العالم والعراق ، بقلم: د. محمد الرميحي

يتجه العالم الى طريق ويتجه العراق الى طريق مخالف له ومعاكس لمسيرته, ففي الوقت الذي يسعى العالم فيه للانفراج والتحديث وتأكيد حقوق الانسان, يذهب النظام العراقي ليفتش عن اوراق قديمة منها ما هو شعاراتي ومنها ما هو تكتيكي وكأن العالم لم تتغير معالمه منذ عشر سنوات واكثر. المؤسف ان الذي يعاني هذا التصلب السياسي ويدفع ثمنه باهظا من حياته ومستقبله هو الشعب العراقي بكل قطاعاته, لذلك لزم على دول العالم الكبرى ومنظماته ان تبحث عن طريق للانفراج والخروج من هذا المأزق. فبعد عشر سنوات على كارثة عربية هي احتلال واستباحة الكويت, وبعد سنوات طويلة من الحروب والتشريد عاناها ولا يزال يعانيها الشعب العراقي, لا يزال الطاغية جاثما فوق صدور شعبه, يتحكم في مقدراته, والويل كل الويل لمن تسول له نفسه مجرد اظهار ضيق اوتبرم. والسؤال: هل يمكن ان يحدث هذا الانفراج في ظل وجود النظام العراقي الحالي, اولا بين شعبه وبينه, وثانيا بينه وبين جيرانه الاقرب او العالم ككل, ام ان ذلك يعد ضربا من ضروب المستحيل السياسي؟ تحالفات هشة يريد هذا النظام ان يوهم نفسه على الاقل, انه في طريقه الى (الانتصار) على عالم له قيم مختلفة تماما عن قيمه وعما يفكر فيه, وفي ذلك خداع للنفس وخداع للآخرين واستنزاف مؤقت للوقت تزداد فيه معاناة العراقيين. ففي ظل وجود صدام حسين على رأس السلطة في العراق, فإن اي محلل موضوعي يعلم ان كل خيارات العراق المستقبلية تقريبا توحي بالسير الى طريق مسدود. لقد تفسخ العمل السياسي العراقي الداخلي الرسمي والشعبي الى درجة يستحيل معها تصور عراق في المستقبل القريب تحت هيمنة صدام حسين إلا بمزيد من القمع. وهذا القمع بحد ذاته سيولد ردات فعل تقترب من الاطاحة بالنظام نفسه او الدخول في صراع داخلي عبثي وطويل. هذه معادلة تكاد تكون محسومة. وحزب البعث العراقي الحاكم او ما بقي منه ليس هو الحزب الشيوعي السوفييتي في المرحلة الستالينية او ما بعدها, فهو اقرب ما يكون لمجموعة منتفعين لا تلبث ان تفر عن مواقعها, بسبب الممارسات القمعية الداخلية, عند اقرب فرصة متاحة. والحديث حتى المبطن عن (انتصار) نتيجة التحالفات المختلفة الخارجية والهشة هو الذي يدفع النظام العراقي لتصديق مثل هذه المقولات ونشرها, وبالتالي غمره بالمزيد من التوحش الداخلي والمغامرات الخارجية فالنظام او ما تبقى منه لن يطول حكمه الا بمزيد من استخدام القوة حكما. والتزيين له الآن بالانتصار او القرب منه هو حكم مؤكد على استشرائه على الشعب العراقي وقطاعاته الكبيرة التي ابتعدت عن النظام او فكرت في تغييره. بعد عشر سنوات من المغامرات السياسية يراهن النظام العراقي على ما راهن عليه من قبل: الكثير من التشدد اللفظي, دون ان يقدم اي اشارات مرجعية نحو العقلية والكثير من العزلة الدولية دون افق انفكاك منها. يراهن على الوضع المأساوي للشعب العراقي, ويقدم هذه المعاناة اليومية والطويلة وسيطا لتأهيله عالميا وعربيا دون ان يتقدم خطوة لمراجعة مقولاته السابقة او لتحقيق انفراج داخلي, بل هو على العكس من ذلك يقدم كل يوم دليلا على ما يضمره ويخفيه. في الايام الاخيرة خرج بمقولة (الاسرى العراقيين في الكويت) وقد اسرهم الكويتيون وهم تحت الاحتلال! كما خرج بمقولة اخرى بعد توقيع الاتفاق الاخير على ترسيم الحدود البحرية الكويتية. السعودية, بأن ذلك تجاهل لحقوقه في الخليج! وقد يأتي بحجج اخرى عدة لا تأخذ منه غير تصاريح يطلقها فتتلقفها وسائل الاعلام ويغرر البعض بها. حصار مزدوج يراهن النظام العراقي على كل ذلك, ولكن هذه المراهنة لن تقوده الا الى الفشل من جديد, فالعالم يتغير باتجاهات اخرى على غير ما يسير اليها ذلك النظام. ولو نظرنا حولنا لوجدنا ان هذه التغيرات عميقة ومسايرة لطموحات الشعوب, ولكنها بالتأكيد مضادة لكل ما يسعى او يهدف اليه النظام القائم في بغداد. عشية الذكرى العاشرة لاحتلال الكويت تزامنت مع افتتاح مكتب للانترنت في بغداد, وتصريح وزير المواصلات العراقي عند افتتاح المكتب بفخركبير بأن هذه التجربة هي الاولى, وسوف تقوم الدولة بحجب المواقع الضارة عن المستخدمين, وهم بالمناسبة لم يبلغوا العشرات من الافراد بعد. هذا المؤشر البعيد علامة بارزة على حصار من نوع آخر, وهو منع الشعب العراقي من الاطلاع على ما يحدث في العالم, وحجب الحقائق عنه, كما انه مؤشر الى بلوغ التقنية حدها في بغداد, فإن كانت مثل هذه الخدمة المتوافرة لأقصى من في الارض تدخل بغداد على حذر يتطلب الاحتفاء بها والتحذير منها, فأي تقنية تلك التي وصلتها الصناعات في بغداد! وأي ولوج الى العالم في الوقت الذي يعاقب القانون العراقي كل من يحاول ان يضع صحنا لاقطا, كما ان الحصول على جهاز فاكس لابد له من اذن مسبق من الدولة! بعد عشر سنوات من المغامرة الكبرى والثمن الباهظ الذي دفع فيها انسانيا واقتصاديا, وبعد زمن طويل ضاع في رفع الشعارات تتمركز الادعاءات التي يأخذ بها النظام العراقي على قضيتين: الاولى: ان تجديد الحظر المستمر على العراق يأتي بسبب الموقف الكويتي الذي يطالب بالأسرى والمفقودين وتذهب دعاية النظام للقول انه لا يوجد اسرى, بل ربما يوجد مفقودين! ويحدث ذلك في كل الحروب. من هذا المنطلق نقول ان اسرى الكويت ليسوا مثل الاسرى في تجارب دول العالم الاخرى التي حدثت بينها حروب, بل هم اناس معروفون اخذوا بوثائق عراقية مثبتة من منازلهم, بل هناك وثائق تدلل على اوامر القبض عليهم, هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن استمرار العقوبات هو قرار دولي, وله آلياته المعروفة الآن مثل آلية النفط مقابل الغذاء (لا السلاح ولا القصور). إذن التجديد المستمر للحظر هو قرار من بغداد لاغير, وهو مرتبط بقرارات دولية لا محلية ولا اقليمية, وما اطلاق التهم في الوسط العربي على هذا او ذاك الا استمرار في السياسة العدوانية. الثانية: هي ما يتاجر به سياسيا نظام بغداد حول وضع الاطفال العراقيين وهو حق اريد به باطل, فالاطفال العراقيون هم ضحايا كآبائهم وعائلاتهم لسياسة لا تفرق بين المواطن والسلطة, ولا بأس من استخدام معاناة هذا المواطن اليومية لاستدرار شيء من العطف, لا لإنقاذه, ولكن لتأهيل نظام يسير باتجاه مضاد لكل ما يتوجه اليه الانسان اليوم. أزمة أداء انه ألم عظيم ان تأتي الذكرى العاشرة لاحتلال الكويت من نظام عراقي ما زال, على الرغم من كل ماتم وما حصل, يراهن على ان يصدق البعض ادعاءه, وما زال يحرم شعبه نسمات الحرية التي يستحقها. انها ازمة اداء سياسي غير قابلة للشفاء. في مثل هذه الايام التاريخية يأتي البعض ليحلل الظاهرة السياسية كما يراها, فهناك من الناس من يعتقد ان بقاء النظام العراقي حتى اليوم هو ظاهرة تدل على مقاومته واحتمال بقائه, بل يشيرون الى بعض الخطوات هنا او هناك على اعتبار انها خطوات اولى لهذا التأهيل, ولكن الناظر الى ما تحت السطح يرى ان الواقع العراقي اليوم هو اكثر شؤما وتشرذما حتى مما كان قبل عشر سنوات. فالدولة العراقية فاقدة سيادتها على ارض واسعة من العراق, كما انها فاقدة سيادتها على سمائها, كما ان النخبة الحاكمة قد تهرأ نسيجها وفقدت عصبتها واصبحت صغيرة الحجم تأكل بعضها, اما بسبب المنافسة الشرسة الداخلية واما بسبب التصفيات البينية الدائرة. في نظرة شاملة الى الوضع في العراق فإننا نجده وضعا مأساويا من كل النواحي السياسية والاجتماعية والمعيشية ولن يصلح نظام كهذا من الواقع المتردي مهما حاولت بعض الطروحات اظهاره. الا ان العراق شعب ولود, وعشر سنوات على الرغم من طولها على البشر, ليست طويلة في تاريخ الشعوب. وكل محب وغيور يتمنى ان يرى الشعب العراقي عاجلا شمس الحرية والتعددية والديمقراطية وحقوق الانسان التي اصبحت غذاء العالم وماءه في مطلع القرن الواحد والعشرين, كما تقول لنا الوقائع المعاشة من حولنا. أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت

تعليقات

تعليقات