أبجديات ، تكتبها : عائشة ابراهيم سلطان

عندما يتحدثون عن موجات الحر التي تضرب مدن الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا وجمهوريات روسيا وبقية بلاد الله التي يتجمد الانسان فيها من البرد معظم أيام السنة فإنهم يشيرون إلى ارتفاع الحرارة هناك حتى تصل في أسوأ حالاتها إلى 35 أو 38 درجة مئوية! وهي الدرجة التي يخرج الناس فيها إلى الشوارع يلقون بأنفسهم في نوافير الحدائق العامة وأحواضها, بينما يموت البعض منهم لعدم قدرتهم على الاحتمال! أما جداتنا وأمهاتنا فيعتبرن هذه الدرجات (القاتلة) من الحرارة .. براد!! وبرغم ان هؤلاء الجدات والأمهات بهذه الدرجة من الصبر والتحمل وقلة الشكوى, إلا انهن قد عرفن الترحال في طلب المناخات الباردة منذ زمن وأحيانا كان الترحال صيفا لطلب الماء والتغيير والتخفيف من النفقات و.. إلخ لكن ذاكرة (التصييف) عند هؤلاء قد بدأت منذ زمن بعيد في سهول منطقة (الباطنة) في سلطنة عمان, وفي (خصب واليادي وبخا وغمضاء) وغيرها في منطقة رؤوس الجبال, وكذلك في واحات ليوا في العين ثم تطورت بحسب المستوى المادي لتصل إلى شيراز في ايران ولبنان وبومباي. هذه الذاكرة تتمدد اليوم عند أجيالنا المعاصرة لتصل في سفرها الهارب من مناخ الصحراء الحارق إلى حدود دول اسكندنافيا العذبة في شمال الدائرة القطبية, وإلى الساحل الذهبي الرائع المقذوف برقة وجمال بهي في أقصى شواطئ الشرق الاسترالي, وإلى أقصى سواحل الغرب الأمريكي, و ...إذن فالهروب من موجات الحر مبدأ قديم وطقس تراثي لم نبتدعه نحن اليوم, وإنما تعارف عليه الأجداد قديما, بحسب معارفهم ووسائلهم وامكانياتهم و... فلوسهم طبعا!! والحمد لله أننا مازلنا أحياء, ونحن نكتوي بدرجات حرارة تصل إلى الخمسين مسببة كل الأضرار و(الأعطال) النفسية والذهنية والجسدية والمادية, ورحم الله العلامة الكبير (ابن خلدون) الذي قال ان مناخ البلاد ينعكس مباشرة على نشاط أهلها, وانه قد عرف عن (الفرنجة) يقصد بلاد الغرب وأوروبا نشاطهم وحماسهم بسبب جمال مناخ بلادهم, وعرف عن أهل أفريقيا كسلهم وتدنيهم في مراتب الحضارة أيضا بسبب سوء مناخهم, وهكذا نحن أيضا, ومن يطالبنا بعمل وابداع في هذا الصيف القاتل, فإننا نحيله إلى جمعيات حقوق الانسان, والعمال التي تحرم العمل في درجات حرارة تصل إلى الأربعين فما بالكم بالخمسين؟ لكننا مع ذلك نعمل ونجهد انفسنا يوميا على الخروج إلى جحيم مناخ الصحراء الذي فر أغلب الناس منه إلى نعيم لندن واسكتلندا واستراليا ودول الغرب الأوروبي بحثا عن الأفياء الظليلة والنسائم العليلة والجمال المنتشر في كل الأرجاء بدءًا بالغواني الحسان وانتهاء بالماء والخضرة وراحة القلب والبال. ولكننا أيضا كبقية خلق الله نريد ان نرتاح في مكان رحيم يجدد لنا الذاكرة وينعش القلب ويتيح لنا مزيدا من الصفاء لقراءات أخرى ومشاهدات أكثر عمقا وتجارب جديدة تضيف لمعارفنا وانسانيتنا وأرواحنا وتثري مفرداتنا واهتماماتنا التي ستعيننا في مقبل الأيام على اكتشاف (أبجديات) أخرى أكثر جمالا, فإذا لم يجد القارئ الكريم زاوية (أبجديات) التي اعتادها يوميا ابتداء من الغد, فليعلم بأن صاحبتها قد غادرت إلى جهة (ما) من بلاد الله الواسعة على أمل قريب باللقاء! عائشة ابراهيم سلطان

تعليقات

تعليقات