اشتركت في الاسبوع الماضي ضمن عدد آخر من المهتمين, في احدى حلقات برنامج تلفزيوني بعنوان (لو بطلنا نحلم) كان موضوعها عن الذاكرة الوطنية, بدأت بتحقيق مصور, سأل فيه مقدم البرنامج عينة عشوائية من المواطنين تشمل رجالا ونساء من مختلف الاعمار, عما يعرفونه عن ابرز قادة الحركة الوطنية المصرية خلال القرن الذي انقضى. وفيما عدا اجابات قليلة اقتربت من الحقيقة وان لم تصل الى حد الدقة فقد بدت معظم الاجابات اقرب ما تكون الى حوار في احدى مسرحيات العبث, رفع بعض افراد العينة حاجب الدهشة ليقول مثلا: ان (محمد فريد) لاعب كرة, وبدت في عيون آخرين نظرة بلادة وهم يجزمون بأن اللواء (محمد نجيب) محطة مترو, و(مصطفى النحاس) شارع في مدينة نصر, ولما سأل المحقق التلفزيوني شابا منهم: ألم يمر عليك هذا الاسم اثناء دراستك للتاريخ في المدارس الثانوية؟ قال: اصلي انا كنت في القسم العلمي.. مش الادبي. ثم ضحك على نكتته الماسخة! ولم يكن هناك أي مبرر بالطبع لسؤال هؤلاء عن شخصيات لعبت دورا مهما في تاريخ الامة العربية خلال القرن الذي انقضى مثل (الشريف حسين) و(فيصل الكبير) و(عبدالعزيز آل سعود) و(يوسف العظمة) و(رشيد عالي الكيلاني) او لعبت دورا مؤثرا في تاريخ العالم مثل (غليوم) و(هتلر) و(موسوليني) و(ستالين) و(بيتان) ومئات غير هؤلاء واولئك. اذ ليس من المنطقي ان يعرف الذين يجهلون ابسط المعلومات عن تاريخ وطنهم شىئا عن تاريخ امتهم او تاريخ عالمهم والاغلب انهم كانوا سيجيبون بالطريقة نفسها, فيوسف العظمة كان مطربا شبابيا وستالين كان سنتر فرويد الاسد المرعب ودي جول كان بائع بسطرمة! ومع ان الاجابات لم تدهشني الا انها ـ كالعادة ـ استفزتني وذكرتني بالاسطورة القديمة التي افتتح بها (توفيق الحكيم) كتابه الشهير (حمار الحكيم) فقد تساءل حمار الحكيم (توما) ذات يوم مشتكيا: متى ينصف الزمان فأركب.. فأنا جاهل بسيط اما صاحبي فجاهل مركب؟. ولما سئل عن الفارق بين الاثنين اجاب: الجاهل البسيط هو من يعلم انه جاهل.. اما الجاهل المركب فهو من يجهل انه جاهل! وكنت الى وقت قريب اظن ان الجهل بالتاريخ الحديث والمعاصر, يقتصر على النصف الاول من القرن, الذي تعرض, بعد ثورة يوليو 1952 ولاسباب سياسية لحملة دعائية تستهدف تشويهه, ثم لحظة تعتيم تستهدف محوه من الذاكرة بحيث تبدو مصر ـ والامة العربية ـ وكأنها لم تولد الا صباح يوم 23 يوليو 1952, وكنت اتوهم ان معظم الناس ـ بمن في ذلك الشباب ـ يعرفون على الاقل تاريخ النصف الثاني منه: الشيوخ والكهول بحكم المعاصرة والمعايشة والتأثر بحملات الدعاية التاريخية التي لم تقصر في تمجيد كل ما جرى فيه والشباب لأنهم تربوا في بيوت تعرف هذا التاريخ,. ولأن جانبا كبيرا منه, كان موضوعا لأفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية, قد يفتقد معظمها للدقة في التفاصيل, إلا انها على الاقل حرصت على الخطوط العامة لذلك التاريخ. لكن شواهد عديدة كان من بينها المساخر التاريخية التي سمعتها على لسان المشاركين في هذا التحقيق التلفزيوني اكدت لي ان فقدان الذاكرة الوطنية قد زحف ليشمل تاريخ القرن كله, وان ما ارتكبته ثورة 23 يوليو في حق ما سبقتها من حقب وازمان قد طالها هي نفسها فدخلت ـ هي الاخرى ـ دائرة النسيان تطبيقا لقاعدة (داين تدان) و(كله سلف ودين حتى المشي على الرجلين) , بحيث لا استبعد ان يأتي وقت قريب, يفتح فيه شاب فمه ببلاهة, ليقول ـ اجابة على سؤال يوجهه له التلفزيون ـ ان (انور السادات كان محطة مترو, وان صلاح سالم كان طريقا دائريا) . وكما ان هناك مليون سبب توجب علينا ان نبحث عن وسيلة لكي يستعيد الناس ذاكرتهم الوطنية, ليس اولها ان (من فات قديمه تاه) وليس اخرها ان الذين يفقدون هذه الذاكرة, يفقدون معها انتماءهم للوطن, بل وربما ولاءهم له فهناك مليون سبب ـ كذلك ـ لفقدان هذه الذاكرة, ليس اولها ان الجهل المركب ـ بالتاريخ وبغيره ـ لم يعد مدعاة للخجل بل اصبح مبررا للفخر وربما وسيلة للصعود وللترقي, وليس آخرها ان حقب التاريخ المصري والعربي. قد دخلت في تصفية حسابات مع بعضها البعض, فإذا باللاحق يمحو تاريخ السابق واذا بـ (مصطفى كامل) يسعى لتدمير تاريخ (احمد عرابي) واذا بـ (ثورة يوليو) تعمل على محو تاريخ ثورة 1919, واذا بالحقبة الساداتية تشن حملة على الحقبة الناصرية, وهو ما انتهى بأن نسي الناس الجميع, بعد ان تعاون الجميع على شطب تاريخ الجميع. وهذا هو المبرر الذي يستند اليه كل جاهل مركب بتاريخ بلاده, لتبرير جهله الذي يجهله, وهو عذر اقبح من الذنب, لأن اصحابه لا يريدون ان يفكروا او ان يتعبوا عقولهم بقراءة الروايات المختلفة للواقعة التاريخية, والمقارنة فيما بينها, واستخلاص الحقيقة لأنفسهم بأنفسهم, بل يريدون تاريخا جاهزا ومعلبا.. وهم يطالبون بتاريخ رسمي تكتبه لهم الحكومة.. وهي مدرسة شاعت في الستينيات وانتهت ـ في مصر بتشكيل لجنة لاعادة كتابة التاريخ استنادا الى (ميثاق العمل الوطني) الذي اعتمد ايامها كنظرية لثورة يوليو ـ وشكلت لجنة مماثلة في (سوريا) وفي (العراق) لاعادة كتابة تاريخهما القومي استنادا الى فلسفة التاريخ في نظرية (حزب البعث) الذي كان ـ ولا يزال ـ يحكم البلدين. وفي اواخر السبعينيات شكل الرئيس السادات لجنة لاعادة كتابة تاريخ ثورة يوليو, استنادا الى تفسيره الخاص لمجرياتها. ومع ان واحدة من هذه اللجان لم تكمل ـ لحسن الحظ عملها ـ فلا تزال المطالبة بكتابة تاريخ رسمي ممهور بخاتم النسر, لثورة 23 يوليو تطل برأسها بين الحين والآخر, متذرعة بأن الذين كتبوا عن تاريخ هذه الثورة يشيعون البلبلة في نفوس الشباب, فلم يعودوا يعرفون ما اذا كان (عبدالناصر) زعيما وطنيا ام ديكتاتورا بلشفيا, وما اذا كان السادات بطلا للحرب والسلام, ام عميلا للسي ـ اي ـ ايه ـ والموساد. وما يفوت على هولاء ان كل ما نشر ـ حتى الآن ـ عن ثورة 23 يوليو بمراحلها المختلفة, ليس تاريخا ولكنه مجرد شهادات كتبها بعض الذين كانوا في كواليس السلطة من العظماء والصعاليك والابطال والكومبارس وهي كأقوال الشهود امام المحاكم قابلة للأخذ والرد, والتصديق والتكذيب, استنادا الى محكات عديدة, منها مدى قرب الشاهد من الاحداث وطبيعة صلته بأبطالها فالذي رأى بعينيه وسمع بأذنيه, تختلف قيمة شهادته, عن قيمة شهادة الذي ينقل عما رآه سواه او سمعه غيره, وشهادة الابن والشريك والصديق قد تدفعه للانحياز في رواية الوقائع كما ان شهادة المنافس او العدو او المضار, قد تدفعه لانحياز مضاد, يقوده الى التحامل. مشكلة التأريخ لثورة يوليو 1952, هي ان احدا لم يؤرخ لها حتى الآن, وكل ما نشر عنها ـ فيما عدا استثناءات قليلة ـ هو مجرد شهادات تقبل الاخذ والرد والتصحيح والتجريح اما السبب ـ الذي اذا عرف زاد العجب ـ فلأن الوثائق الرسمية المصرية لثورة يوليو لا تزال بعد ثمانية واربعين عاما من قيامها وثلاثين عاما من وفاة عبدالناصر سرية! والوثائق الرسمية, هي المصدر الرئيسي الاكثر مدعاة للثقة عند التأريخ لأية ظاهرة, لأن مصداقيتها اعلى من مصداقية اي مصدر آخر من مصادر التاريخ فهي تسجل الوقائع وقت حدوثها, وتدونها على الورق, فلا تطالها عوامل التعرية التي تلحق بالذاكرة البشرية, او عوامل الرغبة في التنصل من المسئولية او تبرير الخطأ او السعي للثأر او ادعاء البطولات وغيرها من آفات النفس البشرية! ومن بين اهم هذه الوثائق (ارشيف منشية البكري) وهو ارشيف رئاسة الجمهورية في عهد الرئيس عبدالناصر, وكان مودعا ـ طبقا لما ذكره الاستاذ محمد حسنين هيكل ـ في مبنى مواجه لبيته, ثم نقل ـ خلال شهري يوليو واغسطس 1971 ـ بقرار من الرئيس السادات الى قصر عابدين, الذي اتخذه خليفة عبدالناصر مقرا رسميا لرئاسة الجمهورية في عهده. وتكشف كتابات الاستاذ (هيكل) خاصة رباعيته عن (حرب الثلاثين سنة) عن انه قد اطلع على كثير من ملفات هذا الارشيف, ولديه ـ كما ذكر ـ مستنسخات من بعضها وهي تضم الرسائل المتبادلة بينه وبين زعماء العالم في عصره, من خروشوف الى كاسيجين, ومن ايزنهاور الى نيكسون فضلا عن تيتو ونهرو وماوتسي تونج وايدن ومولييه, كما تضم الجانب الاهم من تقارير السفراء المصريين في الخارج التي كانوا يرسلونها الى وزارة الخارجية, والى رئاسة الجمهورية, فضلا عن التقارير التي كانت ترفعها الى الرئيس اجهزة الامن المختلفة حول الاوضاع الداخلية والخارجية, ومضابط اجتماعاته الرسمية مع شخصيات وفود عربية واجنبية, وتفريغ تسجيلات صوتية كانت تتم ـ بأمر منه ـ لبعض هذه الاجتماعات من دون علم الطرف الآخر.. ومحاضر اجتماعات مجلس الوزراء, برئاسته او تلك التي تعقد برئاسة غيره وترفع اليه.. وليس خطأ تماما ان نحكم بأن هذا الارشيف يضم اهم وثائق ثورة 23 يوليو 1952 في ضوء ما هو معروف عن الدور المركزي الذي كان يلعبه (عبدالناصر) في حياة البلاد السياسية في عهده حيث كانت تنتهي اليه ادارة كل علاقات الدولة الخارجية, وكل مرافقها وسياساتها الداخلية وترفع الى مكتبه اهم الاوراق, وتخرج منه كل القرارات وتصاغ فيه كل القوانين. لكن المؤكد ان هناك وثائق اخرى او صورا من وثائق منشية البكري موجودة في ارشيفات الوزارات الرئيسية ومنها وزارات الخارجية والداخلية والحربية والقيادة العامة للقوات المسلحة, والمخابرات العامة, فضلا عن وثائق بقية وزارات الدولة التي تنشط في مجالات نوعية كوزارات الخدمات وغيرها. وطبقا لما ذكره الاستاذ (هيكل) قبل سنوات فإن ارشيفه الخاص يضم اكثر من مليون وثيقة منها 175 ألف وثيقة مصرية تضم كثيرا من التفاصيل والنصوص عن وقائع هذا العصر الذي وصفه (الجواهري) بأنه كان عظيم المجد عظيم الاخطاء حصل عليها هيكل بإذن من عبدالناصر, واضاف اليها ما حصل عليه في بداية عهد السادات وما نجح ـ باتصالاته ـ في ان يضمه اليها, وهو يودع المهم منها خارج مصر, خشية ان تتعرض لخطر المصادرة او التدمير ومع انه فكر مرة في ان يودعها بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بجريدة الاهرام, او في مكتبة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية الا انه لا يزال مترددا في انتظار وضع مؤسسي يوفر لها الحماية.. ولابد ان هناك اخرين ممن كانوا على خشبة المسرح السياسي خلال عهد عبدالناصر يملكون مستنسخات لبعض وثائق المرحلة قد لا تكون بأهمية ما يملكه محمد حسنين هيكل, ولكنها لا تخلو بالطبع من الاهمية, فمنذ حوالي عشرين عاما نشر (عبدالمجيد فريد) الذي كان امينا عاما لرئاسة الجمهورية لمدة تزيد على عشر سنوات وكان بهذه الصفة يحضر جميع اجتماعات عبدالناصر ويدون بعض محاضرها مختارات من مضابط اجتماعات عبدالناصر بالقادة السوفييت في اعقاب هزيمة 1967 ومن مضابط اجتماعات مؤتمر القمة العربي بالخرطوم فضلا عن مقتطفات من بعض جلسات مجلس الوزراء واللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي التي عقدت برئاسة عبدالناصر في اعقاب الهزيمة لتقييم النظام السياسي. وفي اعقاب صدور بيان 30 مارس 1968. وقبل اعوام نشر الدكتور عبدالعظيم رمضان, بعض محاضر اجتماعات الامانة العامة للاتحاد الاشتراكي العربي, التي كان عبدالناصر يحضرها ويتحدث فيها ونشر الدكتور رفعت السعيد محضرا لاجتماع آخر, ووجدت في اوراقي محاضر لاجتماعات اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي التي رأسها وشارك في مناقشاتها الرئيس عبدالناصر في اكتوبر 1968, والغالب انني حصلت عليها من احد اعضاء تنظيم طليعة الاشتراكيين, لأن النسخة مثقبة برقم وهي الطريقة التي كانت تتبع انذاك لضمان عدم تسرب المحاضر السرية الى غير اعضاء هذا التنظيم. وفيما عدا الوثائق الرسمية, التي يقضي القانون بنشرها, مثل القوانين ومضابط الجلسات العلنية للهيئات التشريعية, او ما تسمح السلطات بنشره لأسباب سياسية, كما حدث عندما امر الرئيس عبدالناصر بنشر مضابط مباحثات الوحدة المصرية السورية العراقية عام 1963, فإن الباحثين في تاريخ ثورة يوليو 1952 يعتمدون في الاساس على الوثائق الرسمية السرية البريطانية والامريكية التي يباح الاطلاع عليها بعد مرور ثلاثين سنة ولا يجدون امامهم من الوثائق المصرية, سوى ما تنشره الصحف او ما ورد في مذكرات الابطال والصعاليك والخدم والشماشرجية والكومبارس الذين كانوا على مسرح الثورة من روايات لا يمكن الاعتماد عليها وحدها, من دون مقارنتها بما تتضمنه الوثائق الرسمية, اذ المؤكد ان من بين رواتها شهود زور, وشهود غفلة وشهودا من نوع شاهد ما شفش حاجة! وفي السنوات الست الاخيرة صدرت عدة كتب مهمة عن المرحلة الاخيرة من العلاقات المصرية البريطانية التي انتهت بتوقيع معاهدة 1954 لم يجد الباحثون المصريون في الموضوع وثيقة مصرية رسمية واحدة يعتمدون عليها في تحليل الظروف التي مهدت وانتهت بتوقيع هذه المعاهدة, فيما عدا ما نشرته الصحف بينما وجدوا مئات الوثائق البريطانية والامريكية التي تتعلق به! ونشر الاستاذ محسن محمد كتابا مهما حول انفصال مصر والسودان في بداية ثورة يوليو, اعتمادا على الوثائق نفسها من دون ان يسمح له احد بالاطلاع على وثيقة مصرية واحدة. وهكذا توقف البحث في تاريخ مصر المعاصر عند سنة 1952 وظلت الساحة خالية لكتاب المذكرات من الابطال والمهرجين, ومن الزعماء والكومبارس الذين يتذكر بعضهم على سطر وينسى على السطر الآخر, لذلك كان طبيعيا ان تتناقض رواياتهم لأن المحك الوحيد الذي يكشف الحقيقة من الكذب هو الوثيقة الرسمية, التي تدون ما قيل بالدقة, في الزمن الذي قيل فيه وتلك هي الذريعة التي يستند اليها هؤلاء الذين رضوا بجهلهم ورضي عنهم جهلهم, لكي يكفوا عن قراءة تاريخ بلادهم ومن الانصاف لهم ان نقول: انهم ليسوا على باطل تماما. المشكلة تكمن في ان مصر ليس بها حتى الآن قانون واضح ومحدد الملامح يلزم الحكومة بالكشف عن الوثائق الرسمية السرية, كل فترة زمنية معقولة كما هو الحال في بريطانيا وامريكا فالقانون المصري الذي صدر في هذا الشأن عام 1975. والقرار الجمهوري الذي صدر استنادا اليه يقضيان بأن تحتفظ وزارات وهيئات الدولة ومؤسساتها السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والحربية والدينية وغيرها, بالوثائق التي تتعلق بالسياسات العليا للدولة لمدة خمسة عشر عاما فقط تنقلها بعدها الى دار الوثائق القومية لتظل سرية لمدة خمسة عشر عاما اخرى يباح بعدها ـ بقرار من الدار ـ الاطلاع عليها ويجوز لضرورات تتعلق بالأمن القومي ابقاء بعضها سريا لمدد لا تزيد على عشرين سنة اخرى على الا تتجاوز مدة حظر الاطلاع او النشر خمسين سنة من تاريخ اصدار الوثيقة! ومع ان القانون مليء بالعيوب الا ان احدا لم ينفذه فلا تزال كل وزارات وهيئات الدولة, تحتفظ بوثائقها لديها, وليس في دار الوثائق المصرية وثيقة رسمية واحدة عن ثورة يوليو 1952 مع ان المفروض ـ طبقا للقانون ـ ان يباح الاطلاع على كل الوثائق المتعلقة بعهدي الرئيسين عبدالناصر والسادات وحتى سنة 1982 فيما عدا القليل منها الذي قد يكون فيه مساس بالمصالح العليا او مساس بالأمن القومي. هل يصدق احد ان الوثائق الرسمية المصرية المتعلقة بقضايا مثل انفصال السودان ومفاوضات الجلاء عام 1954 ومعركة الاحلاف 1955 وتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي 1956, والوحدة المصرية السورية 1958, والصراع بين عامر وعبدالناصر 1962, ومحاضر اجتماعات القمة العربية في اعوام 1964 و1965, وهزيمة 1967 المروعة, لا تزال طي الكتمان وان كل ما كتب عنها حتى الآن, يفتقد لأول وأهم وأبسط المعلومات التي تحتويها هذه الوثائق. واذا كان ذلك كذلك, فلماذا نلوم الجيل الشاب على جهله المركب بتاريخ بلاده مع اننا المسئولون عن مسح ذاكرته فهل آن الأوان للافراج عن وثائق يوليو.. ام ننتظر حتى عيدها الخمسين ليطل علينا من شاشة التلفزيون شاب يفشخ فمه ويضرب جبهته بكفه ثم يقول: جمال عبدالناصر؟.. ودي عاوزه سؤال. دا الجدع اللي بيمثل مع نادية الجندي.