يمكن القول ان فلسفة الانتقال الى المجتمع المدني في الدول العربية بدأت تأخذ اشكالا عدة منها: 1ـ صعود جيل جديد الى سدة الحكم في عدد من الدول العربية: سوريا, الاردن, المغرب.. الخ وقد اقترن هذا الجيل بالنشاط والانفتاح والتحديث واعادة البناء على اسس جديدة تتضمن احياء المجتمع المدني ومؤسساته مقابل تراجع العمل الحكومي. 2ـ بلوغ الدول العربية درجة معقولة من الدستورية في الحياة السياسية وامتلاك هذه الدول للقوة وعناصرها ووسائلها بما يعني استحالة دحرها من قبل الجماعات المعارضة سواء الراديكالية منها او المتطرفة (الدينية, الماركسية, القومية, الاقليات القومية او الدينية) وبالتالي فإن مسألة تطبيع العلاقة في الداخل بين النظام من جهة والمجتمع والجماعات المعارضة من جهة اخرى, والانفتاح في الحياة السياسية لكي تشمل الفئات الموجودة خارج النظام, خصوصا تلك الرافضة للعنف كلها عوامل تصب في خدمة احياء المجتمع المدني ومؤسساته. 3ـ الاصلاح الاقتصادي الذي تقر بأهميته الدول العربية جميعا بات يشكل مدخلا (حقيقيا) ولو بطيئا لعملية رفع الدولة وصايتها على الاقتصاد, وبالتالي عن قطاعات اساسية في حياة المجتمع وحركته في بناء مؤسساته الاقتصادية والاهلية التي تشكل بدورها ارضية اساسية لمؤسساته الثقافية والفكرية والابداعية وفي تقوية مواقعه في مواجهة المؤسسات التي اقامتها الدولة تحت اسم المنظمات الشعبية والاتحادات والنقابات. 4ـ انتشار مراكز الابحاث والدراسات الاستراتيجية وكذلك الجامعات الخاصة والاهلية والمراكز والمنتديات الثقافية والفكرية والعلمية حيث بات نشاط هذه المراكز والجماعات والمنتديات ونتاجاتها العديدة تشكل حالة معرفية وعلمية ومعلوماتية تكشف الثغرات القائمة في علاقة الدولة بالمجتمع وضرورة تصحيح هذه العلاقة واعادة الاعتبار للمجتمع والفرد. 5ـ تكنولوجيا الاتصال المتطورة من اقمار صناعية وانترنت واقنية فضائية وغيرها كلها عناوين في مفردات العولمة التي قلصت من هيبة الدولة الوطنية, وحركت قاع المجتمعات المحاصرة بالشعارات الثورية والايديولوجية وافضت الى تحريك رغبة هذه المجتمعات في تلقي نتاج هذه التكنولوجيا التي صهرتها ووضعتها في سياق جديد, مفرداته الحصول على المعلومة ومعرفة الآخر, وامتلاك لغة الحوار, وتقوية الميول الفردية بدلا من الايديولوجية والانخراط في المجموعات الشعبوية التي قتلت في الفرد الروح الفردية والذات الممتعة في ظل خصائص الصورة والاستهلاك والسرعة. مع الاقرار بأن احياء المجتمع المدني لا يمكن ان يكون بوصفة سحرية او حركة ميكانيكية مبرمجة فهي عملية اجتماعية وسياسية مركبة, ألا ان الوقائع على الارض واتجاه الحركة في البلاد العربية تشيران الى ان المجتمع المدني بدأ يأخذ مواقعه الصحيحة على ارض الواقع في مواجهة المؤسسات والمنظمات والهيئات الايديولوجية التي اقامتها الدولة والتي لم تعد منتجة او فاعلة خصوصا بعد ان حولها القائمون عليها الى مؤسسات للمنافع الشخصية والحسابات التي لا تدخل الا في اطار مصالح فئة ضيقة وغالبا ما تضر بالمجتمع والدولة نفسها على المدى الاستراتيجي. وعليه فإن للحديث عن المجتمع في هذه المرحلة اهمية خاصة, فمن شأن ذلك تنوير الرأي العام وتطوير دعوة المجتمع لبناء مؤسساته غير الحكومية وفتح باب الحوار والنقد مما يؤسس ذلك كله لقناعات ودوافع للعمل الحر وممارسة الديمقراطية وقيمها كقاعدة اساسية لتبلور المجتمع المدني ويكتسب شرعيته السياسية والتاريخية. كاتب سوري