العالم كله اليوم يفكر وفق مبادئ وقوانين السوق, وهذه أول بشارات العولمة, أما أول علامات النجاح فهي ليست في شيوع محلات ماكدونالدز وتسطيح البشر وفق ثقافة (التيك أواي), هذه أعراض النجاح, أما النجاح نفسه فحين تسود عقلية (الصرَّاف) بين البشر جميعهم. والصراف سواء كان آليا (ماكينة الصرف الآلي) أو بشرا يعمل واقفا وراء آلة (الكاشير), فإنه مصاب بعمى الأعداد, وعمى الأعداد مثل عمى الألوان, فهو لا يرى الحياة والبشر والكون كله إلا من خلال الجمع والطرح والضرب والقسمة و ... أوراق البنكنوت! اليوم تسود عقلية (الصراف) دنيا السياسة الدولية, فها هي الدولة العظمى, وها هو رئيسها, يستخدم كل نفوذه (ليجمع) الفرقاء حول قضية المصير والوجود (قضية القدس) (ليطرحوا) خلافاتهم جانبا وليتفقوا سريعا وفق المنطلقات والمصالح الصهيونية فقط, أما هو فيعلم أن بيده ملايين الدولارات (ليقسمها) بين الطرفين الفلسطيني و(الاسرائيلي) ليس بالعدل والقسطاس طبعا وإنما بالطريقة الأمريكية المعروفة, أما إذا رفضوا فليس أمامه سوى طريقة (الضرب)!! أليست هذه هي طريقة الصراف أو عقليته, وها هو كلينتون بعد أن فشل في الجمع والطرح والقسمة, يلجأ إلى طريقة الاغراء بالجزرة والضرب بالعصا, وبالطبع فالجزرة للاسرائيليين والعصا للفلسطينيين! لقد حاول كلينتون أن يقنع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد أثناء قمة جنيف بتسوية قضية الجولان عن طريق طرح المشروع الاسرائيلي القاضي بالانسحاب إلا من بعض المناطق التي ترى فيها اسرائيل أهمية قصوى لاحتياجات أمنها العسكري والمائي, لكن الأسد رفض بشدة, فقد كان يريد هذه المناطق قبل الجولان كلها, ويومها دوى فشل قمة جنيف, ودوى معه فشل الأداء السياسي لكلينتون في كل مكان. بعدها بقليل أصر (الصرَّاف) العالمي أن يجمع باراك وعرفات في كامب ديفيد تحديدا, ليستلهموا روح الشجعان الذين رحلوا بعد أن جلسوا وتفاوضوا واتفقوا وباعوا واشتروا وجمعوا وطرحوا واقتسموا (وضربوا الأمة كلها) واعتقد الصراف ان نومهم في أسرَّة الراحلين (بيجن والسادات) سيكون عاملا نفسيا مساعدا على انجاح القمة, اضافة طبعا للوزن (الذري) للسيد الرئيس وللدولة العظمى مذكرين بعرض سخي قدمه كلينتون لعرفات يساوي (40) مليار دولار أمريكي عداً ونقداً. طبعا قمة كامب ديفيد فشلت كما فشلت قمة جنيف, ولم تنفع الصراف ملايينه, وها هو اليوم يهدد بضرب الفلسطينيين عن طريق قطع المعونات ونقل السفارة للقدس!! ثم ماذا بعد؟ ألا يملك الصراف وسائل أخرى؟ ألم يسمع بقرارات الشرعية الدولية؟ ألا توجد مرجعيات قانونية ودولية معترف بها تنص على ان التسوية يجب أن تتم على أساس مبدأ انسحاب (اسرائيل) من الأراضي التي احتلتها في يونيو 1967, وليس على أساس المساومات والضغوط المعلنة جهاراً على طرف دون آخر؟ بقي أن نتساءل: هل سيصمد عرفات في وجه الصرَّاف العالمي؟ وهل سيقف العالم (على الأقل العربي) معه في وجه هذه الضغوط؟ أم انه سينهار في النهاية ويوقع؟ الأيام المقبلة تحمل الجواب وسيأتي سريعا بلا شك.