لا أعرف سببا وجيها يدعو الى تردد مصر فى اعادة العلاقات مع ايران, ان لم تكن الظروف الموضوعية التى تحيط بالبلدين وبالدائرة العربية الاسلامية تفرض تسريع وتيرة التطبيع الكامل فى شتى المجالات بين القاهرة وطهران, وذلك لأن مصر تتبوأ مكانها المرموق كدولة كبرى ومحورية فى قيادة الوطن العربى, كما أن ايران كذلك تمثل رقما سياسيا بارزا فى العالم الاسلامى. من هنا تبدو الضرورات الماسة لجمع الشمل وتضافر الجهود وأهبة الاستعداد لمواجهة المخاطر الجمة التى باتت تطوق منطقة الشرق الأوسط خاصة ومصير العرب والمسلمين عامة من كل حدب وصوب, وفى مقدمتها العدوان الاسرائيلى باعتباره رأس حربة المشروع العنصرى الصهيونى, والهيمنة الكونية الامريكية التى حققت حتى الآن نجاحات مقدرة منذ أزمة الخليج الثانية تثبت نفوذها العسكرى حول أضخم الاحتياطات النفطية فى العالم, فضلا عن جموح منهج العولمة والتواء اساليبه فى احتواء ارادات ومقدرات الدول النامية التى تنتمي اليها بلدان الشرق الأوسط بلا استثناء! خلاصة القول ان عوامل شتى متباينة بينها علاقات الجوار الاقليمى والدين والتاريخ والعمق الحضارى والمصالح الأمنية والمستقبلية المشتركة, من شأنها أن تضع العرب وايران فى خندق مصيرى واحد, ولعل الشواهد الماثلة حول جدوى ومصداقية هذا الخيار لا تحتاج إلى تأكيد, وبينما الدور الأمريكى المشبوه وراء تأجيج الصراع السياسى المسلح بين العراق وايران, وعلينا أن نرصد خسائره الفادحة على مدى ثمانى سنوات, وكم حصد من الأرواح وكم بدد من مدخول ثرواتهما النفطية ومن عمر التنمية والتقدم والقوة, وكم خلف وراءه من المرارات السياسية والنفسية, وعلينا أيضا أن نتساءل عن مغزى التحالف الاستراتيجى التركى الاسرائيلى, الا أن يكون العرب وايران الهدف المشترك للردع والعدوان. ومن هنا نحسب أن ايران قد وعت المغزى والدرس, حين أعلنت منذ نجاح الثورة الاسلامية عن انتمائها (الجيوبوليتيكى) لدول المواجهة العربية مع اسرائيل, ودعمها لصمود سوريا حتى تستعيد الجولان السليب, وكذا المقاومة اللبنانية بزعامة حزب الله حتى تحرر الجنوب اللبنانى من الاحتلال الاسرائيلى, وإذا كانت ايران من منظور مصالحها الخاصة فرضا ترى ان ضمان أمنها القومى فى الاحتماء بالعرب ولذلك تسعى الى تعزيز قدراتهم الدفاعية, فلا شك ان استقواء العرب بقدرات ايران العسكرية قضية مسلم بها, والا لماذا اقامت اسرائيل وأمريكا الدنيا ولم تقعداها بعد منذ اجراء ايران تجربة اطلاق الصاروخ (شهاب 3) الذى يصل مداه (1300 كيلو متر) الى أى مكان فى اسرائيل, رغم حيازة اسرائيل ما يفوق أضعاف ما فى حوزة الجيوش العربية مجتمعة من الأسلحة التقليدية, فضلا عن أسلحة الدمار الشامل النووية والكيماوية والبيولوجية. صحيح أن لدى القاهرة ملاحظات على سياسات ايران الغربية أو توجهاتها الخارجية, لكنها لا ترقى بأى حال الى مستوى المخاوف والاخطار الكامنة فى مشروع اسرائيل الصهيونى التوراتى الذى يرفض الايدى العربية الممدودة بالسلام العادل والشامل, وهل بعد غطرسة اسرائيل وضربها عرض الحائط بكل قرارات الأمم المتحدة وتراجعها عن اتفاقيات مدريد وأوسلو وشرم الشيخ وواى بلانتيشن فى قمة كامب ديفيد الثانية, مدعاة للرهان عاجلا أم آجلا على اقتسام السيادة على القدس مع الفلسطينيين وعودة اللاجئين والتوقف عن التوسع والاستيطان على حساب الوجود العربى وضمان استقراره وامنه القوى, ورغم ذلك لا ترى القاهرة ثمة موانع ولا محاذير من استمرار علاقاتها مع اسرائيل؟ ومن هنا نحسب أن عودة العلاقات بين القاهرة وطهران فرصة الدبلوماسية المصرية للاضطلاع بدورها القومى المطلوب فى حل مشكلة احتلال ايران الجزر الاماراتية الثلاث سلميا عبر الحوار والتراضى والوفاق, ثم ان الاتهام الأمريكى لايران بممارسة الارهاب الدولى مجرد دعوة باطلة لفرض الحصار وتوقيع العقوبات الدولية أسوة بسوريا والسودان, فى الوقت الذى تمارس امريكا واسرائيل ابشع الوان واشكال الارهاب الدولى, ثم انه لم تثبت بعد عشرين عاما من اندلاع الثورة الاسلامية فى ايران واقعة واحدة تؤكد على تصدير مشروعها ومنهاجها الى أى من الدول العربية والاسلامية بالقوة, ولعل العلاقات بين السعودية وايران بعد ان غلبت الصالح الوطنى والاسلامى والاقليمى على جملة الشكوك والمخاوف, مدعاة لاقناع مصر باغتنام الوقت لاعادة العلاقات مع ايران قبل فوات الأوان. اذ لا شك ان الوقت من ذهب ازاء عودة العلاقات المصرية الايرانية, كما أن اغتنام الفرصة مسألة جوهرية من زاوية تغليب كفة التيار الاصلاحى فى ايران الذى يمثله الرئيس محمد خاتمى المدعوم شعبيا عبر نتائج صناديق الانتخابات, فى مواجهة تيار المتشددين والسلفيين الذى يتزعمه أصحاب (الحوزات) الدينية, خاصة أنهم يتمتعون باستقلالية ذاتية عن الدولة ومؤسساتها, ولا يطمئنون كثيرا ولا قليلا لسياسة الانفتاح الخارجى ويحبذون العزلة والانكفاء على الذات بدعوى الحفاظ على مكتسبات الموروث الخمينى. وهذا التيار المتشدد ظل عقبة امام استعادة مصر علاقاتها مع ايران, بدعوى علاقاتها الوثيقة مع أمريكا أو اسرائيل, فى الوقت الذى تلاحقه الاتهامات بمسئوليته عن اطلاق اسم خالد الاسلامبولى قائد عملية اغتيال الرئيس السادات على أحد شوارع طهران كدليل على تشجيعه المعنوى للجماعات الاسلامية الأصولية فى مصر. ولكن حتى لو كان ذلك صحيحا الا ان معظم المراقبين يجمعون على أن المطلوب من مصر فى مقابل ازالة اسم الاسلامبولى, ان تبادر الى ازالة قبر شاه ايران أو نقل رفاته الى مكان آخر ترضية للشعب الايرانى الذى ذاق الويلات فى عهده, وهو اجراء مستبعد ولا يستقيم مع اخلاقيات الشعب المصرى أو الاعراف الدولية, ولا مفر اذن من تخطى مثل هذه التناقضات الثانوية, والتفرغ لمواجهة التناقض الرئيسى مع التحالف الأمريكى الاسرائيلى, الذي لا يفرق فى استهدافه بالجور والعدوان بين العرب وايران! * كاتب وصحفي مصري