أبجديات : تكتبها : عائشة ابراهيم سلطان

عندما تتوارى بعض الأشياء في حياتنا, فإن ذلك لا يعني انها انتهت أو ما عادت موجودة, إنها تختفي فقط لتمارس انبعاث الحياة وحيدة دون احتياج لأحد, بينما نمعن نحن في ترميم الحياة في فضاءات أخرى, وننسى أو نتناسى أو نتظاهر بنسيان تلك المخلوقات, وفي أثناء تناسينا ذلك تمعن هي في السير على حد الشفرة.. كي تبقى! في غرفتي نبتة صغيرة, جميلة جدا, ومن الرقة بحيث انها تنهار تماما وتذبل كل أوراقها بمجرد أن تطغى عليها اشعة الشمس, والشمس في بلادنا من القوة بحيث تصهر الفولاذ وليس أوراق نبتة بشفافية الورد ورقته. ولانها توارت خلف الستائر, ولانني غالبا لا أفتح ستائر غرفتي, فقد نسيتها, وطال النسيان, ولكنني فجأة تذكرتها وأنا أستمع للسيدة أم كلثوم تغني رائعة إبراهيم ناجي: الاطلال اسقني واشرب على أطلاله واروِ عني طالما الدمع روى حينما حملتها كانت في لحظات الموت الأخيرة, كانت كلها قد انثنت في لحظة عطش قاتل واهمال - لم يكن متعمدا - لكنه حدث.. ولا أدري لماذا أحسست بالخوف وكأنني تسببت في جريمة قتل لكائن ضعيف لم يكن يحتاج مني سوى قطرات ماء في الصباح الباكر. سكبت على جفافها الماء, وجعلت أسندها بأعواد أثبتها في التربة وأربطها بسيقانها المنهارة, وضعتها تحت ضوء خافت, وجلست أرقبها بقلق وكأنني طبيب مهمل ينتظر الساعات الحرجة من عمر مريض زج به في غرفة العناية المركزة!! وعندما أويت إلى فراشي كنت أتساءل: هل ستعود هذه النبتة للحياة فعلا؟ وكانت الاجابة تعنيني بشكل كبير جدا. ومع خيوط الفجر الأولى, كنت أفتح عيني لأسرع إلى حيث تركتها, وإذا بي أتوقف أمامها في صلاة خاشعة أتذكر قصة سيدنا إبراهيم عندما طلب من ربه أن يكشف له سر الخلق (ربي أرني كيف تحيي الموتى) وكان الرد الإلهي (أولم تؤمن, قال: بلى ولكن ليطمئن قلبي). واطمأن قلبي على النبتة, وعلى حقيقة ان قطرة ماء وشيئا من حنان, وقليلا من رعاية وكثيرا من الحب هي سر أسرار الوجود والحياة. ومثل النبتة الصغيرة, هناك كثيرون حولنا نهملهم ونمعن في الانصياع لغوايات تافهة نعطيها أسماء كبيرة لنقنع أنفسنا بجدوى الضياع والضلالة, أما الذين نهملهم, وننسى قطرة الماء وقطرة الحياة أن نضعها في قلوبهم, فسيأتي يوم نندم فيه طويلا وكثيرا على ارتكابنا هذه الجريمة بحقهم, وللأسف فهي جريمة لا يحاسب عليها القانون, لكن قانون السماء يحاسب عليها بشكل لا نتصوره, فقط لو نلتفت لمن حولنا ونحن نلهث في الحياة لنصنع الكثير من المال والجاه وأكوام الماديات, لنسأل أنفسنا: وماذا بعد؟ ولنسأل قلوبنا التي سكنها عشق المادة: هل اكتفيتِ؟ فتقول: هل من مزيد؟! إذن لننقذ أنفسنا بقطرة ماء وبقليل من التريث وكثير من الرحمة.

تعليقات

تعليقات