المؤتمرات الدولية الاقتصادية التي تعقد هنا وهناك ـ واحيانا باشراف الامم المتحدة ـ تعطي انطباعا عاما بأن تحديات العولمة تواجه الجميع بلا استثناء, وذلك واقع لا يمكن انكاره لكن بلا شك فإن نسبة التحدي تختلف بين دولة واخرى طبقا لمقدرتها على التكيف مع الوضع العالمي الجديد, وما تملكه من ثروات وما حققته من انجازات, ومشاركة الدول النامية ـ الدول المتخلفة او النامية ـ في تلك المؤتمرات من باب الاطلاع, واحيانا الاعتقاد الوهمي بمواجهة العولمة, وهو ما لاحظناه في مؤتمر (دافوس) الاقتصادي مؤخرا, والذي نقل المشكلات من الصعيد المحلي الى الصعيد الدولي, علما بأن الدول الكبرى المشاركة كانت على علم بما تواجهه الدول الفقيرة. والقول بأن التكيف مع ظاهرة العولمة يتم بشكل نسبي, لا يعني عدم التأثر بما تحدثه هذه الاخيرة من تغيرات على صعيد التعامل الدولي, وقد باتت مرتبطة بمواقف سياسية, ومع انه لا يمكن نفي الموقف السياسي او الثقافي او الاجتماعي لها, الا انه نوع من التمويه لأن الامر يتعلق في البداية بالموقف الاقتصادي. فالدول الكبرى وبالذات الولايات المتحدة الامريكية لا تفرض نفسها على الدول الضعيفة بقوة الانتاج الثقافي ولكنها اثبتت وجودها وسيطرت على العالم بقوتها الاقتصادية بالدرجة الاولى, ولذلك فإن اي نقاش يحاول تجاوز المسألة الاقتصادية, يعمل على الذهاب بعيدا عن مواجهة المشكلات الحقيقية, والمتعلقة اساسا بما تواجهه المجتمعات من زيادة الفقراء, في مقابل زيادة الاغنياء في مناطق اخرى من العالم. مفاهيم ومصطلحات يلاحظ وجود مفردات مرتبطة بمفهوم العولمة, فمثلا هناك دعوة افريقيا لمواجهة العولمة من منطلق جغرافي, اي تكتل الدول الافريقية لمواجهة تحديات النظام الدولي الجديد, ويبدو ان هذه الفكرة نابعة اصلا من تجربة اوروبا التي لم تنته بعد, وهي محاولة للمحاكاة فاشلة لاعتبارات تتعلق بالطريقة التي سارت عليها اوروبا نفسها, ولذلك حين ترفع منظمة الوحدة الافريقية شعار مواجهة العولمة, وفي الوقت ذاته تعمل دولها منفردة على التعامل بشكل مباشر استفادة او خضوعا للدول الغربية, فإنها تقع في تناقض, يؤثر سلبا على حياة شعوبها, وينطبق هذا بدرجة او بأخرى على الدول العربية التي تتحدث الان على السبل الكفيلة للتعامل مع العولمة, من منطلق فردي او اقليمي ضيق لمواجهة تداعيات العولمة او التكيف معها مع انها عاجزة عن تحقيق اي تكتل فيما بينها على اي مستوى كان. ومحاولة ربط (العولمة) بمصطلحات اخرى لها مدلولاتها من الناحية السياسية والاقتصادية لا يخص الدول الافريقية او العربية فقط, ولكنه يشمل عددا من دول العالم في كل القارات, حيث تتوزع في كل قارة دول قليلة غنية, مع دول اخرى كثيرة فقيرة, ويزداد اتساع المفهوم السابق كلما اتجهت الاوضاع المحلية نحو التدويل. خصوصا بعد اشراف الامم المتحدة على كثير من المنظمات والمؤتمرات, منها مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية الذي عقد في تايلاند مؤخرا, حيث كانت فيه معالم العولمة واضحة من خلال المناقشات والموضوعات التي اثيرت فيه. وحتى لا تظل العولمة خطرا يهدد الدول المتخلفة او الضعيفة, فإن بعض المراقبين والمهتمين بفتح حوار واسع حول مجمل القضايا العالمية, يدعون صراحة الى مد جسور بين الدول الفقيرة والاخرى الغنية, ولكن هذه الدعوة ومثيلاتها تتعذر الاستجابة اليها في الوقت الراهن لأن كيفية التعامل واسسها لم تتحدد بعد, اذ يتم بين الحين والاخر ومنذ سنتين على الاقل الغاء اهتمامات الدول الفقيرة كلما تركز الاقتصاد العالمي حول اهتمامات الدول الكبرى, فمثلا العمليات الارهابية التي احدثت نوعا من الخلل في ميزانيات الدول الفقيرة وزادت في مديونيتها, واثرت سلبا على مستوى المعيشة لدى المواطنين, لم يتم الاهتمام بها بالقدر الذي هي عليه الان, الا عندما اصبحت ذات تأثير مباشر على مصالح الدول الكبرى, وهذا يعني تجزئة المشكلات الدولية, وفصلها عن بعضها, والنتيجة ان نظرة الشعوب في مختلف الدول ليست واحدة لمسألة (العولمة) . المصالح اولا واذا كان خبراء الاقتصاد يرون من الضروري مد الجسور من خلال مراجعة مسيرة التعاون الدولي, سواء الاموال التي يتم الحصول عليها من خلال القروض, او تلك التي تمنح ـ كهبة ـ لكن بشروط او مشاريع التنمية والاستثمار وهي في الغالب لصالح الدول الغنية, فإن هذا يمكن حدوثه, لكن سيظل طريقه بطيئا لأنه يعني ببساطة ان تتراجع الدول الغنية عن مصالحها, واذا حدث ذلك فلنا ان نتساءل: كيف يمكن ان تواصل تطوير اقتصادها وتواجدها في اكثر من مكان؟ اضافة الى ذلك فإن الامر لا يتعلق بسياسة الدول الرأسمالية, وانما بمصالح الشركات متعددة الجنسيات, حيث تتحرك الرساميل ذهابا وعودة دون قيود او شروط, وتساهم في احداث خلل سياسي في عدة دول بدخوله من عدة ابواب, ربما اكثرها وضوحا الان هي الديمقراطية وحقوق الانسان, لأنهما المدخل الاساسي لاقتصاد السوق الذي يساعد الان ـ رغم التنافس الظاهر بين الشركات ـ على استمرارية تواجد الشركات الكبرى في عدد من الدول الفقيرة. ان ظاهرة العولمة ـ والتي يطول الحديث حولها وتتخوف منها عدة اطراف من مواقع عملها ومن خلال مواقفها ـ ليست بالبساطة التي يتم تناولها الان من موقف ايديولوجي او سياسي, ولكنها تعبر عن المصالح بشكل علني حتى لو ادى ذلك الى التراجع في القرارات والقوانين الدولية او حتى لو اضطرت لالغاء التعاون المشترك. نرى ذلك جليا في تعامل اسبانيا وايضا الاتحاد الاوروبي مع المنتجات المغربية, مع ان الدعوة لا تزال قائمة لاقامة حوار بين دول جنوب المتوسط وشماله, او بين الاتحاد الاوروبي وافريقيا, او حتى في اطار التعاون بين شمال افريقيا والاتحاد الاوروبي. كل هذه الانواع من العلاقات تجاوزها الاتحاد الاوروبي, وخصوصا (اسبانيا) حين يتعلق الامر بالمنتجات المغربية, وقد سبق ذلك الخلاف حول اصطياد السمك في المياه المغربية. تجربة المغرب مع الاتحاد الاوروبي والتي يمكن ان تحل في المستقبل تعطينا الى اي مدى يمكن التراجع عن العلاقات المشتركة في التعاون حتى لو كانت مرتبطة باتفاقات سابقة, وهذا يدفعنا الى القول: ان لكل مجموعة نظرتها الخاصة لمسألة العولمة, وهي باختصار رسالة من الدول الغنية الى الدول الفقيرة مفادها ان الدفاع عن المصالح يتجاوز اساس المحيط واللغة الى متابعة مصادر الطاقة. لذا فإن المنتظر على الصعيد العربي حدوث تكتل ينظر فيه الى المصالح المشتركة كجامع, بغض النظر عن المواقف التي كانت تجمع الامة في السابق وربما يكون اجتماع البرلمان العرب في الجزائر مؤخرا, ودعوتهم الى متابعة انشاء السوق العربية المشتركة, خطوة تساعد اصحاب القرار بشكل مباشر على احداث تكتل في حده الادنى يؤدي الى نوع من التعامل المشترك. ويساعد على التفاوض مع المؤسسات والهيئات الدولية المانحة او التي تبدي استعدادها للاستثمار في المنطقة العربية. التجربة الخليجية ان التكتلات الاقليمية بالنسبة للدول العربية, لم تعد قائمة كما كانت في السابق باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي, التي تبدو انها احتاطت للعولمة وتداعياتها منذ سنوات, ويمكن اعتبارها تجربة عربية قابلة للتكرار, ولهذا يتم اللجوء اليها ليس من منطلق الغنى فقط لأنها مرت بتجربة كبيرة خلال العشر سنوات الماضية, ولكن لأن بعضها طور البدائل المنتظر تحقيق نتائجها بعد مرحلة (ما بعد النفط) . ولكن يبدو ان التجربة الخليجية من منظور العولمة لم تعد كافية لعدة اعتبارات, ما لم تدعم بتكتل عربي قوي تتحرك من خلاله الاموال والاشخاص بحركة عادية يكون لها تأثيرها الايجابي في المستقبل المنظور. وهكذا تبدو (العولمة) ضرورة للتحفيز والمراجعة في مسيرة التنمية داخل الدول الفقيرة. وعلى صعيد العلاقات المشتركة بينها وبين دول العالم, وتحدياتها لا يمكن مواجهتها الا بتطوير التعاون على الصعيد الاقليمي ثم الدولي بعد ذلك, ولكن حصل هذا التعاون فإن انعكاساتها ستظل قائمة, لأن لكل تطور على الصعيدين المحلي والدولي ضحاياه, ولا ينتظر ان يشمل التغير كل دول العالم, وانما سيمر بمراحل حين تصلها الدول الفقيرة او المتخلفة تجد الدول الغنية المسيطرة قد قطعت شوطا بعيدا, وتظل الهوة واسعة, وربما تكون لها نتائج ايضا داخل الدول الغنية, لكن في الوقت الراهن يظل مطلوبا انقاذ ما يمكن انقاذه من آدمية الانسان, في ظل تغيرات لم تعد تولي اهتماما لذلك البعد. كاتب وصحفي جزائري مقيم في مصر