لتكن ما تكون الانتقادات التي وجهت للقيادة الفلسطينية حول تفردها بالقضية, وابعاد الجانب العربي عنها, وإلغاء مشاركته او دوره فيها. ولتكن ماتكون درجة الصحة في هذه الاتهامات, او صحة الاتهامات المضادة حول مسئولية المؤسسة الرسمية العربية في دفع الفلسطينيين الى هذا الخيار, أو استدراجهم اليه, فليس هذا اوان الاختلاف حول تحديد مسئولية كل طرف عما وصلت اليه القضية الفلسطينية من مأزق, وايا كانت مسئولية هذا الطرف او ذاك, اكثر او اقل, فإن الصمت العربي الذي يصل حد اللامبالاة تجاه حشر الطرف الفلسطيني في كامب ديفيد, وتركه وحيدا يواجه مصيره, ومصير قضية تخص الامة بأسرها, غير مبرر وغير مقبول. لم يتوقف المسئولون العرب, واعلامهم لحظة واحدة عن اسماعنا اسطوانتهم القديمة بأن القدس هي قضية العرب والمسلمين, وحين جد الجد, وجاء اوان الحسم في قضية القدس وتحديد مصيرها حيث بلغ الصراع حولها ذروته الآن في مفاوضات كامب ديفيد وبعدها صمتت الألسن, ولم نسمع حتى اللحظة موقفا واحدا صريحا وواضحا, ولا عربيا ولا اسلاميا يعلن رفضه وعدم اعترافه بأية تسوية لا تضمن عودة القدس العربية بكاملها وكامل مقدساتها الاسلامية والمسيحية للسيادة العربية الفلسطينية. وحتى ما قيل عن اتصالات هاتفية جرت بين بعض المسئولين العرب والادارة الامريكية, او مع الرئيس الفلسطيني في كامب ديفيد, او ما نشر عن لقاءات عربية ـ عربية تمت او ستتم, لم يرشح عنها ما يوحي بأن هناك موقفا عربيا صلبا وموحدا ابلغ للرئيس الفلسيطيني لتعزيز موقفه, او ابلغ للادارة الامريكية لتضع الموقف العربي في الحسبان. هذا اذا لم يذهب بنا الظن السيىء الى الاعتقاد ان سقف هذه الاتصالات لا يتجاوز البحث عن موقف عربي موحد لتغطية وتبرير ما ستفرضه الادارة الامريكية من حلول, وتهيئة الاجواء العربية لقبولها. والا لماذا لا تعلن على الملأ نتائج هذه الاتصالات, وطبيعة المواقف التي جرى الاتفاق عليها لتعبئة الرأي العام العربي حولها, بحيث يطمئن الشارع العربي القلق, ويطمئن الشارع الفلسطيني, وينتفي شعوره بالوحدة, كما ينتفي شعور وفده بالعزلة؟! وما يثير الشك والقلق ايضا في طبيعة الموقف العربي هو ان ايا من مؤسساته الرسمية, لا على المستوى العربي ككل كالجامعة العربية, ولا على مستوى المناطق كمجلس التعاون الخليجي, او الاتحاد المغاربي, قد كلفت نفسها بالاجتماع لا على مستوى القمة ولا مستوى وزراء الخارجية, او حتى المندوبين, لمناقشة هذه القضية الخطيرة وتحديد موقف موحد منها. بل ان ايا منها لم يكلف نفسه عناء اصدار بيان. ذلك ان الجميع لا يريدون الالتزام بموقف يخشون ان يغضب سيدة العالم الحر (امريكا) ويثيرها عليهم فالرضا الامريكي له الاولوية حتى لو كان على حساب المقدسات وتاريخ العرب والمسلمين. واما سخط الجماهير العربية وتعبيراته فذلك مقدور عليه, او هو, للأسف لم يعد موجودا. ان قضايا كثيرة, اقل اهمية من قضية القدس, بل قد تبدو تافهة بالمقارنة معها, حظيت باهتمام هذه المؤسسات وعقدت لها الاجتماعات, او صدرت فيها بيانات, لكن القاسم المشترك بينها هو انها لم تكن من النوع الذي يثير الغضب الامريكي او يستنفزه كقضية القدس. وقد سهل غياب الموقف العربي غياب الموقف الاسلامي ايضا فقد خيم الصمت على هذا الموقف دولا ومؤسسات وحتى منظمة المؤتمر الاسلامي التي قيل فيها انها اقيمت للدفاع عن قضايا المسلمين, ويقبع مقرها على مقربة من بيت الله العتيق, ومسجده الحرام, ومرقد نبيه الكريم, غابت ايضا عن قضية القدس, وكأن الاقصى ليس ثالث الحرمين الشريفين ولا هو مسرى رسوله الامين. وهذا موقف يثير التساؤل, رغم ما يعرفه الجميع من تأثير الدولة العربية التي ترعى هذه المنظمة؟ ولم يكن غياب موقف منظمة المؤتمر الاسلامي عن قضية القدس هو الملحوظ. فقد غاب تقريبا صوت كل المؤسسات الاسلامية ودور الافتاء ووزارات الاوقاف في البلدان العربية. وكان الازهر الشريف منارة العلم, ومنطلق الجهاد ضد الغزاة عبر التاريخ ابرز الغائبين عن معركة القدس الجارية. ولم تحركه او تحرك غيره من هذه المؤسسات تلك الفتوى التي اصدرها مفتي القدس مطلقا صرخته للعرب والمسلمين. لكنها ذهبت في واد غير ذي زرع, وظلت الصوت الوحيد الذي انطلق في دنيا المسلمين. وعلى الجانب المسيحي العربي كان الصوت اكثر خفوتا فلم نسمع صوتا كنسيا او بطركيا عربيا افراديا او جماعيا يعلن رفضه لما يدبر للقدس من مؤامرات امريكية واسرائيلية. وظل موقف ذلك البابا الجليل ـ البابا شنودة ـ الذي حرم زيارة القدس على اتباع كنسيته القبطية طالما ظلت تحت الاحتلال الاسرائيلي, هو الصوت المسيحي العربي الابرز, وربما الاوحد الذي اعلن بكل وضوح رفضه الاعتراف لاسرائيل بأية سيادة على القدس. وحين ندين غياب الموقف الرسمي العربي, او نستنكر صمت المؤسسات الدينية فإننا لا نعفي الحركة الشعبية العربية بأحزابها وقواها السياسية ومنظماتها المهنية او نقاباتها الجماهيرية, من مسئولية الغياب والصمت اللذين يخيمان على موقفها. واذا لم تتحرك هذه القوى في قضية بحجم القدس واللاجئين فمتى تتحرك؟ وماذا يحركها؟ بل ربما شكلت هاتان القضيتان, والآن فرصة للحركة الجماهيرية العربية لاستعادة المبادرة التي افتقدتها. ففي هاتين القضيتين من الزخم ومن الرمزية التاريخية والدينية مايشكل اهم عناصر الاستقطاب الجماهيري لو رغبت الحركة السياسية والشعبية العربية او امتلكت القدرة على استثمارها وفيها ما يمكنها من الخروج من عزلتها, واستعادة جماهيريتها. هذا اذا لم تكن كل منها محكومة بمقاييس سلطانها او بأوامره, او لم تكن مستغرقة ايضا بالخلافات والاختلافات التي تمزق الصف الرسمي العربي, او لم تكن هي الاخرى اذعنت للارادة الامريكية وتحرص على عدم استفزازها. ولو امكن لهذه الحركة ان تخرج من قوقعتها واستطاعت ان تحرك الشارع العربي, لاحدثت التأثير المطلوب لا في موقف الحاكم العربي فحسب, وانما في الموقف الامريكي والاسرائيلي ولقلبت نتائج المفاوضات في كامب ديفيد وانعكاسات الفشل الذي وصلت اليه لصالح الموقف الوطني العربي الفلسطيني. اما اذا استمر موقفها الصامت, فهي تضع نفسها في صف الموقف الرسمي, ولن ينفعها في تمييز نفسها عنه اي تبرير او ادعاء, ولن يعفيها احد من مسئولية ما يجري للقدس, حتى لو القت باللوم على الفلسطينيين بحجة تفردهم بالقضية. فحين تسقط القدس, لن ينشغل الناس بالتفتيش عن المسئول فكلنا مسئولون عن ذلك, وليس بيننا بريء من دمها. كاتب فلسطيني