كان (الجو) مثاليا لزيارة (متحف التشريح) في (باريس).. الشمس ضائعة في متاهات الضباب الكثيف.. الريح تعصف بكل ما يصادفها.. تعزف صفيرا حادا يكاد يصم الآذان.. والليل يتعجل الهبوط رغم أننا لم نتجاوز منتصف النهار.. مشهد لاتراه إلا في أفلام الرعب التي توقف القلب.. وقد تضاعف الاحساس بالاثارة بمجرد أن اقتربنا من مبنى المتحف.. فهو أشبه بمشرحة (قصر العيني).. ويبدو باردا وحيدا في غابة مهملة موحشة لاتغري أحدا بالاقتراب.. لست من هواة أفلام الرعب.. و لم أكن يوما من المعجبين بأشهر مخرجيها.. (الفريد هيتشكوك).. ولست من مرتادي متاحف (الشمع) التي تخلد القتلة والسفاحين على طريقة (ريا وسكينة).. لكنني تحمست لزيارة (متحف التشريح) في باريس لرؤية قطعة واحدة فقط.. رأس أشهر وأجمل جاسوسة خلقها الله.. (ماتا هاري).. لم أتوقف عند 100 رأس أخرى مقطوعة ومحنطة لقتلة أعدموا بالمقصلة.. ولم أتوقف عند حوالي 6000 تذكار من أجساد عتاة المجرمين.. كان هدفي الوحيد رأس (ماتا هاري) الأكثر شهرة في العالم بعد رأس (نفرتيتي).. فقد قرأت كثيرا عنها.. وتمنيت أن أراها. كان الطابور طويلا أمام (الفاترينة) الزجاجية المحلاة بالذهب والتي تضم رأس (ماتا هاري).. ورغم أن الفرصة لم تكن سانحة إلا لإلقاء نظرة خاطفة عليها فإنني لن أنسى ما حييت شعرها الأحمر القصير.. ووجهها الذي بدا لي رغم الموت والتحنيط أشبه بفراشة ربيعية.. أشبه ببئر مياه جوفية.. أشبه بوجه ساحر لامرأة بدوية.. وقد قفزت ملامحها واضحة في ذاكرتي عندما قرأت في (الأهرام) عمودا لـ(نبيل عمر) عن اختفاء رأسها.. فمن الذي سرق الرأس؟.. هل سرقه مهووس بها؟.. أم واحد من أحفادها؟.. أم متحف آخر على طراز هذا المتحف الغريب؟.. إنه سؤال لايشغل فرنسا وحدها وإنما يشغل دولا كثيرة غيرها.. فقد كانت (ماتا هاري) جاسوسة متعددة الجنسيات. في التاريخ.. أن المرأة باعت جسدها لتفك عقد الرجل (الجنسية) فكانت الدعارة أقدم مهنة على وجه الأرض.. ثم باعت جسدها لتفك عقد الرجل (السياسية) و(العسكرية) فكانت الجاسوسية هي المهنة الثانية. في الإصحاح الثاني من سفر (يوشع) بالكتاب المقدس أن (يوشع بن نون) أرسل جاسوسين سرا الى (أريحا) في فلسطين ليكتشفا الأرض المقدسة قبل غزوها.. وأرشدهما عن بيت زانية اسمها (رحاب) فذهبا اليها.. وناما في فراشها.. وعرف الملك بأمرهما فأمر أن تسلمهما.. لكنها رفضت.. وخبأتهما في الظلام تحت أكوام الحطب فوق السطح.. ثم أنزلتهما بحبل.. ونصحتهما بالاختباء في الجبل ثلاثة أيام قبل أن يغادرا (أريحا).. وردا للجميل طلبا منها أن تضع علامة حمراء على بيتها حتى لايدخله (يوشع بن نون) وجنوده ويقتلون من فيه. وفي الإصحاح السادس من السفر نفسه أن (يوشع بن نون) وجنوده قتلوا بحد السيف (كل ما في المدينة من رجل وامرأة وطفل وحتى البقر والغنم والحمير).. لذلك فإن (يوشع بن نون) هو البطل المثالي الذي يؤمن به الاسرائيليون ويقدسونه ويخلدونه ويمشون على طريقه.. وقد طلب من المرأة الزانية (رحاب) أن تخرج هي وأبوها وأمها وأخوتها وكل ما لها قبل أن يحرقوا المدينة بكل ما فيها.. وقد تحولت هي الأخرى فيما بعد الى امرأة شهيرة ومقدسة في اسرائيل. ولو كانت (رحاب) هي الأقدم في مهنة التجسس فإن (ماتا هاري) هي الأكثر شهرة على الاطلاق.. إنها الأنثى النموذج في هذا العالم الخفي المليء بالغموض والأسرار.. اسمها الحقيقي (مرجريت جرترود).. وهي هولندية المولد والأصل.. ولدت في عام 1876 وعندما غادرت (امستردام) الى (باريس) في عام 1903 تركت وراءها طفلة أنجبتها من رجل آسيوي.. لا يزيد عمرها على ثلاث سنوات.. اسمها (باندا ما كلويد).. أو (زهرة عباد الشمس).. و(مرجريت جرترود) هي التي أطلقت على نفسها (ماتا هاري).. وهو اسم ملاوي.. معناه (عين الصباح).. أو (عين فجر جديد).. فالرجال كانوا يرون النهار في عز الليل إذا ما اقتربت منهم.. وقد كانت تحترف الرقص الوحشي.. الشهواني.. تحرك أساورها المصنوعة من الفضة والياقوت الأحمر.. تتركها ترتطم ببعضها البعض.. فتخرج نغمات لحن خاص مميز.. ويمتزج عطرها النفاذ المستخرج من زيوت الشرق بالموسيقى الاستوائية الصاخبة.. فتخرج عيون الرجال من مناجمها.. وهؤلاء الرجال زعماء ووزراء وجنرالات.. وما ان تنتهي الرقصة حتى يسارعوا بالقاء المجوهرات والأسرار السياسية والعسكرية مثل قرابين المعابد المقدسة تحت قدميها. في (باريس) فشل زواجها من ضابط اسكتلندي.. ووقعت في براثن ضابط مخابرات ألماني هو (رودولف ماكلويد).. أحبته.. منحته نفسها.. لكنه جندها واستغل جسدها لصالح بلاده. . فبدأت تعمل لحسابه.. ودخل فراشها كبار قادة بريطانيا وفرنسا.. وخرجوا وقد أفرغوا ما في جعبتهم من خبايا وأسرار.. إنها شهريار الأنثى.. لها في كل ليلة رجل مختلف.. تعريه من حياته وأسراره..وفي اليوم التالي يلبس من الرياح والعواصف.. كان كل جنرال أو سياسي أو رجل سلطة تعرفه مستعدا أن ينقل اليها البحار والجبال والغابات من أماكنها.. مستعدا أن يبيع العالم مقابل درهم واحد من أنوثتها.. مقابل رائحة البخور والكافور والبهار في ثيابها.. وكانت تتركهم واحدا بعد الآخر بعد أن أكلهم الغبار. والرجل الوحيد الذي أحبته الى درجة الجنون وكرهته الى درجة الكفر كان الرجل الذي حولها من عاشقة الى جاسوسة.. قالت: أنها اقتسمت معه رغيفا نصفه حب ونصفه الآخر كره.. وقالت: إن هذا الطراز المدرب من الرجال لاقلب ولا ضميره له.. وهو يخفي أمراضه النفسية تحت شعارات وطنية زائفة.. إنه أناني.. بارد.. خانع للسلطة والقوة.. شديد القسوة لايرحم اذا ما واتته الفرصة للبطش بالضعفاء.. مغامر ليس لديه ما يفقده بعد أن فقد أعز ما يملك الانسان.. كرامته.. ليست المرأة بالنسبة له سيارة (ملاكي) وإنما سيارة (تاكسي) يؤجرها لمن يشاء.. وهو من النوع الذي يصفه علماء النفس بالسيكوباتي. أي الشخص الذي لايهتز ضميره وهو يرتكب جرائمه.. مهما كانت هذه الجرائم قاسية وفاسدة.. إن وراء كل عاهرة وجاسوسة رجل من هذا الطراز. وفي متحف (التشريح) وضعوا صورته الى جانب ما قالته عنه.. ووضعوا صورة ابنتها (باندا ماكلويد) التي لقيت نفس مصيرها.. الاعدام رميا بالرصاص.. فعندما انكشف أمر (ماتا هاري) قبض عليها وحاكموها بتهمة الخيانة العظمى وفي ساعات حكموا عليها بالموت.. وفي 15 أكتوبر عام 1917 قادوها الى غابة (فينسين).. وهناك فتحوا النار عليها.. وبعد أن سقطت مضرجة في دمائها قطعوا رأسها وسلموه لمتحف (التشريح) لتحنيطه . . ولدراسته.. لقد أرادوا أن يعرفوا سرها من خلايا المخ والجسد.. كما يفعلون عادة مع كل من يرد اليهم من جثث لعتاة المجرمين والقتلة.. وفي التقرير الطبي والنفسي المكتوب عنها: أن غددها وهرموناتها الأنثوية يندر أن يضعها الله في امرأة.. ولو عاشت مئة سنة فإنها ستظل قادرة على أن تعبر عن حياتها الخاصة كامرأة.. أما خلايا المخ وهنا المفاجأة فهي لاتنم على ذكاء غير عادي.. بل يمكن القول أن ذكاءها كان أقل من المتوسط.. وهو أمر شائع بين فتيات الهوى.. سواء عملت لصالحها أو لصالح جهاز المخابرات. لم تعرف ابنتها الوحيدة (باندا) ما جرى لأمها حتى بلغت العشرين من عمرها.. لقد ظلت (باندا) في مدينة (جاوة) مع أبيها الأندونيسي.. وزوجته.. كانت (باندا) تجمع بين نضارة الزهور في هولندا.. وطن أمها.. وحيوية الشمس في أندونيسيا.. وطن أبيها.. فاستحقت أن توصف بزهرة الشمس. تزوجت (باندا) من موظف كبير في الحكومة الاندونيسية.. سرعان ما توفى بالحمى الاستوائية.. فكان أن انغمست في الحياة الاجتماعية والصالونات الأدبية.. وعندما احتل اليابانيون إندونيسيا وطردوا منها الهولنديين طلب منها ضابط في المخابرات اليابانية المعروفة باسم (الكمبتاي) أن تتعاون معهم مستغلة جمالها وصالونها الأدبي والفني.. وهددها بالقتل.. وبكشف حقيقة أمها على الملأ.. فاستسلمت له.. لكنها في الوقت نفسه قررت الانتقام منهم.. ووجدت في صديقها وحبيبها الكولونيل الشاب (عبدالله) شريكا لها في الانتقام من اليابانيين.. وكان الكولونيل (عبدالله) عضوا بارزا في منظمة سرية من منظمات مقاومة الاحتلال الياباني.. وقد أمدته (باندا) بأسرار حيوية عن تحركات وعمليات الجيش الياباني في أندونيسيا.. التقطتها من الضباط اليابانيين الكبار الذين كانوا يصفونها في الليل بأنها مثل ثمرة (جوز الهند) الشهية. ونجحت معلومات (باندا) في تجنيب الثوار العديد من الضربات الموجعة.. ونجحت في كشف عدد القوات اليابانية وأسلحتها وأماكنها مما مهد لهبوط الجنود البريطانيين في إندونيسيا.. في عام 1945.. وخرج المحتل الياباني.. وعاد المحتل الهولندي.. ووجدت (باندا) نفسها في مأزق.. فقد طلب منها الكولونيل (عبدالله) الاستمرار في التعاون مع منظمته السرية لطرد المحتل الهولندي أيضا.. فقالت له: هل نسيت أنني هولندية؟. فقال لها: وهل نسيت أنك إندونيسية؟ قالت له: لم أنس ما هو أهم وهو أنني أحبك. قال لها: الحب في وطن محتل هو حب ملوث بالأنفاس الغليظة.. والجلود السميكة.. والأحذية السوداء الثقيلة. قال لها: هذا وطني.. وأنا أحبك بدون تلوث. لكن.. عبدالله الإندونيسي بالنسبة لها كان مثل رودولف الألماني بالنسبة لأمها.. رغيف نصفه حب.. والنصف الآخر كراهية.. ورجل مستعد أن يبيعها تحت شعار الوطنية من أجل أن يحقق مجدا شخصيا.. وقد نشر عنها فيما بعد خطاباتها الغرامية اليه وفيها غضب شديد على تصرفاته.. وفيها تقول له: (إنك تستعمل جسدي في ذبح كرامتك.. كيف تقبل أن تتركني من رجل الى رجل.. ثم تقول لي: إنك تحبني.. إنك لاتحب إلا نفسك.. وأنت تقول: إن العري قضية وطنية.. ما هذا الوطن الذي يستهلك أجساد نسائه؟.. كيف يتحرر الوطن باحتلال فراشنا؟.. كيف يستقل بينما نحن في حالة عبودية؟.. ما الفرق أن نبيع عرقنا لنأكل ونبيع عرقنا لنحرر وطننا.. الشرف لايتوارى وراء الوحل.. وإلا أصبح وحلا.. والكرامة لا تختبئ وراء السفالة وإلا أصبحت مثلها.. إنني أكرهك بقدر ما أهواك.. وأحتقرك بقدر ما أحبك.. وأتمنى أن أقتلك مثلما أتمنى أن أموت). وتظاهرت (باندا) أمام الهولنديين بأن نصفها الأوروبي يحتقر نصفها الآسيوي.. واطمأن اليها الهولنديون.. ونجحت في تجنيد موظفا كبيرا في مكتب الحاكم العام الهولندي.. وراح يمدها بكل ما تريد.. وما يريده الثوار من معلومات.. ولكن.. ما حصلت عليه من معلومات لم تنقذ حبيبها الكولونيل (عبدالله) من الموت.. فقد قتل في معركة مع فرقة استطلاع هولندية.. أصيب بعشرين طلقة رصاص.. واخفت الدماء المتفجرة من القلب ملامح صورتها الفوتوغرافية التي كان يخفيها في صدره.. وشعرت (باندا) بالحزن.. وقاطعت الحياة.. وأعلنت الصيام عن الرجال.. وقررت أن تنسى أنها امرأة.. وأنها جاسوسة.. وأن البنت لأمها.. لكن.. ذلك لم يستمر طويلا.. فقد عادت الى ما كانت عليه.. غلبتها أنوثتها.. وصفاتها الوراثية.. وحب المال.. وشهوة السيطرة.. وجنون التوتر والمغامرة. واستخدمتها المخابرات المركزية الأمريكية في التجسس على ثورة (ماوتسي تونج) الشيوعية في الصين الشعبية.. إن الزعيم الذي سيطر على ثلث سكان العالم كان ضعيفا جدا تجاه المرأة والجنس.. لقد تحول الفلاح الفقير الى ثائر عنيد.. ثم تحول الى زعيم كبير.. وفي كل هذه الأحوال كان عاشقا مجهولا.. فكل غرامياته لم تكشف إلا بعد رحيله.. فكل الذين أرخوا لحياته أكدوا وأثبتوا أن زوجته (تشيانج تشينج) لم تكن المرأة الوحيدة في حياته.. وكل الذين أرخوا لحياته أكدوا أنه كان يفضل المرأة غير المستقيمة.. فحتى (تشيانج تشينج) بدأت حياتها عاهرة في مدينة (شوشان).. ويقال أن هذا النوع من النساء كان يغريه بكتابة الشعر.. وفي قصيدة نشرت بعد رحيله كتبها في (تشيانج تشينج) عندما رآها لأول مرة وكان عمره 45 سنة يقول: (ليس لدينا سوى الحلم وربما الوهم نقدمه لمن نحب.. ليس لدينا كلام جميل ولا مفردات ولا شفاه ولا شطيرة خبز ولا حفنة أرز.. ولا قميص من الصوف نلبسه في الشتاء.. إننا في الشتات.. نسافر ضد البلاد والقوانين والاستقرار والموت.. فنحن ثوار). تدربت (باندا) على أعمال الجاسوسية الحديثة لمدة 3 شهور.. ثم ظهرت في ثوب ممرضة في (شنغهاي).. ثم ساقية في بار.. ثم متطوعة في مقر الزعيم الصيني.. ثم عرفت طريقها الى قلبه.. وراحت ترسل الى الأمريكيين تقارير وافية عن الحركات الشيوعية في جنوب شرقي آسيا.. وكشفها الكوريون في شمال البلاد.. وضغطوا عليها لتعمل في خدمتهم السرية.. لكنها رفضت قائلة: (لم أعد أقدر.. لم أعد أستطيع). وفي يوم 24 مايو عام 1951 أعدمت فوق الثلوج في كوريا.. أعدمت مثل أمها رميا بالرصاص.. فوق الجليد الناصع البياض سال دمها الأحمر القاني.. فوق الجليد الأبيض سقطت زهرة الشمس الدافئة لتضيف الى أسطورة (ماتا هاري) أسطورة أخرى.. وبقيت رأس الأسطورة خالدة في متحف (التشريح) الى أن جاء من سرقه.. لكن سواء عاد الرأس أو لم يعد فإن الأسطورة لن تموت.. ولن تختفي. * كاتب وصحفي مصري