لقد سبق للفكر العربى المعني بمسار الاستيطان الصهيونى أن تساءل عن احتمالات المستقبل فى حال افتقدت الصهيونية وهجها. وظهر من سارع بتوقعاته المتشائمة أو المتفائلة عن اسرائيل فى طور (مابعد الصهيونية) غير ان أحدا لم يمتد ببصره أو بصيرته الى استشراف مستقبل (إسرائيل ما بعد اليهودية)؟ لا يثار هذا التساؤل من باب الشغب الفكرى أو الترف الاستشرافى, فثمة تحولات فى معطى الهوية اليهودية للمستوطنين الغزاة, تبرر التعامل معه بجدية. بصيغة أخرى, هناك ما يدعو من المستجدات للبحث فى مستقبل الدولة الصهيونية الاستيطانية قليل العناية بالجوهر اليهودى للمستوطنين. فمن ناحية, أعلنت المصادر الاحصائية الرسمية الاسرائيلية, أن 25 فى المئة من المهاجرين (المستوطنين) الذين وفدوا لاسرائيل خلال العقد الفائت من دول آسيا الوسطى, هم من عدد غير اليهود. ومضت الى أن غير اليهود القادمين وسط المهاجرين يتزايد فى السنوات الأخيرة, ففى عام 1999 كان 53 فى المئة من هؤلاء غير مولودين لأم يهودية, بمعنى أنهم ليسوا يهودا طبقا للشريعة. بل وأن 38 فى المئة منهم ليسوا حتى لأب يهودى. ومن ناحية ثانية, وهذا هو الأهم, يجرى هذا التحول بمعرفة جهات الاختصاص الصهيونية والاسرائيلية. فغير اليهود لا يأتون للكيان الصهيونى خفية على غير ارادة هذه الجهات, التى تصدر الاحصاءات المذكورة بمعرفتها, صحيح أن الساحة الصهيونية تشهد جدلا حول الظاهرة وتداعياتها, لكن قرارا حازما لمنع تسرب غير اليهود لم يتخذ على أى مستوى عال من مستويات صنع القرار هناك. ومن ناحية ثالثة, فإن التوسع فى استقبال غير اليهود بين يدى الكيان الصهيونى لم يأت جزافا. انه اتجاه قائم منذ عام 1970 حين تم التوسع فى تعريف حق العودة اليهودى, وسمح لأزواج اليهود وأولادهم وأحفادهم بهذا الحق. كل ما فى الأمر أن ذلك التعريف الموسع لم يكن له أثر كبير الا بعد موجة الهجرة الكبيرة الأخيرة فى التسعينيات من القرن الماضى. هناك ناحية أخرى توحى بأن الكيان الصهيونى مقبل على تعريف مستجد آخر يوسع دائرة قبوله بأشباه اليهود وغير اليهود أيضا. فالمصادر الصهيونية تتحدث عما تسميه بظاهرة (اليهود المتخفين), أولئك الذين تزعم أنهم انكروا هويتهم اليهودية مطولا لأسباب مختلفة, وحان وقت الافصاح عن حقيقتهم وممارسة هذه الهوية فى الهواء الطلق. ويقدر البعض هذه الكتلة المختفية بنحو 3.1 الى 5.1 مليون نسمة.. لكن مصادر أخرى ترفع الرقم إلى زهاء خمسين مليون نسمة فى كل من آسيا وأفريقيا بخاصة! لعل قضية اليهود المختفين هذه مزعومة بالكامل, لكنها معطوفة على التوسع فى تعريف من تحق له العودة للكيان الصهيونى, تؤشر الى تطور كبير فى حشود هذا الكيان على الصعيد السكانى. ويقينا سيكون لتطور كهذا إن أخذ مداه تداعيات مهمة يجدر بالمحيط الاقليمى العربى استطلاعها بعين فاحصة, ونتصور بكلمات جامعة أنها تداعيات سوف تتعلق بهوية الكيان الاستيطانى الصهيونى الدينية, وعلاقة الكتل الاستيطانية ببعضها البعض فى داخله, ومستقبل العلاقة بين الصهيونية واليهودية, فضلا عن صلة الكيان فى حلته الفكرية الأيديولوجية المتغيرة بالمحيط الفلسطينى والعربى. * كاتب فلسطيني ـ القاهرة