ثمة مفارقة ترتبط بنشأة المؤسسات غير الحكومية, إذا ما قورنت بالواقع الراهن في الوطن العربي ـ عموما ـ وبوجه أخص مصر, إذا ارتبطت تلك المنشأة بمواجهة الاستعمار, بينما تتماهى ذات المؤسسات, لاسيما الاعلى صوتا ـ اليوم ـ في الأجنبي(!) إلى الحد الذي يدفع البعض إلى اتهامها بالتعبية, وربما ذهب فريق آخر إلى ما هو أسوأ! وإلى حد بعيد, فقد انعكس ذلك سلبا على العلاقة بين المؤسسات غير الحكومية والرأي العام, وأجهزة الإعلام من جهة, والحكومات من جهة أخرى, وكان للدعم الخارجي الذي تتلقاه بعض تلك المؤسسات من عدد من الدول الغربية أبلغ الأثر في إلقاء الظلال على أهدافها وتحركاتها, فإذا ما أضيف إلى جانب ذلك غياب المؤسساتية, وغلبة الطابع الشخصي على بنية وقيادة العديد من المؤسسات غير الحكومية, فإن الأمر في ذروته يقترب من حدود المأزق. الاسم.. والمسمى ويفاقم من حجم هذا المأزق أن تحديد مفهوم المجتمع المدني, وأهدافه, ومجالات حركته, ومن ثم دور تنظيماته, ومن القلب منها المؤسسات غير الحكومية, لايزال يعاني من الخلط, وعدم التحديد الدقيق, نظرا لاستخدام مفاهيم منقولة عن ثقافة أخرى, والافتقار ـ بالتالي ـ للاستيعاب التام لكل المعاني والدلالات التي ارتبطت تاريخيا ـ وبعضها سلبي للغاية ـ فضلا عن التبدل في المضمون النظري, والتجربة العملية على السواء, داخل المجتمع العربي, في ضوء الجدل السياسي والفكري المحتدم خلال المرحلة الراهنة. وإذا كانت عملية نقل التجارب, وإعادة زرعها, أو إنتاجها, في تربة مغايرة مفيدة مرحليا ـ وبشكل جزئي ـ فإنها بالتأكيد لا تؤصل ولا تؤسس مادام لا يوضع في الحسبان الاختلافات الحضارية بأبعادها الكلية, لتبقى العلاقة بين الاسم والمسمى في التجربة الجديدة مشوشة, متلعثمة, وبحاجة إلى رؤية اجتهادية, عبر خطاب واضح الهوية ينفي التبعية, يسانده برنامج محدد المعالم للتعاطي العملي مع الواقع, ولعل في تجاوز النقل أو الاكتفاء بالتقليد ما يدعم الأمل في المستقبل, ويوفر الشروط المناسبة للإنجاز المأمول. لقد كان من اليسير خلال النصف الأول من القرن العشرين, رصد ما أولته المؤسسات العربية غير الحكومية من اهتمام لا يخفى عن البصر والبصيرة, فضلا عن الاستمرار في أداء الأدوار الاجتماعية والثقافية والاقتصادية الأخرى, بينما أصبح الغالب على خطابها الراهن اعتماد اللغة والتوجهات السائدة في وثائق الدول والمنظمات الغربية المانحة, ومواثيق الأمم المتحدة ووكالاتها التي تكتب بنفس المواد! ويمكن تثمين ذلك الأمر, ليس باعتباره فقط ملمحا للانقطاع في الدور الذي لعبته تلك المؤسسات منذ نشأتها, وخلال المراحل الذهبية لممارساتها, ولكن أيضا باعتباره انكسارا في السياق الثقافي(الحضاري المجتمعي الذي كان سائدا حينذاك, ومن ثم فإن ذلك يمثل تخليا غير مبرر عن التصدي لمهمة صياغة قومية) وطنية للخطاب العالمي الراهن في إطار رؤية مستنيرة وهاضمة للثقافة العربية, في عمقها الإسلامي ـ بالمعنى الحضاري ـ وتجلياتها القطرية ـ المنزهة عن الشوفينية ـ وبما يعكس خصوصية الفضاء الذي يمثل الدوائر الطبيعية لحركة المؤسسات العربية غير الحكومية. إن صياغة ذلك الخطاب تعد مقوما أساسيا لنفي التبعية, من ثم فإنه لابد أن يستمد مفرداته من الوعي الموضوعي بظروف المجتمع العربي, بعد دراسة علمية, وتقييم دقيق لما يعانيه, والتحديات التي تواجهه , وتحليل للجوانب المختلفة لمشكلات وقضايا الواقع في الظرفية الراهنة, وعلى ضوء نظرة صحيحة للمراحل التاريخية السابقة لاستخلاص دروسها. ملامح محددة وبعيدا عن العموميات, فإن ثمة ملامح أكثر تحديدا يمكن تضمينها لخطاب يستهدف نفي التبعية, وفي هذا السياق تجدر الإشار ة إلى ما يلي: * حتمية تأسيس خط متوافق مع المطالب والاهتمامات الوطنية والقومية, مقابل الحد من اعتماد المرجعية الغربية, ومفردات ومصطلحات وثائق المنظمات الدولية المعولمة. * محاولة التوصل إلى صيغ خلاقة, كبديل للطروحات غربية المنشأ, والتي يتم الترويج لها, بزعم أنها تشكل منظومة عالمية (فوق قومية) للثقافة والحقوق, ومن ثم فهي صالحة لكل المجتمعات بعيدا عن الخصوصية التي تميز كل مجتمع إنساني! * تقود النقطة السابقة إلى ضرورة التصدي في الخطاب المستهدف إلى حلول غير تلفيقية لثنائيات من قبيل التقليدية (الحداثة, أو الأصالة) المعاصرة, أو الخصوصية العالمية, عبر تفاعل إبداعي لوضع صياغة صحيحة للعلاقة بين تلك الثنائيات, دونما افتعال التوفيق أو التعارض, مع الحذر عند التعامل مع المفاهيم التي يسعى الغرب لتسييدها في عصر العولمة. * نبذ الاستسهال في معالجة القضايا المعقدة ـ بطبيعتها ـ من خلال الاكتفاء بالأخذ بالمفاهيم المرتبطة بالحريات والحقوق, دون بذل جهد في تأصيلها, وتوجيهها, لاسيما فيما يتعلق بالموقف السلبي الذي تطرحه المنظومة القيمية المعولمة من معاداة للدين, أو على الأقل دور التراث الديني في صياغة ثقافة معاصرة لثقافة الحقوق والحريات المدنية. *الحرص على إحداث توازن بين الحرية الفردية, والعدالة الاجتماعية, مع تأطير سليم للحرية كمبادرة أو تدخل مدني ـ سياسي في الفعل الاجتماعي, وبما يتناسب مع خصوصية المجتمعات العربية, وليس باعتبار ما يطرحه الغرب في هذا المضمار قيما إنسانية كونية, لأن عدم الانتباه لذلك يقود لإمكانية امتداد الاستعمار بطرق مستحدثة, وبما يعني تحول مفهوم المجتمع المدني إلى امبريالية جديدة! *التعاطي مع مفاهيم المجتمع المدني, وكمثال, حقوق الإنسان بعيدا عن القبول الاخضاعي لأصولها الفلسفية الغربية, وربما كان تبني مفهوم (حقوق الشعوب) في الانعتاق من كل تدخل أجنبي, واعتماد نظام الحكم الذي تختاره, وبما يعني أن يكون احترام حقوق الإنسان متلازما ـ بالضرورة ـ مع التسليم المبدئي باحترام حقوق الشعوب, وهو بعد يضفي على ثقافة الحقوق قيم المشاركة بدلا من الإخضاع . الوجه الآخر للعملة إذا كان استلهام الواقع القومي الوطني ـ إلى جانب الاستفادة من حصيلة الخبرة الإنسانية ـ يقود عمليا لنفي التبعية الفكرية عن خطاب الحقوق المدنية الذي تتبناه المؤسسات العربية غير الحكومية, فإن الوجه الآخر للعملة يتمثل في ضرورة إيجاد بدائل ذاتية ووطنية ـ وقومية إذا تيسر ـ للتمويل الأجنبي, إذ أن التمويل من وراء الحدود لا يسمح فقط بمرور الأموال, لكنه يتيح ـ أيضا ـ الفرصة لاختراق جهات بعينها للمجتمعات العربية تحت دعوى دعم المؤسسات غير الحكومية. والمسألة لا ترتبط ـ في جانبها الأخطر ـ بالمس ببعض مواد القانون, لكنها تتجاوز ذلك إلى تأثير التمويل الأجنبي على جوهر السيادة الوطنية, باعتبار المؤسسات غير الحكومية في النهاية تنظيمات وطنية, حتى مع التسليم بفكرة عالمية المجتمع المدني, فلا شك أن المانح الأجنبي يؤثر جدول أعمال المؤسسات التي تقبل المنح والإعانات سواء بطلب تغيير الأولويات أو السعي لتعديل الحركة, أو توجيه الأبحاث الميدانية وجبهة لا تتوافق مع احتياجات المجتمع بقدر ما تخدم أهداف الممول ـ المانح. من ثم فإن دعم مصادر التمويل الذاتي سواء أكان ذلك من حصيلة اشتراكات الأعضاء وتبرعاتهم, أو بتفعيل الجانب الاقتصادي ـ المالي في أنشطة المؤسسات عبر تشجيعها على إقامة مشروعات إنتاجية أو خدمية (أسواق خيرية, معارض, حفلات.. الخ) بما يدر عائدا يدعم مواردها, فضلا عن زيادة بند إعانة المؤسسات في الموازنات العامة, وتوسيع حجم الإعفاءات الحكومية الممنوحة, إلى جانب تأصيل قيمة العمل التطوعي في مواجهة ارتفاع حجم العمالة بأجر, والعناصر المنتدبة من الأجهزة الحكومية, بل وحصول أعضاء مجالس الإدارات ـ أحيانا ـ على بدل نقدي لحضور الاجتماعات بما يتنافى مع فكرة التطوع من الأساس! على أن الخطورة الأكبر تتمثل في ظهور قضايا فساد تمس بعض كبار القائمين على أمر المؤسسات غير الحكومية ممن احترفوا التعامل مع مؤسسات التمويل وراء الحدود, مقابل تبني أهداف وأنشطة قد تمثل تهديدالشرعية أو أمن مجتمعاتهم عبر تحويل المؤسسات التي يديرونها إلى (جماعات ضغط) تكرس التبعية للجهات الخارجية المانحة. وقد يكون مناسبا ـ في مرحلة لاحقة ـ دراسة اقتراح من قبيل إنشاء بنك قومي (أي على المستوى العربي وتحت مظلة جامعة الدول العربية) تقتصر مساعداته على دعم المشروعات الاستثمارية التي تدعم المؤسسات العربية غير الحكومية من خلال توفير مورد مستمر للتمويل البعيد عن الشبهات. النخبة والشخصانية ولعل قضية التمويل ـ بالتحديد تكون المدخل الملائم للولوج إلى الجانب البرنامجي المستقبلي, وبما يدعم المفهوم المؤسساتي داخل منظمات المجتمع المدني عموما, والمؤسسات غير الحكومية على وجه الخصوص. إن فلسفة العمل التطوعي لاتزال محدودة التأثير في الواقع العربي بشكل عام ـ بل إن المنحنى يتخذ و ضع الهبوط ـ في الوقت الذي يغلب الطابع النخبوي على تشكيل العديد من مجالس إدارات تلك المؤسسات, خاصة العاملة في مجال حقوق الإنسان, أو التي يغلب على نشاطها الطابع البحثي الميداني, وقد أدى انخفاض نسبة المتطوعين, ومحدودية عملية تداول النخبة على القيادة إلى انتفاء الطابع المؤسسي, وسيطرة الشخصانية على العمل في معظم المؤسسات, وبما يتيح الفرصة واسعة أمام ممارسات مالية تتسم بالريبة, وكان لعدم توافر الشفافية أثره البالغ في تكريس التجاوزات التي تتم فيما يتعلق بقضايا التمويل الخارجي على وجه التحديد! من ثم تتأتى أهمية التأطير القانوني واللائحي لضوابط شغل الوظائف القيادية, وآليات صنع القرار داخل المؤسسات ـ لاسيما ما يتعلق بالجانب المالي ـ وبما يضمن رفع درجة الممارسة الديمقراطية وتداول السلطة, والحد من الصراعات الداخلية, وإرساء تقاليد مؤسساتية لاستمرار العمل دون الارتباط بشخصيات معينة تطبع العمل بطابع بيروقراطي ذاتي مصلحي, يتعارض مع الفلسفة الأصلية للعمل التطوعي. وإذا كان الهدف من حجم المشاركة في مجالات العمل التطوعي ظاهرة يمكن رصدها بوضوح, فإن الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام للحفز باتجاه دعم قيم المشاركة, وخلق تقاليد للحوار, والدفع نحو ممارسة العمل التطوعي بمفهومه الصحيح, لابد وأن يساهم في تحويل المؤسسات إلى الحد من نخبوية الإدارة, وشخصنتها, وكسر حالة الجمود الراهنة. إن تقاليد بناء المؤسسة, أو الثقافة المؤسسية, تتجاوز في جوهرها أن تكون مجرد استيفاء لشكل تنظيمي أو خطوات عملية, إلى كونها مرتبطة بالتنشئة الاجتماعية, كمفهوم مركب متداخل, ومن ثم فإن توافر مثل هذه الثقافة, يضمن إلى حد بعيد تجاوز الشللية, المظهرية, الاسترزاق, الجمود, والعديد من المظاهر السلبية التي تتفشى في ظل غياب ثقافة وتقاليد المؤسسة, كسمة عامة تطبع الثقافة العربية! هكذا فإن الأمر يتطلب إعادة النظر في آليات وأسس عملية التنشئة الاجتماعية, وهي مهمة, واسعة النطاق, تحتاج إلى إصرار وطول نفس, وتكثيف وتكاتف الجهود, فضلا عن شمولها للعديد من المؤسسات التي تشارك في التنشئة. إن دعم المؤسساتية يؤدي إلى تفعيل دينامية الدور الذي تلعبه المؤسسات غير الحكومية, سواء على محور العلاقة مع الدولة أو القطاع الخاص, أو فيما يتعلق بالدور المجتمعي في النطاقات الإقليمية والمحلية (القاعدية), أو على صعيد بناء التحالفات فيما بينها للعمل على مستوى نوعي أو قطاعي معين, لخدمة أغراض التنمية, من ثم فإن وجود برنامج لدعم المفهوم المؤسساتي ـ في هذا السياق ـ يوفر قوة التأثير للمؤسسات غير الحكومية في علاقاتها المتشعبة, كما يساهم في خفض مستوى الشكوك المتبادلة مع الأجهزة الحكومية, في اتجاه ترسيخ قواعد أفضل للتعاون المشترك, وفي إطار آليات مؤسسية تيسر عملية التنسيق بين تلك المؤسسات والفاعلين الآخرين في المجتمع. أخيرا, فإن تفعيل دور المؤسسات غير الحكومية بعيدا عن الشخصانية يعد ضمانة إضافية لميلاد خطاب نفي التبعية, في مواجهة مفهوم المجتمع المدني الذي يرسخه الفكر الغربي, وتجتهد المؤسسات الدولية في تسييده, فالمؤسسة تتطلب مؤسسة مماثلة, تكسبها القوة والمناعة عند التعامل مع الآخر, وربما كان ذلك ـ بحد ذاته ـ خطوة على طريق الخروج من شرنقة القطرية إلى رحابة العمل المؤسسي القومي. *كاتب مصري