هل مضى عهد الثورات الذي شهده العالم في الفترة التالية لنهاية الحرب العالمية الثانية, وكان سببا في تحرر معظم القارة الأفريقية ودول أمريكا اللاتينية وآسيا؟, إضافة إلى ما صحب اندلاع تلك الثورات من ثورات مضادة قادها الاستعمار الغربي القديم في محاولة للتشبث بما كان يملك . وأصبح مهددا بفقده نهائيا, أو تلك التي كانت تقودها القوة الاستعمارية الجديدة المتمثلة في الولايات المتحدة, التي كانت تحاول احتلال مكان الاستعمار القديم, فكانت تناهض ثورات التحرر تحت شعار (مكافحة الشيوعية) . أم أن تلك الثورات أصبحت تتخذ شكلا آخر؟, وبالتالي تغير شكل الثورات المضادة التي كان يقودها الاستعمار القديم والاستعمار الجديد, كشكل من أشكال مناهضة حركات التحرر تحت مسميات جديدة, أبرزها ما خرج علينا في السنوات الأخيرة تحت مسميات متعددة, منها: اقتصاد السوق, والعولمة, إلى آخر هذه المسميات التي لا تهدف إلا للإبقاء على السيطرة القديمة تحت مسميات جديدة. هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة عادت لتطل علينا من جديد خلال السنوات الأخيرة, خاصة بعد ثورة الهنود الحمر التي انطلقت في إقليم (تشاباس) المكسيكي عام ,1994 والتي لم يستطع الجيش أن ينهيها على الرغم من مرور ست سنوات على اندلاعها, بل أصبحت تمثل رمزا لا يقل تأثيرا عن رمز (التشي جيفارا) في الستينيات والسبعينيات. أو تلك التي نجحت في فنزويلا باستغلال شعارات (الديمقراطية) بعد أن فشل الانقلاب العسكري باعتباره طريقة قديمة ومتخلفة تأتي في غير مكانها وزمانها, لكنها تقدمت لتواجه ثورة مضادة تتمثل هذه المرة, لا في الاستعمار القديم أو حتى الاستعمار الجديد بعد أن فقد شعار (مكافحة الشيوعية) بريقه, بسقوط الاتحاد السوفييتي, وتخلي خليفته روسيا عن أيدلوجيتها ودخول (بيت الطاعة الرأسمالي) المتمثل في اقتصاد السوق, وقبول الأنساق الاقتصادية التي تفرضها العولمة. عاشت (الثورة الفنزويلية) الجديدة بقيادة العقيد السابق (هوج وتشابث) هذا الأسبوع حلقة جديدة من حلقات تنفيذ مخططاتها للخروج من النفق المظلم الذي دخلت فيه ثالث أكبر دولة مصدرة للنفط في العالم, لتصبح واحدة من أفقر الدول, أكثر من ثمانين بالمئة من سكان فنزويلا يعيشون تحت مستوى خط الفقر على المستوى العالمي, فقد جرت الأحد الماضي الانتخابات التي دعا إليها العقيد السابق بعد أقل من عامين من توليه الرئاسة, ليؤكد أنه يحظى بدعم شعبي لتنفيذ مخططاته. وكأنه يرد بذلك على الحزبين التقليديين اللذين يحاولان اتهامه دائما بأنه (دكتاتور يرتدي الزي الديمقراطي) , وكانت نتيجة تلك الانتخابات مخيبة لآمال الذين يحاولون الوقوف في وجه التغييرات الجديدة التي تستخدم الديمقراطية الغربية سلاحا للتمرد على اقتصاد السوق والعولمة, برفضها عمليات الخصخصة التي انتشرت في العالم كله كالنار في الهشيم, والتي نجحت خلالها الشركات المتعددة الجنسية في احتلال مواقع القوة التي كان يحتلها الاستعمار القديم, وأصبحت تملك دفة تسيير السياسة الداخلية للبلاد التي سقطت في قبضتها. تماما كما فشل الجيش المكسيكي بدعم أمريكي في إخضاع (ثورة الهنود الحمر في تشياباس) طوال تلك السنوات, فشلت الشركات المتعددة الجنسية في إسقاط ثورة هوجو تشابيث في فنزويلا. كانت خطط الحزبين القديمين في فنزويلا بيع الشركات العامة المملوكة للدولة ومن بينها شركات إنتاج وتصدير البترول الذي يمثل نسبة 80 في المئة من صادرات البلاد, وكانت الشركات المتعددة الجنسية تتحين الفرصة للانقضاض على تلك الشركات لابتلاعها بأسعار بخسة لا تساوي تراب الأرض التي تقف عليها, وكان الطريق مفتوحا أمام تلك الشركات لإحكام سيطرتها على مصدر العملات الأجنبية الرئيسي في فنزويلا بفضل الفساد الذي كان يعم الإدارة, ويتقاسمه الحزبان الرئيسيان إرثا لا يختلفان عليه. لذلك كان ظهور العسكر الثوريين بقيادة العقيد هوجوت شابيث تهديدا لتلك الخطط, وفشل انقلاب عام 1992 وقتها بسبب وقوف الشركات المتعددة الجنسية خلف الحزبين الرئيسيين الحاكمين في البلاد. لكن يبدو أن العقيد هوجو تشابيث اكتشف أن زمن الحكم من خلال الانقلابات العسكرية قد ولى, تماما كما انتهى عصر (الثورات المضادة) المدعومة رسميا من الدول الاستعمارية تحت شعار (مكافحة الخطر الشيوعي) , فقرر استغلال السلاح نفسه للوصول إلى الأهداف التي يعلن عنها, والتي تختلف اختلافا كليا عن أهداف الحزبين المتناوبين على الحكم منذ أن حصلت فنزويلا على استقلالها عام 1958. تخلى العقيد تشابيث عن زيه العسكري, إلى (البيريه الأحمر) رمز (جنود المظلات) الذين كان ينتمي إليهم قبل الانقلاب, ونزل إلى الشارع السياسي داعيا إلى مكافحة الفساد, الذي كانت رائحته تزكم الأنوف, ولم يكن العقيد السابق في حاجة إلى جهد كبير لإقناع عامة الناس, لأن نتيجة الحكم الفاسد كانت ظاهرة للعيان. عندما نجح في الوصول إلى رئاسة البلاد في ديسمبر عام ,1998 قرر الدخول في مواجهة مباشرة مع من رفع راية النضال ضدهم, ولم يترك للأحزاب التقليدية فرصة التقاط الأنفاس, فقام بحل البرلمان ووضع مكانه لجنة منتخبة كان يسيطر على أكثر من 9 في المئة من أعضائها, وأعلن عن وضع دستور جديد يمنحه سلطات واسعة تمكنه من اتخاذ قرارات ذات حساسية كبيرة دون الرجوع إلى السلطة التشريعية. لم تكن الشهور الأولى من فترة حكم العقيد تشابيث سهلة, فقد قررت الشركات المتعددة الجنسية أن تدخل في معركة معه لإجباره على السير في طريق الخصخصة, الذي يمكنها من وضع أقدامها حيث كانت تخطط, وعندما فشلت في إقناعه قررت سحب الاستثمارات الأجنبية من فنزويلا. كان يمكن للشركات المتعددة الجنسية أن تنجح في مسعاها, لأن فنزويلا وحكومة العقيد تشابيث كانت في حاجة إلى الاستثمارات الأجنبية لتنفيذ برامجها الإصلاحية, خاصة الاجتماعية منها التي تحتاج إلى ميزانية قوية, لكن ارتفاع أسعار البترول خلال تلك الأشهر قلل من أهمية سحب تلك الاستثمارات الأجنبية, فقد تضاعفت أسعار البترول منذ تولي تشابيث الحكم ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل وصوله للسلطة. عندما دعا هوجو تشابيث إلى انتخابات عامة ورئاسية جديدة بعد إقرار الدستور الجديد, وجدت الشركات الأجنبية فرصتها في الإطاحة به, وإبعاده عن طريقها, فقامت بحملة دعائية كبيرة ضده تتهمه بأنه ذو نزعة يسارية عفا عليها الزمن, واستغلت علاقته بالزعيم الكوبي فيدل كاسترو, و بدأت في سحب الاستثمارات الأجنبية من البلاد, وقررت استغلال فرصة انشقاق زميله العسكري السابق أيضا (أرياس كارديناس) لسحب البساط من تحت قدميه, وقامت بمحاولات لتحريض الجيش على الانقلاب على الحكم المدني. من كان يتابع الحملة الانتخابية أمكنه أن يشاهد هذا الصراع, لكن الرئيس هوجو تشابيث كان محظوظا على غير العادة, فقد كانت أسعار البترول في تزايد مستمرمما أدى إلى زيادة دخل البلاد من العملات الأجنبية بمعدلات تفوقت على معدلات الأموال الأجنبية المسحوبة من البلاد. من هنا بدا أن الفشل هو نهاية هذه (الثورة المضادة) التي كانت تقودها الشركات المتعددة الجنسية, التي كانت تهدف إلى إعادة الأحزاب القديمة للحكم وتتمكن من السيطرة على الشركات العامة تطبيقا لعمليات الخصخصة التي تدعو إليها العولمة. يضاف إليها تخلي الجيش عن اللعب على الساحة السياسية دور مخلب القط الذي كان دور كل جيوش أمريكا اللاتينية في الحقبة الماضية, فقد أعلن الجيش أنه لن يتدخل في السياسة الوطنية للبلاد, وربما جاءت هذه الخطوة من جانب الجيش بعد قرارات أصدرها الرئيس لصالح الجيش, منها منح العسكريين حق المشاركة الانتخابية الذي كان محظورا عليهم بنص الدستور القديم. نجاح الرئيس هوجو تشابيث ليس نهاية المطاف أمام هذا النوع الجديد من الثورات التي يبدو أنها أصبحت تناسب (موضة العولمة) أو (سلاح الرد على العولمة) , هذا النجاح يحمل في طياته خطرا أساسيا, وهو تحول الرئيس هوجو تشابيث إلى (دكتاتور) كما هي عادة العسكريين عندما يصلون إلى السلطة, في هذه الحالة يكون من السهل على الشركات المتعددة الجنسية أن تصل إلى أهدافها, خاصة أنه أعلن بعد فوزه الانتخابي أنه يريد البقاء في السلطة لتنفيذ (برنامجه الانتخابي) , وأنه في حاجة إلى (11 سنة لتنفيذ هذا البرنامج) , مع أنه يعلم أن الفترة الرئاسية الواحدة مدتها 6 سنوات فقط (؟!). إذن خطر الدكتاتورية أصبح قائما, ومن هنا أصبح خطر وقوع البلاد في قبضة الشركات المتعددة الجنسية أكثر احتمالا. لأن الدكتاتور يحيط نفسه عادة ببطانة موالية له, ولضمان الولاء لا بد من تغذية تطلعاتها, وهذا لا يتم إلا من خلال منحها امتيازات تتحول في النهاية إلى استغلال للسلطة وفساد في الإدارة, وهذا هو بالضبط ما تريده الشركات المتعددة الجنسية. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.