إن إدخال الحق في التنمية واقراره ضمن منظومة حقوق الانسان يرجع أول الفضل فيه الى دعوة رائد سبق وأطلقتها زعيمة الهند الراحلة أنديرا غاندي.. في الأيام القليلة الماضية صدرت الطبعة العربية من (تقرير التنمية البشرية لعام 2000) وهو واحد من أهم الوثائق الدولية التي يعنى باعدادها ونشرها البرنامج الانمائي التابع لمنظمة الأمم المتحدة. ومن حق هذا التقرير, لا أن ننوه نشيد بالطبعة العربية لهذا التقرير الدولي الممتاز حيث جاءت ترجمته في لغة تجمع بين دقة التعريب وسلاسة الاداء اللغوي, فضلا عما تضيفه مثل هذه الترجمات المقتدرة من مصطلحات وتعابير ومفاهيم تشكل في مجموعها روافد من الإثراء اللغوي والمفاهيمي التي تصب بالاضافة والتعميق في مجرى الثقافة والوعي في وطننا العربي بشكل عام. محبوب الحق ولقد سبق وأشرنا في أحاديث سلفت الى أن الفضل يرجع في تقرير التنمية البشرية الى الاقتصادي الرائد البروفيسور محبوب الحق عليه رحمة الله إذ كان سباقا الى تحويل اهتمام الباحثين وجمهرة المهتمين بالشأن الدولي من التركيز على رصد مسيرة التنمية من منظورات الاقتصاد وأرقام الناتج القومي والناتج المحلي الاجمالي الى حيث ارتاد محبوب الحق آفاقا من العلم التنموي أوسع مدى وأرحب آفاقا وأبعد طموحا فكان أن اصطنع علميا ما أصبح يسمى باسم دليل مؤشر التنمية البشرية بوصفه حرفة متكاملة من الأرقام القياسية التي تنظر الى الانسان الكائن البشري بوصفه أساسا للتنمية ومحورا لجهودها. نذكر بالخير محبوب الحق ونترحم عليه بعد أن نضج مشروعه الوليد واستوى على سوقه يعجب العلماء والباحثين في شتى أنحاء المعمورة وقد أصبح عمر التقرير الآن ـ باسم الله ما شاء الله ـ عشر سنوات كاملات. التنمية والموسيقى ولعل السمة الجوهرية المميزة للاصدار السنوي بلغات الأمم المتحدة الدولية الست المعتمدة ومنها طبعا العربية على (سن ورمح) أن تقرير التنمية البشرية يعمد كل عام الى اختيار موضوع جوهري أو محوري يستفتح به عرضه وتحليله السردي والرقمي لأحوال عالمنا من عام الى عام.. والأمر أشبه بالنغمة الرئيسية النغمة المفتاح أو نغمة ارتكاز المقام كما يقولون في علم الموسيقى.. وعليه, فقد بدأ التقرير الأول والرائد في عام 1990 بموضوع رئيسي كان بديهيا أن يدور حول النهج العلمي المتبع وحول التوجهات التي تتوخاها هيئة البحث المكلفة باعداد التقرير والأهداف التي ينشدها.. وليس صدفة والحالة هذه أن يحمل تقرير 1990 العنوان التالي: مفهوم ومقاييس التنمية البشرية وبعد ذلك توالت على مدار عقد التسعينيات الماضي المحاور الرئيسية التي كان يختارها معدو التقرير للتركيز عليها ومن ثم اتخاذها منطلقا لدراسة منجزات وعقبات التنمية البشرية. وهكذا استوت أمامنا لحسن الحظ الموضوعات العشرة التالية التي حرصنا على أن نلمح اليها لعلها تفيد الدارسين والمتابعين للقضايا العامة على الصعد الوطنية أو الدولية: 1991: تمويل التنمية البشرية. 1992: الابعاد العالمية الشاملة للتنمية البشرية. 1993: المشاركة الجماهيرية (حرفيا: مشاركة الناس). 1994: أبعاد جديدة في أمن البشر. 1995: قضايا المرأة والتنمية البشرية. 1996: النمو الاقتصادي والقيمة البشرية (تأمل أرجوك مدى الحرص على التمييز بين المفهومين فقد يحقق بلد ما نموا اقتصاديا لابد أن تعود ثمار هذا النمو على الناس بمعنى الاهتمام بعدالة التوزيع). 1997: التنمية البشرية وهدف القضاء على الفقر. 1998: الاستهلاك من أجل التنمية البشرية. 1999: العولمة بوجه انساني (بمعنى ألا تؤدي ظاهرة العولمة التي نشدها حاليا الى أن تنسحق شعوب وأقوام بين تروسها). وأخيرا تأتي الى بيت القصيد الانمائي الصادر كما أسلفنا منذ أيام وهو تقرير عام 2000 وقد اختاروا له المحور التالي: حقوق الانسان والتنمية البشرية. حقوق الانسان ومفهوم جديد ونحسب أن التقرير الدولي ينطلق في هذا الخصوص من أحدث الطروحات النظرية والفكرية على الصعيد الدولي وهي أن حقوق الانسان لم تعد تقتصر على المفاهيم والمقولات التقليدية التي تدور حول حقوق التعبير أو الاجتماع أو الديانة أو المعتقد وتلك حقوق أساسية بداهة وقد باتت مستقرة فيما نرجو في مدونات القانون الدولي والقانون الانساني الدولي أن تقرير عام 2000 الصادر مؤخرا يؤكد أن حقوق الانسان قد تجاوزت هذه الحدود لتصل الى أهمية حق الانسان في التنمية ونظن أن ادخال هذا الحق واقراره ضمن منظومة حقوق الانسان.. يرجع أول الفضل فيه الى دعوة رائدة سبق وأطلقتها زعيمة الهند الراحلة أنديرا غاندي وقد كان من حظنا ـ كاتب السطور ـ ان شهدنا محاضرتها التذكارية القيمة التي لفتت أنظارنا وهي تنادي لأول مرة فيما تعرف بضرورة اعمال الحق في التنمية بوصفه جانبا أساسيا من حقوق الانسان, وكان ذلك في مؤتمر التجارة والتنمية الأونكتاد التاسع وقد عقد في قصر سافا للمؤتمرات في منتصف الثمانينيات في العاصمة اليوغوسلافية بلجراد. رصد توثيقي لا عجب أن يحرص تقرير التنمية البشرية مجموعة مباحثة ودراساته بعبارة موجزة ودالة يقول فيها: أي مجتمع ملتزم بتحسين حياة ابنائه لابد وأن يلتزم أيضا باقرار حقوق كاملة ومتساوية للجميع. تقرير عام 2000 يتألف من 6 فصول تسبقها نظرة عامة, ويسبقها أيضا من باب العلم والتسجيل والتوثيق وهو أمر يدرك الدارسون أهميته نص الاعلان العالمي لحقوق الانسان. ذلك الذي يبدأ في مادته الأولى بالعبارة الشهيرة الجامعة المانعة: ولد الناس أحرارا متساويين. بعدها تنتقل مقدمة التقرير الى شرح موجز لأهم المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في المتن وهو ليس بالهين (290 صفحة في النسخة الانجليزية من القطع الكبير). ويستوقف الباحث تعريفا مكثفا ومهما للتنمية البشرية يعتمده التقرير الدولي ويقول: انها العملية التي تكفل توسيع خيارات الناس من خلال توسيع المهام التي يؤدونها وقدراتهم على هذا الاداء. ويأتي في مقدمة هذه القد رات ثلاث امكانيات جوهرية لابد وأن يزود بها البشر في مجتمع ما وهي: ان يعيشوا حياة ترفرف عليها الصحة. ان تتاح أمامهم سبل الوعي والعلم والثقافة والمعرفة. أن تتاح لهم سبل الحصول على الموارد اللازمة لكي يكون مستوى معيشتهم لائقا بالبشر. بعد ذلك يوضح تقرير التنمية البشرية أن القدرات الأساسية الثلاث إنما تقضي بدورها توافر عناصر لاغنى عنها للتنمية البشرية ومنها المشاركة واستتباب الأمن ومواصلة النمو في ظل الاستقرار وضمان حقوق الانسان.. باعتبار أن هذه العناصر والضمانات هي الكفيلة في رأي التقرير (ص71 من النسخة الا نجليزية) بأن تتجلى لدى الانسان الفرد قدرات الابداع والانتاجية واحترام الذات وتعميق شعوره بأنه عضو نافع فعال في المجتمع مما يؤصل بين جوانحه شعور الانتماء. وفي اطار هذه المفاهيم المعروضة بمنتهى الايجاز في مدخل التقرير.. يخلص واضعوه الى القول: في التحليل الأخير فإن التنمية البشرية هي تنمية للناس وبالناس ومن أجل الناس. القرآن والحرية يحرص تقرير التنمية البشرية على أن يقدم لقارئه عرضا على صفحتين ليس إلا لنضال البشر على طريق المطالبة بحقوق الانسان.. وهو طريق طويل ظل البشر يطالبون خلاله منذ فجر الحضارات القديمة باقرار مبادئ المساواة والكرامة والمسئولية عن مد يد العون للآخرين. في هذا الاطار يحرص التقرير الدولي على أن يذكر أهم الوثائق والكتب التي دعت الى اقرار حقوق الانسان ومنها طبعا الكتب المقدسة في الرسالات المنزلة وفي طليعتها القرآن الكريم. في هذا الاطار أيضا نقرأ عن وثائق وضعية تناولت حقوق الانسان مابين شريعة حمورابي في بابل (العراق القديم) الى قوانين دراكو وصولان (بلاد الاغريق) الى وثيقة العهد الأعظم (ماجناكارتا) التي صدرت عام 1215 لتقول أن كل فرد في المجتمع, حتى ولو كان الملك نفسه ليس فوق القانون. الى تعاليم الحقوقي الهولندي هوجو جروتيوس الذي ينسبون اليه ميلاد ما أصبح يعرف باسم القانون الدولي في شكله الحديث. نضالات البشر وقائمة الأحداث طويلة ما بين ثورة فرنسا عام 1789 واقرار حقوق الانسان والمواطن في ظلها الى ثورة تحرير العبيد (اقنان الأرض) روسيا عام 1861 وبعدها حركة تحرير العبيد في أمريكا تفضل رئيسها ابراهام لنكولن الى ثورات الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) ضد غاصبيها في آسيا وافريقيا الى حركات الاستقلال والتحرير الي شهدها عقدا الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي وما سبقها من انشاء عصبة الأمم لها ثم الأمم المتحدة . الى عقد السبعينيات الذي يراه تقرير التنمية البشرية أسوأ من مراحل الاساءة والانتهاك لحقوق الانسان لماذا؟ ربما لأنه كان بمثابة انتفاضة النزع الأخير للنظم الديكتاتورية وطغيان الاستبداد ما بين سياسة الأبارثيد الفصل العنصري في جنوب افريقيا والعزل اللونى في أمريكا وتعذيب المعارضين في شيلي (حكم بينوشيه البغيض) ومعاناة السجناء الفلسطينيين في سجون الاحتلال الاسرائيلي والحرب (القذرة) كما يسمونها في الأرجنتين حيث كان المعارضون والناشطون سياسيا يقتلون في الشوارع أو يختطفون فلا يعرف لهم مصير خلال حكم الجنرالات ناهيك عن حرب ابادة البشر (جينوسايد) في كمبوديا. مسيرة طويلة حقا, وشاقة بكل المقاييس كان على البشرية أن تقطعها الى حيث تحافظ على حق البشر في الكرامة والاستقلال وفي الحرية وفي التنمية. دور بطرس غالي ويلمح الباحث في ثنايا السجل الذي نعرض له في لمحات في هذه السطور فضلا لا ينبغي إنكاره للدكتور بطرس غالي رغم اختلافنا مع كثير من رؤاه وآرائه وطروحاته. ولأن الحق أحق أن يتبع, فإن الفترة 1990الى 1996 قد شهدت بين سنواتها فترة ولاية الدكتور غالي كأمين عام للأمم المتحدة كانت كما يدل السجل الذي بين أيدينا أخصب فترات النشاط الذي بذلته الأمم المتحدة على طريق اعلاء حقوق الانسان من جهة, وربط هذه الحقوق مع أهداف التنمية والتقدم الاقتصاديالاجتماعي من جهة أخرى عن هذه الفترة يقول التقرير: عقد خلالها عدة مؤتمرات عالمية وقمم دولية تناولت قضايا شتى: حقوق الطفل (نيويورك) والتعليم تايلاند والبيئة (البرازيل) وحقوق الانسان (النمسا) السكان (مصر) والمرأة (الصين) والتنمية الاجتماعية (الدنمراك) والمستوطنات البشرية (تركيا)اضافة الى مؤتمر انشاء محكمة جنايات دولية دائمة (ايطاليا). ومن هنا يصح القول مع ما يذهب اليه التقرير بأن تاريخ حقوق الانسان هو تاريخ نضالات الانسان صحيح أن الناس لايستعبدون وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا كما قال يوما الخليفة الراشد عمر بن الخطاب, لكن الصحيح أن كان على البشرية أن تقطع أشواطا بعيدة وأن تقدم ضحايا وشهداء بغير حصر ضد طغيان الأباطرة والفراعين والقياصرة الى أن تصل الى مستوى من الرقي الروحي والصلابة الايمانية حيث يقف رجل مجهول يخاطب الخليفة الصديق أبا بكر رضي الله عنه قائلا: والله لو رأينا فيك إعوجاجا لقومناه بسيوفنا. وحيث يعترف عمر رضي الله عنه وليس غيره وهو الذي فتحت في عهده الأمصار في المشارق والمغارب يقول: أصابت امرأة.. وأخطأ عمر. الحرية والاختيار لكن لكل حق واجب يتعين اداؤه ولكل حرية مسئوليات ينبغي الوفاء بها.. ولقد بدأ القرن العشرون بينما كان 10 في المئة فقط من سكان العالم هم الذين يعيشون في أقطار مستقلة وانتهى القرن أو يكاد ومعظم سكان العالم مستقلون باستثناء جيوب قليلة متناثرة في هذا الموقع أو ذاك من جزر المحيطات وتخضع لعملية تسمى في أدبيات الأمم المتحدة بأنها (تصفية الاستعمار). والمعنى أن الشعوب المستقلة أصبحت مطالبة بأن تختار وأن تكافح كي تنمو بل كي تبقى.. ومن هنا جاء الارتباط الحيوي العضوي الوثيق بين الاستقلال والنمو وبين الحرية ومسئولية الاختيار, وبين هذا كله وضرورات القضاء على الفقر بوصفه كما قال اعلان كوبنهاجن الصادر عام 1995 (حتمية اخلاقية واجتماعية وسياسية واقتصادية ينبغي للبشرية النهوض بتبعاتها). والى الجزء الأخير بإذن الله..