تتضح استحالة الفصل الموضوعي الدقيق بين العوامل الداخلية والخارجية اتضاحا اكبر بالقول ان كل عامل من هذه العوامل لا يفسر بعامل واحد ولكن بعوامل متعددة. التفسير هنا معقد وليس بسيطا, بمعنى ان تفسير عامل يتحقق بعوامل متعددة. وبالتالي فإن العامل الواحد نتاج عوامل متعددة. واي تفسير لا يأخذ هذه الصفة بعين الاعتبار يكون تفسيرا ناقصا, وبالتالي لايكون تفسيرا شاملا محققا للفهم الاشمل لواقعنا. ومما يؤكد اهمية التفسير الشامل للواقع ان كثيرا من العوامل تحدث في الوقت نفسه وان هذه العوامل تؤدي في الوقت نفسه الى نشوء عوامل اخرى. ان مصلحة اصحاب النفوذ في الداخل تلتقي مع اصحاب المصالح في الخارج في عدم احداث التغير الداخلي او في احداثه حسب المصالح المتصورة. وكلمتا (الداخلي) و(الخارجي) تدلان على المكان على الجغرافيا والتشابك العضوي لكل العوامل المختلفة في ايجاد واقع يتسامى فوق التصنيف الجغرافي للعوامل, وذلك لأن شمول العوامل وتشابكها العضوي, مما يعني استحالة الفصل الموضوعي بين ما تسمى بالعوامل الداخلية والعوامل الخارجية, اوسع من ان يصنفا العوامل بالمفاهيم الجغرافية. وجرت العادة على ان تقسم العوامل الى عوامل سياسية واقتصادية وثقافية ونفسية وغيرها, والى عوامل تاريخية وعوامل راهنة. وينطوي هذا التقسيم على التبسيط, وذلك لأن هذه العوامل كلها تتشابك فيما بينها تشابكا معقدا ونشيطا افقيا اي من ناحية المواضيع, وعموديا اي من ناحية البعد الزمني. وبالتالي يستحيل الفصل الموضوعي الدقيق بين هذه العوامل. العامل التاريخي اسهم في نشوء العامل الراهن وقسم ـ على الاقل ـ من العامل التاريخي هو قراءتنا ونحن في واقعنا الحاضر للتاريخ. ولا يصح هذا التقسيم الا باضفاء صبغة نظرية مجردة على اي عامل من هذه العوامل. ولا يصح هذا الاضفاء في السياق الاجتماعي النفسي, لان العوامل في هذا السياق تتجلى وهي متأثرة تأثرا نشيطا بالعوامل الاخرى ومؤثرة تأثيرا نشيطا فيها. وعلى الرغم من العوامل الداخلية والخارجية المتداخلة في ايجاد هذا الواقع, يمكن لاناس عرب واعين احرار كسروا اغلال الفكر ان يبدأوا بدايات متواضعة طيبة سليمة تكون مدماكا في صرح مجتمع مدني سليم واع قوي منفتح الفكر ومنطلقه. والذين يتكلمون عن الواقع ويعربون عن استيائهم منه وسخطهم عليه لم لا يبدأون بداية متواضعة ولم لا يأتون بفكر لا يجعل تلك البداية مبعث قلق لدى الفئات القوية التي تتخوف من تغيير بعض قسمات هذا الواقع؟ * استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة