم جهودها التي بدأتها في كامب ديفيد ثم تعمل على تقديم طلب مساعدة شاملة للكونجرس, وذكرت الادارة بأن مثل هذه المساعدات الشاملة سيكون من الاسهل تمريرها عبر الكونجرس ذي الاغلبية الجمهورية الذي اظهر المعارضة لبرنامج المساعدات الاجنبية الشاملة. لكن عندما توقفت عملية كامب ديفيد بدأت الادارة تعيد تقييمها لنهجها وخلال لقائه مع التلفزيون الاسرائيلي تحدث الرئيس كلينتون علنا لأول مرة عن رغبته في تقديم مساعدات الى لبنان, وقال: نريد ايضا ان نساعد الحكومة اللبنانية على تعزيز مقدرتها للتحكم بجنوب لبنان وان تحرز تقدما نحو مزيد من الوجود الطبيعي لها هناك. وعلى الرغم من الدعم الحزبي الثنائي من جانب بعض الاصدقاء في الكونجرس والدعم الواضح الحالي من جانب الرئيس كلينتون فما تزال هناك معارضة قوية للمساعدة اللبنانية من جانب بعض عناصر اليمين المتطرف في الكونجرس وفي هذا السياق من المهم الاخذ بعين الاعتبار الجهود التي يبذلها رئيس اللجنة الفرعية لشئون جنوب وغرب آسيا داخل لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور سام براونباك الذي عقد جلسة مثيرة للجدل بخصوص لبنان مؤخرا والتي تحولت الى هجوم على سوريا ولم يتحدث سوى اثنين من المعادين للسلام ولم يذكر في الجلسة إلا القليل عن دعم لبنان فيما جرى التركيز على مهاجمة سوريا. وفي الحقيقة توصلت الجلسة لنتيجة واحدة هي ان لبنان, دام تحت سيطرة سوريا يجب عدم تقديم اي مساعدة للحكومة اللبنانية لانها لن تكون سواء مكافأة لسوريا. وعلى الرغم من ان تلك ليست إلا رأيا للاقلية المتطرفة في الكونجرس فهي تظل عاملا فاعلا يجب اخذه بعين الاعتبار في كل التقديرات التي تخص ما يمكن ان تكون عليه نتيجة طلب المساعدة اللبنانية. وكان الامريكيون العرب هم اول من اطلقوا الحملة لضمان تقديم مساعدة للبنان لذين يستمرون في الضغط على الادارة والكونجرس لمساعدة هذا البلد. انتقل بعد ذلك لأتحدث عن القدس وعن (القرارات احادية الجانب) وانتخاب القيادتين الحزبيتين الديمقراطية والجمهورية, ففي محاولة مكشوفة لمساعدة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لينجو بحكومته في التصويت على الثقة بها في الكنيست, قطع كلينتون صمته الذي دام سبع سنوات ونصف بخصوص مدينة القدس وفي مقابلة مع التلفزيون الاسرائيلي في 28 يوليو قال الرئيس: تعلمون اني قد اردت دوما ان ننقل سفارتنا الى القدس الغربية, وقد خصصنا موقعا لها هناك ولكن لم افعل ذلك لاني لم اشأ ان نقضي على مقدرتنا على المساعدة في التوصل لسلام دائم وعادل ومأمون للاسرائيليين والفلسطينيين, لكن وفي ضوء ما حدث فإني سأعيد النظر في هذا الامر وسأتوصل لقرار نهائي في وقت ما قد يكون عند نهاية العام الحالي على ابعد حد. وفي تعقيبه على تعقيد مفاوضات كامب ديفيد بخصوص القدس قال الرئيس كلينتون. لكي بقيت اقول للفلسطينيين وسأقول لهم ثانية بأنكم لن تتمكنوا من التوصل لاتفاق حول شيء بهذه الاهمية مثل مدينة القدس وهي المكان الاقدس في العالم لليهود وللمسيحيين وأحد اقدس الاماكن في العالم للمسلمين اذا كان المطلوب هو ان يقول احد الجانبين للآخر بأنه قد هزم كل مصالح الطرف الآخر واذا ما وصل الطرفان للقول بأنهما لن يتوصلا لاتفاق نهاية الامر, فلن يمكن التوصل لاتفاق. وفيما يصر المسئولون الامريكيون على ان الرئيس الامريكي لم يفتح افقا جديدا بتعليقاته تلك فإنها قد اثارت هرجا ومرحا في العالم العربي واشار مسئولو الادارة الامريكية الى انه منذ (قانون نقل السفارة) يتطلب ان يعيد الرئيس اعلان معارضته للقانون كل ستة اشهر فإن قوله بأنه سيفعل ذلك في نهاية العام الماضي ما هي إلا امر حقيقي. على كل حال فإن الكثيرين من العرب يرون في ملاحظات الرئيس تحديا مبطنا, كما نظر بسلبية ايضا لبعض ملاحظات الرئيس بخصوص احتمال اعلان الفلسطينيين لدولتهم المستقلة من جانب واحد في 13 سبتمبر المقبل, وفي ذلك اللقاء التلفزيون قال الرئيس كلينتون: اعتقد انه يجب ألا تكون هناك اجراءات من جانب واحد واذا ما حدث ذلك فإن مجمل علاقاتنا سيعاد النظر فيها ولن يتم تقييد هذا التغيير, اعتقد انه سيكون خطأ جسيما اتخاذ خطوات احادية الجانب والمضي بعيدا عن عملية السلام وفي ذلك الاحتمال ستكون هناك عواقب بالتأكيد ليس في هذه المنطقة, فحسب بل في العالم بمجمله وهناك اشياء ستحدث سأعيد النظر في كل علاقاتنا ولن اتوقف عند ذلك فحسب. على كل فإن كلا القضيتين وجدتا مكانهما لدى القيادتين الحزبيتين الجمهورية والديمقراطية في هذا الشهر. وكانت القيادة الجمهورية هي الاكثر هجومية بين الاثنتين وبخصوص القدس اعاد الجمهوريون التأكيد على موقف مرشحهم الرئاسي جورج بوش حينما قالوا ان على الولايات المتحدة التزاما اخلاقيا وقانونيا بنقل سفارتها وسفيرها الى القدس. والرئيس الجمهوري المقبل وحال استلامه لمنصبه سيبدأ عملية نقل السفارة من تل ابيب الى عاصمة اسرائيل القدس. وبخصوص قضية اعلان الدولة الفلسطينية قال الجمهوريون: ان اعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد سيكون خرقا للالتزام بعملية السلام, والادارة الجمهورية الجديدة ستعارض هذا الاعلان كما ستفعل كل ما بوسعها لمحاولة التوصل لحل نهائي وسلام دائم في الشرق الاوسط وفيما نأمل باستتباب السلام فإن التزامنا بأمن اسرائيل هو مصلحة اخلاقية واستراتيجية مهمة لنا. ومن جانبهم تغاضى الديمقراطيون عن التوصيات التي تقدم لها الامريكيون العرب واعادوا خطاباتهم التي ذكروها بخصوص القدس عام 1996 ولم يأتوا على ذكر نقل السفارة الامريكية لكنهم اشاروا الى ان القدس هي عاصمة اسرائيل ويجب ان تبقى مدينة غير مقسمة ومفتوحة امام كل الاديان.