يستغل الدكتور الجمالي ثقافته النفسية الغنية في تحليل ظاهرة التخلف التي يشبهها بالمرض النفسي, مبينا ان المريض نفسيا, عندما ينجح في تعرف العوامل النفسية الكامنة في أعماق عقله الباطن اللاشعوري, واخراجها إلى حيز الشعور والوعي, فإنه يكون قد خطا الخطوة الأساسية نحو ابطال فاعلية هذه العوامل وشل تأثيرها. والوضع نفسه ينطبق على التخلف, فمتى استبانت أسبابه, بات من السهل مواجهته والتغلب عليه. لقد استطاعت دول كثيرة أن تتغلب عبر التاريخ على تخلفها, ومنها اليابان التي تمكنت خلال عقود قليلة من الانتقال من مرحلة التخلف إلى مرحلة الحضارة. ولكن العرب, وللأسف الشديد, ما زالوا يراوحون مكانهم ويغرقون في وحول التخلف متهمين الصهيونية والغرب بالمسئولية عن كل ما يحل بهم. ويلح الدكتور الجمالي في كتبه ومقالاته المختلفة, على ان السبب الأساسي للتخلف العربي هو النزعة الفردية المفرطة التي ربما تكون جزءا من المزاج العربي, كما الحال في برودة الدم عند الانجليز, والنرفزة الزائدة عند الفرنسيين. ولكن الفردية في رأيه تختلط عند الانسان العربي بنزعة متطرفة نحو المثالية, فمرة تنتصر هذه , ومرة أخرى تلك. وهنا يكمن الأمل. ويعزو المفكر جورج جرداق النزعة الفردية العربية إلى حياة الصحراء الأولى التي كان فيها العربي يتنقل منفردا من مكان إلى آخر. وهذا التفسير يبدو لنا ضعيفا, كما ان من غير المقبول أن نرجع هذه النزعة إلى أسباب وراثية, لان هذا يتناقض مع ما أحرزه العرب من انتصارات باهرة في غابر أيامهم وسالف أزمانهم. ومهما يكن من أمر, فإن من المؤكد ان النزعة الفردية تعد من أهم أسباب تخلفنا. فهي التي تجعل المرء ميالا إلى عدم الالتزام بالقوانين التي تحد من شهواته الخاصة, وهي أيضا التي تغري الحاكم بحجب الحرية عن شعبه حتى يتاح له التصرف وفقا لهواه ومبتغاه. وإذا حاولنا وصف علاج للنزعة الفردية, لابد لنا أن نشير إلى ان منشأها الأصلي هو الأنانية وحب الذات. وإذا كان من الصعب أو المستحيل استئصال هاتين الظاهرتين اللتين هما في الحقيقة ظاهرة واحدة, من أعماق الإنسان, فإن بالامكان السيطرة عليهما نسبيا. إن أي فرد, مهما كان دينه أو عرقه أو جنسيته, لابد أن يكون فريسة للأنانية المستوطنة في أعماقه وضحية لحب الذات المعشش في ثناياه, ولكن الفرق بين إنسان وآخر, يكمن في مدى مقاومة الأنانية أو الاستسلام لها, ومقدار التوفيق بينها وبين مصالح كل فرد ومستلزمات الواجب. ولا شك ان للصحافة والتربية, دورا بارزا في هذا المجال, إذ ان على عاتقهما تقع مهمة توعية الإنسان وتنويره بشأن النتائج المترتبة على اهمال المصلحة العامة واللهاث وراء المنافع الشخصية, بدافع الأنانية, وبالتالي اقناعه بأن الغيرية والجماعية تقودان ليس إلى خدمة مصالح الوطن فحسب, وإنما إلى تلبية مصالح كل فرد على حدة أيضا. فازدهار الوطن هو في مصلحة كل مواطن, كما ان انحداره يؤدي إلى المس والاضرار بمصلحة الفرد. ولا يفوتنا أن نشير إلى ان الظروف السائدة كثيرا ما تؤدي دورها في تكييف النزعة الفردية. فقد كانت هذه النزعة موجودة عند العرب في الماضي, كما هي قائمة في الحاضر. ومع ذلك, فقد استطاعوا أن يحققوا انتصارات مذهلة. أما اليوم, فهم عاجزون عن احراز أي تقدم معقول. وهذا يشير إلى ان الظروف السابقة في ماضي العربي التليد, كانت تساعد على اضعاف النزعة الفردية وتدعيم النزعة المثالية عند الإنسان العربي, في حين ان الظروف الحالية التي يسهم أعداء العرب في حياكة خيوطها, تهيئ لتضخيم الفردية واضمحلال المثالية. فمثلا, إن غياب حرية التعبير في الوطن العربي تؤدي إلى تقليص دور الصحافة والتربية في إنماء الروح الغيرية والمثالية والجماعية عند الفرد العربي, مما يفسح المجال أمام الأنانية, كي تنشب أظفارها, وتجعل كل شخص يفتش عن مصلحته الخاصة فحسب, دون مصالح الوطن والأمة. وبعد, فإني هنا لا أزعم القدرة على قول الكلمة الفصل في مشكلة التخلف العربي, لأن هذه المشكلة غاية في العمق والتعقيد والتشابك. ولكن من المؤكد ان محاربة النزعة الفردية والطبيعة الانفعالية, وكذلك انماء العقل العلمي وتدعيم عادة القراءة عند الإنسان العربي سوف تؤدي جميعها إلى نسف أهم أركان التخلف العربي. ولا شك ان الصحافة والتربية, هما من أهم الأدوات التي تستطيع القيام بهذه المهمة, كما أسلفنا. لذلك لابد من وضعهما في أيد أمينة, حتى يحققها أهدافهما. ونحن نتفق مع الدكتور حافظ الجمالي الذي يرى في كتابه (بين الحضارة والتخلف) ان خير وسيلة للقضاء على التخلف, تتمثل بالانتقال من الانغلاق إلى الانفتاح, ومن الذاتية إلى الموضوعية, ومن السطحية إلى العمق, ومن الانفعالية إلى العقلانية. كاتب سوري