في الاطار العربي ، بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

ما زال الاثر الكبير الذي تركته احداث الغزو العراقي لدولة الكويت والذي وقع منذ عشر سنوات اكبر من ان تستوعبه المنطقة العربية. بل ما زالت البلاد العربية تدفع من ثمن ذلك الغزو والاحداث التي ارتبطت به حتى الآن. فالاثر السلبي لما وقع عام 1990 تجاوز الكويت وما خسرته ليصل الى العراق الذي دفع ثمنا كبيرا, ثم الى الشعب العراقي الذي دفع هو الآخر ثمنا اكبر, وقد تأثرت القضية الفلسطينية سلبا بنتائج ما حصل كما تأثر العالم العربي على كل الاصعدة. وفي عام 1990 فقد العرب الكثير من الثقة بالنفس, وانتقلوا بسرعة الى صف الصراع العربي العربي الناتج عن حدث بدأ بغزو شامل من قبل دولة عربية لأراضي دولة عربية اخرى. ويمكن وضع احداث عام 1990 في مصاف الحروب الكبرى والنكبات التي عانى منها العالم العربي على مدار القرن العشرين. اذ تدخل في الاطار العام كنكبة عام 1948 وكنكسة 1967 وككارثة عام 1982. لكن الاثر الاسوأ لاحداث الغزو العراقي للكويت انها كانت داخلية وعربية عربية, وضعت العرب في وجه بعضهم البعض بطريقة قلما شهد العرب مثلها في القرن العشرين. بمعنى اخر وقعت احداث 1990 ضمن اطار صدام عربي عربي وتدويل شامل لقضية الكويت, وذلك لان دولا ومجتمعات عديدة عربية وغربية رأت في الغزو العراقي عملا خاطئا وتهديدا كبيرا لها. وبطبيعة الحال فإن الصراع الداخلي العربي العربي اكثر صعوبة من الصراع التقليدي مع الخارج, وذلك لانه يتم بين اطراف تعتمد على بعضها البعض اشد الاعتماد وتعرف نقاط ضعف بعضها البعض. الاعتماد المتبادل والمعرفة والالفة والترابط التاريخي يجعل الصراع العربي العربي عندما يقع صراعا صعبا وقاسيا ومدمرا. لهذا فمن تأثيرات الغزو العراقي السلبية انها ضربت حالة الاعتماد المتبادل بين العراق ودول الخليج واساءت لحالة التعاطف الخليجية مع العراق والتي سادت مرحلة الحرب العراقية الايرانية وما تلاها. كما دمر العراق ابان الغزو قدراته التي كان بامكانها ان تكون سندا للعرب في توازنات استراتيجية ومفاوضات تاريخية مع اسرائيل. وفقد العرب الكثير من الاستقلالية تجاه العالم وذلك نتيجة للفراغات الامنية الاقليمية التي خلفها الغزو العراقي. ونتج عن عام 1990 توجيه ضربة كبيرة للقضية الفلسطينية وذلك من خلال شق المواقف العربية. وتم بالوقت نفسه اضعاف الدور الاقتصادي لفلسطينيي الشتات اضافة لحركة كبيرة في السكان بين الدول العربية ورسم جديد لخارطة السكان وتوازنات العمالة والعمل. هذه سلسلة من القضايا والاحداث والتداخلات والخسائر والتراجعات العربية ما كان يمكن لها ان تقع بهذا الشكل المكثف وبهذا الحجم لولا الغزو العراقي لدولة الكويت. ومن اهم ما يجب النظر اليه في اطار ذكرى عام 1990 هو مخاطر الاستخفاف بحدود الدول وسيادتها في العلاقات العربية العربية. فلا الوحدة ممكنة بين اطراف متناقضة في الاهداف والانظمة السياسية, ولا هي ممكنة في ظل الفرض القسري ووسائل البطش. الوحدة القسرية والتي تظلم الاخرين كتلك التي وقعت بين العراق والكويت قدمت نموذجا سلبيا للعالم عن العرب, وسمحت لانشقاق شامل في المواقف وتدخل دولي شمل البلاد العربية قاطبة. ان ما وقع عام 1990 منذ عشرة اعوام بالتحديد لا يعني بكاء دائما على اطلال الماضي وهو لا يعني عداوة دائمة بين الشعوب العربية, او قطيعة لا تنتهي بين العراق وجيرانه. لكن بعد عشر سنوات على الغزو العراقي قد لا نجد ما نقوله عن مخرج حقيقي وصادق سوى ضرورة اتقان العرب للغة القرن الحادي والعشرين, وضرورة اتقان طرق تفكيره, ووسائل علمه, ومعرفته. بل فوق كل شيء ضرورة تحول سياسات الدول في منطقتنا نحو اولوية المواطن وحقوقه واولوية بناء الاقتصاد والاهتمام بالتعليم. بل لو اخذت هذه المسائل اولوية في سياسات الدول لما وقع الغزو العراقي لانه سبب مخاسر اقتصادية وانسانية, اصابت اولا المواطن في كل من العراق والكويت وفي بقية الدول والمجتمعات العربية. ان الانطلاق نحو مستقبل اكثر استقرارا يتطلب اذن اجواء من الحرية, وحقوق ثابتة وانتخابات نزيهة وقرارات جماعية وتوازنات دستورية في كل دولة عربية.. ان ذكرى عام 1990 ناقوس يذكر العرب بمدى خطورة التفرد بالقرار وبخطورة التسرع في استخدام القوة وبخطورة سوء تقدير الموقف, وسوء فهم التعامل مع العالم المحيط ومخاطر توجيه البنادق الى الداخل العربي في نهاية اليوم لم يكن هناك أي مكاسب للعراق من جراء غزو الكويت, ولم يكن هناك أي مكاسب لاحد كانت المسألة برمتها مخاسر متتالية لجميع الاطراف العربية ولجميع الشعوب: فهل تعلمنا من التجربة؟ * استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت

تعليقات

تعليقات