وصلنا شهر المؤتمراين القوميين للحزبين الديمقراطي والجمهوري الامريكيين, وذات مرة في التاريخ الامريكي كان هذان الحدثان ينظر لهما بترقب جم ومثير. اذ ان قرارات ضخمة كانت تتخذ خلالهما فالمرشحون كانوا ينتخبون ضمن فعاليات المؤتمرين وقيادتا الحزبين كانتا تواجهان جدلا سياسيا شديد الوطأة وكثيرا ما كانت خطابات تاريخية تميز كلا منهما. لكن الحال لن يكون كذلك هذا العام. فالمؤتمرات الحزبية وعلى نحو متزايد اصبحت مناسبة شكلية ومراسيمية لدعم قرارات كانت قد اتخذت سابقا. وفي السنوات الاخيرة اصبحت المؤتمرات تعقد لمجرد ان تكون استعراضات تلفزيونية. فمخططات مجرياتها مرسومة مسبقا بدقة وتحظى باخراج تلفزيوني شامل بشكل مكرس لخدمة مصلحة الحزب فقط. في البداية كانت المؤتمرات تجمعا لقادة الحزب الذين يكونون قد اختيروا كل عن ولايته من قبل المنضوين تحت لوائه, ثم تجتمع هذه الوفود المرسلة للمؤتمر الحزبي لتقوم باختيار مرشحها لمنصبي رئيس البلاد ونائبه ثم تشكيل قيادة قوية للحزب استعدادا لانتخابات نوفمبر. وفي الكثير من الامثلة فإن القليل قد تم تقريره حين وصول الوفود للمؤتمر الحزبي. ونتيجة لذلك اصبحت المؤتمرات السابقة مساحات لمشاهد درامية مكثفة والكثير من الصراع. وفي سياق الانتخابات الداخلية لاختيار المرشح للرئاسة ونائبه كثيرا ما كان يتطلب الامر تكرارها عدة مرات حتى يتم اختيار المرشحين النهائيين. على سبيل المثال في مؤتمر الحزب الديمقراطي عام 1924 كان على الوفود التصويت 104 مرات قبل ان يظهر الفائز. وفي عام 1940 لدى سماع فرانكلين روزفلت ان الوفود ربما تمردوا واختاروا مرشحا غيره قام باستعراض علني مفاجىء وضمن ترشيحه للمرة الثالثة. كما كانت هناك ايضا امثلة لا تحصى حينما كان التصويت على مرشح الرئيس اكثر اثارة ومفاجأة. وبعيدا عن اثارة عملية الاختيار هذه كانت هناك عموما سجالات سياسية عميقة بخصوص القضايا المعاصرة. وعلى سبيل المثال شهد المؤتمر الديمقراطي عام 1948 سجالا شرسا حول الحقوق المدنية للامريكيين الافارقة وفي سنوات احدث عهدا شهد المؤتمر الديمقراطي لعام 1968 غليانا هائلا بخصوص حزب فيتنام. وقد حظيت بفرصة ان اشارك في اثنين من آخر المؤتمرات اثارة وهما مؤتمرا عام 1984 و1988 في سان فرانسيسكو واطلنطا. ومازلت اتذكر نفسي تماما قبل 12 عاما مضت حينما صعدت منصة مكبر الصوت في مقر اطلنطا عام 1988 لاقود اول سجال سياسي على المستوى القومي قاطبة بخصوص الحقوق الفلسطينية. وفيما كنت اتحدث كان تحالفنا المكون من اكثر من 1200 موفد (واتفقنا اساسا على ترشيح جيسي جاكسون للرئاسة) يهتفون بحماس شديد داخل قاعة المؤتمر. كانت اللافتات والشعارات تنادي (الدولة الفلسطينية الآن) و(العدالة للفلسطينيين والسلام لاسرائيل) . كانت نشوة ما بعدها نشوة ان اكون قادرا على ادخال هذه القضية الحساسة الى قلب المؤتمر الحزبي السياسي واعرضها امام الامة الامريكية بأكملها, وخصوصا ان التحدي الاكبر امام المؤتمرات السابقة كان الحقوق المدنية للامريكيين الافارقة في مواجهة نظام التفرقة العنصرية في جنوب افريقيا وحرب فيتنام. وطبعا فقد ردت الصحافة الاسرائيلية على الشكل المتوقع. وقالت احداها (لاشيء كهذا سبق وان حدث... حاولنا كلنا منع هذه القضية من ان تصبح قيدا للتداول في الميدان ولم نتمكن كلنا من ان نفعل ذلك) . فيما اشارت اخرى الى ان (لم يسبق لمثل هذا العدد من اعلام منظمة التحرير الفلسطينية وان لوح بها امام شاشات التلفزيونات الامريكية) . وعلى الرغم من حقيقة ان نتيجة كل هذين المؤتمرين كانت معروفة مسبقا الى حد كبير قبل وصول الوفود الى مكان المؤتمر الا ان الكثير من الدراما ظل حاضرا. وما هو غير متوقع ظل حاضرا ايضا. ما الذي سيقوله جيسي جاكسون على سبيل المثال؟ ما القضايا سيثيرها موفدوه؟ كيف سيتكشف تحديه للحزب والقيادة؟ ان شيئا من هذه الدراما لن يحدث هذا العام. وفي الحقيقة منذ عام 1992 اصبحت مؤتمرات كلا الحزبين يمكن التوقع بأحداثها تماما قبل انطلاقتها, فقادة الحزب وموفدوهم المنتخبون من قواعد الحزب لم يعودوا يهيمنون على عملية تسمية المرشحين ونتائج المؤتمر. اذ نتيجة للاصلاحات الانتخابية الرئاسية على مدى السنوات الثلاثين الماضية تكون الوفود قد انتخبت المرشح في جولة الانتخابات الاولية كما ان الوفود تكون قد اختيرت ايضا في سياق تلك العملية الانتخابية قبل انعقاد المؤتمر. وما ان يحل موعد التئام المؤتمر حتى يكون المرشحون للرئاسة قد سيطروا تماما على مجريات العملية. ويقوم المرشح بتحديد برنامج المؤتمر كما هو شأن القيادة القومية للحزب وحتى المتحدثون امام المؤتمرين وما سيتحدثون بشأنه ايضا. وبالتالي تحولت المؤتمرات الحزبية من ورش عمل لصناعة القرارات السياسية الى مهرجان اعلاني دعائي يستمر اربعة ايام لترويج الحزب ومرشحه للرئاسة. وفي مرحلتنا هذه اصبحت حتى المفاجآت مرسومة مسبقا. وما يتم تقديمه في المؤتمرات الحزبية الآن هو افكار نظرية ورموز وشعارات يأمل اصحابها من ورائها ان تتمكن من تشكيل مواقف الناخبين لصالح مرشح الحزب للرئاسة. والنتيجة ان المزيد والمزيد من الامريكيين اخذوا يبتعدون عنها. واظهر استطلاع اخير للرأي بأن اقل من 50 في المئة من الامريكيين كانوا يقومون بمجرد تتبع اخبار الانتخابات الرئاسية فيما نسبة اقل منهم بكثير تتابع احداث المؤتمرين على التلفزيون. وردا على تراجع مدى الاهتمام لدى المشاهد الامريكي قررت شبكات التلفزيون الامريكية الكبرى التقليل من حجم تغطيتها لاحداث المؤتمرات اليومية واختصارها لتصبح مجرد ساعة اخبارية واحدة في المساء. وفي الايام الخوالي كانت شبكات التلفزيون والاذاعة الامريكية تقدم ما تسميه تغطية اخبارية لحظة بلحظة لكل دقيقة من عمر المؤتمر كما كانت نسبة المشاهدة لهذه التغطيات كبيرة جدا. واتذكر نفسي في طفولتي وانا اجلس مع والدي المتسمرين امام شاشة التلفزيون لمشاهدة الاحداث الدرامية وهي تتكشف امامهما كنا نشعر بالاثارة مع الادلاء بكل صوت ونحصي النقاط التي يحصلها المرشحون على اوراق امامنا وننصت للخطب السياسية في تلك اللحظات التي لا تنسى. اما اليوم فقد طغى الشكل على المضمون فيما اخذت التقنية مكان المادة. واللحظات المثيرة لم تعد هي الخطب اللاهبة او نتائج التصويت المفاجئة او الاحتجاجات, اذ قد حلت مكان كل ذلك صور الفيديو الهوليودية واشباهها. على كل حال سأزور مؤتمري الحزبين هذا العام كما فعلت طوال العقدين المنصرمين. سأذهب مدفوعا باحساسي بالمسئولية في جانب واحساسي بأهمية التاريخ في جانب آخر. سأتذكر بعضا من الدقائق العظام في المؤتمرات السابقة, حينما تحدى السيناتور باري جولدوتر الجمهورين في الستينيات وتحدى دعاة الحقوق المدنية كل وفود الديمقراطيين الجونبيين البيض في العقد نفسه. سأتذكر الاحتجاجات المشروعة ضد الحرب عام 1968 والخطب المؤثرة لجيسي جاكسون عامي 1984 و1988 واحتجاجنا نحن الفلسطينيين عام 1988 لن يكون هناك مثل هذه الدراما العفوية هذا لكن المؤتمرات شتظل مناسبات خاصة ومهمة تستحق المتابعة. والمؤتمرات ستضع نبرة ونمط الافكار والقضايا لكلا الحزبين. وهذه المناسبات ستوفر الانطلاقة الرسمية للحملة الانتخابية الرئاسية لأحد الرجلين الذين سيصبح احدهما رئيسا للولايات المتحدة الامريكية. لذلك السبب وحده تستحق المؤتمرات مراقبة وثيقة لكن سيكون امرا نمطيا حقا لو ان شيئا غير متوقع مكتوب له ان يحدث ولو على الاقل لتذكيرنا بالمؤتمرات السياسية التي اعتدنا عليها في ايامنا.