الرجال الذين كانوا عظاما, ليسوا فقط رجال الأساطير وملاحم القتال والمعارك والفاتحين والعلماء, هناك عظماء من الرجال لم يسمع بهم أحد, ولم تحفظ سيرهم وأسماؤهم في مجلدات وأفلام ومسلسلات تلفزيونية. ومنذ مدة من الزمن وأنا أبحث في كل مطبوعة عن تلك اللقاءات العابقة برائحة أصحابها الخارجين من تفاصيل وثنايا الأيام السالفة, أيام الفقر والترحال والاغتراب والغياب عن الأهل والديار بحثا عن لقمة العيش, وكم أجد في هذه اللقاءات اجابات مختصرة وعميقة لأسئلة كبيرة جدا. حكايات الرجال أصحاب الذكريات, ليست مجرد (سوالف) يحكيها أصحابها ويسجلها صحفي وتنشرها صحيفة أو مجلة, حكايات هؤلاء الأجداد أمانة وتاريخ وذاكرة شعب, والأمانة لابد من حفظها والتاريخ لابد من صيانته, والذاكرة أثمن ما تدونه الأمم وتحرص عليه, فذاكرة هؤلاء كحراس الحقول والمعابد والبوابات, ذاكرة هؤلاء الرجال هي الجندي والبندقية والرصاصة الحامية لثغورنا الثقافية المهددة في مجتمع الامارات والخليج عامة. ذاكرة أبي وجدّي - رحمهما الله - وذاكرة كل الذين رحلوا في الغياب الذي لا يعيد أحدا, أمانة وعلينا أن نحفظها ليس بغرض الزينة أو الفرجة, واثبات البطولة للآخرين, وملء المتاحف والأرفف, وإنما الغرض هو التحصن بهذه الذاكرة والتسلح بها, فأمامنا أجيال وعقول تتسلح بالرداءة والفراغ ولذلك فهي رديئة وفارغة, ونحن من أوصلهم لذلك, لاننا لم نقدم لهم البديل الصحيح, بل تركناهم لعراء العولمة وخوائها. عندما أتغلغل في نسيج الحياة التي عاشها أبي وجدي وكل الآباء والأجداد الذين شرّقوا وغرّبوا, وطافوا موانئ العالم المعروف لديهم في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات, وعندما ألمس حجم العذابات التي عانوها, والمواقف التي مروا بها, وكيف أكلت الغربة من قلوبهم وكيف رعت حياة العوز من أرواحهم, كيف رحلوا تاركين الزوجات والأمهات والأبناء مخلفين ألف علامة استفهام وحيرة, ثم لا رسالة ولا تواصل, بل حنين وجنون في قلب الأم والزوجة يصل حد طعم الخنجر في قاع جرح عميق. عندما أقترب من حكاياتهم أكثر تنتابني الغصة, وتهطل على رأسي آلاف الأسئلة. لماذا لا تتحول حكايات هؤلاء إلى مسلسلات متقنة وتقدم بحرفية عالية, ونصرف عليها الأموال, بدل أن نصرف الملايين لمسلسلات الفانتازيا والتاريخ الهلامي الذي لا ندري من أين يستخرجه أصحابه ليبتزوا به اداراتنا التلفزيونية فتمولهم فيما لا يغني ولا يسمن من جوع! ورمضان قادم وسترون حكايات هذه المسلسلات الفانتازية السخيفة تعيد نفسها. فما به تاريخنا وحكايات رجالنا لماذا لا تكتب وتحول إلى مسلسلات لرمضان وغير رمضان, فحكاية جدي وجدك وأبي وأبيك أهم لدي من حكايات ابن الوهاج وابن العنقاء و(هوانم جاردن سيتي) , نحن شبعنا من تاريخ الآخرين وحفظناه عن ظهر قلب, ولكن للأسف لا نعرف ولا يعرف أبناؤنا تاريخ وحكايات وبطولات أهلهم وأجدادهم. فسلام على الغائبين, وتحية لكل الذين ما زالوا بيننا, وعتاب لكل الفنانين وأهل التلفزيون!