بعد اسبوعين من المفاوضات العسيرة والماراثونية, اضطر الراعي الأمريكي الى الاعلان عن فشل قمة كامب ديفيد الفلسطينية الاسرائيلية التي وصفها الكثيرون بالفرصة الاخيرة. وقد تم تبرير ذلك الاخفاق بعجز الطرفين عن التوصل الى اتفاق حول القدس التي تعتبر المشكلة الكأداء في مسلسل التفاوض. وفي ظل التعتيم الذي عرفته هذه المفاوضات, فقد ظل المتتبعون اسيري الاشاعات التي كان يروجها هذا الطرف او ذاك حول سير المفاوضات, ومدى التقدم الذي تم تحصيله في هذا الميدان. لكن بعد معاينة هذا الفشل, من الممكن ان نطرح على الاقل سؤالين يبدوان جوهريين في الظرف الحالي. ويتعلق الاول بالنتائج التي تم تحقيقها فيما يتعلق بالقضايا الاخرى. اي بصيغة اخرى هل تحطمت هذه المفاوضات فقط على عقبة القدس, ام ان الامر يعكس اختلافات حتى حول القضايا الاخرى؟ اما الثاني فيرتبط بالانعكاسات المحتملة لهذا الاخفاق على هذه المسيرة السلمية, وعلى المنطقة برمتها؟ في تعليقه على فشل القمة, اشار الرئيس كلينتون الى ان المفاوضات حققت تقدما ملموسا حول القضايا الاخرى. وهو ما يبرر فعلا استمرار المفاوضات هذه المدة كلها. لكن في الوقت نفسه اعتبرت بعض الاوساط الفلسطينية ان سبب انهيار المفاوضات لا يعود فقط الى القدس, بل كانت هناك خلافات حول قضايا اللاجئين والامن والحدود. ومن الواضح ان قضية اللاجئين لا تقل أهمية. فمن المؤكد ان اسرائيل رفضت بشكل صريح الاعتراف بحق جميع اللاجئين في العودة الى وطنهم, والذين يبلغ عددهم قرابة اربعة ملايين, الامر الذي من شأنه حسب اسرائيل ان يحدث اختلالات ديمغرافية كبيرة قد تؤثر على امنها. ومن ثم, فان الحل المقترح في المفاوضات لم يكن يتجاوز معالجة حالات بعض المئات من اللاجئين لاعتبارات عائلية ترتبط بالتجمع الاسري. في حين ان الباقي يتم حل مشكلته على اساس التعويض المادي, وهو ما كانت الولايات المتحدة ستسهم فيه بمعية مجموعة الدول الثماني الاكثر غنى, بالاضافة الى الدول العربية الغنية, وتريد اسرائيل من موقفها هذا الاستناد الى بعض القرارات الدولية, ومن بينها القرار 194 الذي يتحدث عن بعض الخيارات فيما يتعلق بهذه المشكلة, من بينها العودة والتوطين والتعويض. وتخوفا من احتمال ان يتقدم المفاوض الفلسطيني بتنازل في هذه القضية, كانت الفتوى التي اصدرها مفتي القدس, والذي اعتبر ان قبول التعويض بمثابة بيع الارض لا يجوز شرعا, بل اكثر من ذلك فقد ركز على حق اللاجىء في العودة والمطالبة في الوقت نفسه بالتعويض عن الاضرار التي لحقته شخصيا او بأولاده وأحفاده. وهو رأي سليم يتشبت بالحقوق المشروعة. فلا يعقل ان تشرع الابواب امام كل من يدعي اليهودية بالهجرة الى اسرائيل, في الوقت الذي تبقى موصدة في وجه الفلسطينيين الذين هجروا قسرا من اراضيهم. وعلى خلاف ما يعتقد البعض, فان هذه الفتوى لا يمكن الا ان تعضد الموقف الفلسطيني. ان فشل المؤتمر في تحقيق نتائج حول هذا الملف هو الذي يدفع الى مشاطرة الاعتقاد القائل ان اهمية القمة تعود بالدرجة الاولى الى كونها شكلت اول محاولة جدية لمناقشة كافة القضايا العالقة. لكن هذه المعاينة ليست جديدة, فقد كانت منتظرة, ومنذ بدء مسلسل التفاوض ادرك الطرفان صعوبة هذه القضايا. ومن ثم فان المقاربة التي اعتمدت في اتفاقية اوسلو قامت على تجزئة المشكلات حتى تتم السيطرة عليها, وايجاد تسوية لها. لكن بعد مرور الفترة الانتقالية تكشف المفاوضات التي جرت, وأساسا هذه القمة الاخيرة, ان التوصل الى تسوية ليس امرا هينا أمام تعارض مواقف الطرفين, ولاسيما فيما يتعلق بالقدس التي لا تعني الفلسطينيين فقط بل كذلك المسلمين والمسيحيين. ومن ثم فان التنازل حولها كان صعبا, رغم المقترحات البديلة التي قدمها الرئيس الأمريكي لتجاوز هذا المأزق, والمتمثلة في محاولة إعطاء الفلسطينيين التدبير الاداري للاحياء العربية من خلال تقسيم القدس الى ثلاث مناطق: الاولى تحت السيادة الاسرائيلية, والثانية خاضعة للمراقبة الفلسطينية بدون سيادة. في حين أن الاخيرة يتم تدبيرها اداريا من طرف الفلسطينيين باستثناء قضايا تدبير الامن. فهذا المقترح تم رفضه لانه يكرس في العمق السيادة الاسرائيلية على القدس, وهو الامر الذي يخالف كافة القرارات الدولية الصادرة في هذا الاطار. ولاشك ان هذه القمة قد مكنت من تجاوز بعض المواقف التي كانت سائدة, فلم يعد الموقف الاسرائيلي منكمشا على اعتبار القدس عاصمة ابدية لاسرائيل, بل ان تقديم مقترحات في هذا الشأن لا يمكن الا ان يسجل على أنه بداية لتسوية قد تتطلب بعض الوقت. ما هي انعكاسات فشل توصل هذه القمة الى تسوية لهذا الصراع؟ وهل يعني ذلك نهاية المقاربة السياسية, وتبني اساليب جديدة في التعامل مع هذا الصراع؟ على خلاف حالات اخرى, فانه باستثناء المفاوض الامريكي, وردود الفعل الدولية المتباينة والمتأرجحة بين التأسف, ومساندة هذا الطرف او ذاك, يلاحظ ان هذا الفشل قد خلف ارتياحا لدى الطرفين. لا ريب في ان الرئيس الامريكي الذي يستعد لجمع حقائبه من البيت الابيض كان يأمل في دفع الطرفين الى توقيع اتفاق كان سيكرسه كبان للسلام في هذه المنطقة, ويدخله التاريخ كرجل فعل اشياء كثيرة ليس فقط في الاقتصاد, وفي مواجهة الفضائح الاخلاقية, بل ايضا في تسوية الخلافات الدولية المعقدة, واكثر من ذلك, فسياسيا كان سيدعم فرص فوز صديقه ال جور في الانتخابات المقبلة. ولا يمثل ذلك الفوز فقط استمرارية لحكم الحزب الديمقراطي, بل علاوة على ذلك, فانه سيمنع فتح الملفات القضائية التي يتورط فيها الرئيس كلينتون, وحتى زوجته. وفي الوقت الذي حمل كل طرف مسئولية المأزق للطرف الاخر, فانه في العمق كان كل واحد يشعر ان عدم التوقيع على اتفاق هو احسن من التوقيع على اتفاق سيئ. ومرد ذلك الى الضغوط التي واجهها الطرفان, وتخوفهما من التوقيع على اتفاق قد يفسر على أنه تجاوز لحدود التنازلات الممكنة. لكن في السياق نفسه, وبالرغم من هذا الاخفاق, فقد استمر الطرفان في التشبت بخيار السلم والتفاوض كاسلوب لا مناص منه لحل الخلافات العالقة. فهل يعني هذا ان جولة جديدة من المفاوضات ستنعقد في الشهر المقبل على ضوء استمرار الوساطة الامريكية؟ ان هذا الاحتمال يبدو ممكنا خاصة ان الاطراف تريد ان تستبعد كل ما من شأنه ان يزيد من التوتر, ويضيف صعوبات اضافية الى مسلسل البحث عن حل وسط. لكن هل من الممكن ان نتصور احتمال ردم الهوة في هذا الوقت الوجيز؟ اكثر من ذلك هناك مجموعة من المؤشرات التي تفرز نوعا من الخوف والقلق على مصير هذه العملية السلمية, والتي قد تؤخرها سنوات اخرى, وهي أولا: دخول الولايات المتحدة في حمى الانتخابات, وهذا العامل لا يعني تجميدا لدور الادارة الامريكية, ولكنه يفترض انها لا يمكن ان تتبنى مواقف واضحة ازاء القضايا المطروحة, ولاسيما فيما يتعلق بالمرجعيات القانونية التي يستند اليها الطرف الفلسطيني والعالم. واكثر من ذلك لا يمكن ان تمارس ضغوطا على الجانب اليهودي, وذلك مخافة ردود فعل اللوبي الصهيوني الذي يحدد بدرجة كبيرة مصير الانتخابات الامريكية. ويترتب عن ذلك, ان الادارة الامريكية لن تحدد بوضوح حقوق وواجبات كل طرف. على صعيد اخر, واستنادا الى ما تناقلته وسائل الاعلام عن الرئيس كلينتون, من تحقيق القمة لنتائج ايجابية في بعض القضايا, فهل يعني هذا ان القمة ستنطلق مما وصلت اليه ام ستعود من جديد الى الصفر؟ الجواب مرتبط بالتحولات اللاحقة التي ستعرفها المنطقة, وفي مقدمتها اعلان الدولة الفلسطينية. ان الرئيس الفلسطيني الذي استقبل كزعيم, والذي سعى الى اعادة رص الصف الفلسطيني, يدرك جيدا انه لا يمكن له ان يؤجل من جديد اعلان الدولة الفلسطينية. وبالرغم ان هذا الاعلان لن يغير في الواقع اشياء كثيرة حيث سبق اعلان ذلك منذ سنة 1988, فانه يمثل اختبارا لقدرة القيادة الفلسطينية على مزيد من الالتزام بالقرارات التي تصدرها, وفي الوقت نفسه معرفة رد الفعل الاسرائيلي الذي يعتمد حاليا اسلوب التهديد بضم ما تبقى من الضفة الغربية, والتراجع عن التسوية في حالة حدوث ما يسميه بالاعلان الانفرادي للدولة الفلسطينية. اخيرا, اذا كان الزعيم ياسر عرفات قد استطاع ان يحسن من صورته في الساحة الفلسطينية, فان الوزير الاول ايهود باراك يجد نفسه في وضعية صعبة نسبيا. ربما كان يفضل التوصل الى اتفاق ضمن شروطه, حتى يستطيع تمريره عبر استفتاء يعيد له الاغلبية التي فقدها. ويبدو بعد كامب ديفيد, وكأنه لا خيار له سوى تشكيل حكومة ائتلافية بمشاركة الليكود. لكن هذا الاخير لا يتحمس لذلك, بل يطالب بإجراء انتخابات سابقة لأوانها. وفي كلتا الحالتين, فان العملية السلمية ستتعقد أكثر, وربما ستكون مهددة بالانحدار للوراء. فتشكيل هذه الحكومة لابد ان يتم على ايقاع تنازلات يقدمها باراك لليمين الذي ظل يعارض ما كان يسميه بالتنازلات المقدمة للفلسطينيين. في ظل هذه المعطيات لا تبدو في الافق احتمالات جدية بامكانية التوصل الى اتفاق نهائي في الفترة المقبلة. والمهم حاليا هو تحليل دروس الفشل, والعمل على ضبط التفاعلات في مستوى لا يجعلها تنفلت من الرقابة والضبط بشكل قد يدخل المنطقة برمتها في دوامة العنف. * استاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس ـ المغرب