عند الحديث عن القضايا العامة الكبرى, خاصة تلك التي يتم طرحها على المستوى الدولي العام, مثل قضية حقوق الإنسان التي تكاد تكون قضية الساعة وكل ساعة, حتى أصبحت نوعا من السلاح المسلط على رقاب الدول الصغيرة, أقول عند الحديث عن تلك القضايا على المتحدث أن يثبت أولا أنه القوة الأخلاقية التي تمكنه من الحديث بقوة لأنه يتحدث بمساندة تلك القوة الأخلاقية. أيضا أن يثبت أنه مؤمن بتلك القضايا, ويتعامل معها بحياد تام, وعلى استعداد للدفاع عنها دون تمييز بين الدول ذات السلطة السياسية الدولية والقوة الباطشة التي تجعلها في المركز من السلطة الدولية, وبين الدول التي تعيش على هامش هذا المركز, لأن تلك القضايا العامة لا بد أن يكون الجميع أمامها سواء. هذا بالطبع مجرد قول نظري, لأن الواقع العملي غير ذلك, بل الواقع يكاد يحكم على النظري بالعبثية, تماما كما في حياتنا الخاصة في ظل سلطة بعض أفراد الأسرة لمجرد أنهم يتمتعون بسطوة معنوية كالأب أو الأخ الأكبر, أو بالسطوة المادية للأخ الثري في مواجهة اخوته الفقراء. أيضا في الحياة العامة على المستوى الاجتماعي الضيق, كما في كل حي أو قرية عبيط, هناك أيضا (الفتوة) الذي يدعي أنه حامى حمى القرية أو الحي, والواقع يقول انه لصه الأول, وهاتك حرماته. الحياة السياسية الدولية تكشف كل يوم, أنه لا فارق بين هذه الممارسة في الأسر التي يتسلط بعض أفرادها على بعض, أو سطوة الفتوة, وبين سلطة الدول الكبرى التي تملك سطوة القوة العسكرية أو الاقتصادية التي تجعلها مركز القرار, وتمكنها بالتالي من التعامل مع الهامش, بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الفتوة مع عبيط الحي أو القرية, رغم أنه يمكن أن يكون العبيط هو فيلسوف الحياة, لأن الحياة كما تعلمنا من التجارب العملية, كثيرا ما تكون ظالمة تمنح السلطة للقوة الباطشة, وقليلا ما تمنح العقل فرصة للتعبير. ظل العالم كله لأكثر من نصف قرن ضحايا لشعارات ترفعها الدول الكبرى, وتعلن من خلالها أنها الدرع التي تحمي القضايا المكتوبة على تلك الشعارات, وتتهم الآخرين علنا بخرق قوانين سامية كحقوق الإنسان, فيما تخرق هي تلك القوانين سرا, وتستخدم أقذر الوسائل لتحقيق ما تريد, بل كثيرا ما كانت الشعارات مجرد سحابات من الدخان تخفي ما يتم التخطيط له وتنفيذه تحت هذا الستار. وعندما نكتشف الحقائق يكون من العبث محاولة الاحتجاج لتغيير الواقع, لأن ما حدث قد حدث, إضافة إلى أن تلك القوى الكبرى كما تملك القوة الباطشة لإسكات من يتوهم القدرة على الاحتجاج, تملك أيضا القوة الإعلامية التي تخفي ما يبرز من تحت جبل الجليد من ممارسات تلك القوى ضد البشرية. أقول هذا الكلام بمناسبة ما تم الكشف عنه قبل أيام من تواطؤ بين الحكومتين البريطانية والأمريكية ضد شعب صغير لا يزيد تعداده على 1500 مواطن من سكان جزيرة دييجو جارثيا وأصحابها الأصليين, تم تجريدهم من أرضهم وتاريخهم وممتلكاتهم مقابل حفنة من المال, قبلتها القوة الاستعمارية العظمى عندما كانت تخفت شمسها, كرشوة من قوة استعمارية جديدة كان يبزغ فجرها. كشفت تقارير سرية متبادلة بين وزير خارجية بريطانيا في الستينيات مايكل ستيورات ورئيس وزراء بلاده الشهير هارولد ويلسون, أن الحكومة البريطانية التي كانت تتخبط في آخر خطواتها الاستعمارية, قبلت رشوة أمريكية قدرها خمسة ملايين جنية إسترليني مقابل خداع سكان جزيرة (شاجوس) , إحدى مجموعة الجزر المعروفة حاليا باسم جزر (دييجو جارثيا) الواقعة بالمحيط الهندي, حتى يمكن للولايات المتحدة أن تستخدمها كحاملة طائرات ثابتة تنفذ منها خططها العسكرية للسيطرة على منابع البترول في الخليج العربي, وتهدد الحدود الجنوبية للاتحاد السوفييتي السابق خلال الحرب الباردة, والتي كانت سلاحها الفعال ضد العراق خلال الأزمة الكويتية. المشكلة ليست في أن تقبل (حكومة صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا العظمى) رشوة صغيرة مثل هذه (!؟), أو أن دولة مثل الولايات المتحدة تدفع رشوة لتحصل على جزيرة في المحيط الهندي, بل المشكلة تكمن في أن كلا من بريطانيا العظمى والولايات المتحدة تآمرتا على سكان الجزيرة, وقررتا المشاركة في خدعة كبرى للقضاء عليهم بتصفيتهم جسديا, مستغلتين سطوتهما كقوتين استعماريتين, أمام بضع مئات من العزل الذين لا يملكون سوى قوة ارتباطهم بأرضهم التي توارثوها أبا عن جد, وجاء الاستعمار ليجردهم من أعز ما يملكون. تقول الوثائق التي كانت سرية, والسرية هي سلاح المتآمرين- ان حكومة لندن قبلت الرشوة الأمريكية لتتنازل لها عن (دييجو جارثيا) لتقيم فيها الولايات المتحدة قاعدة عسكرية متقدمة في الشرق, لاحظ أن من لا يملك باع لمن لا يستحق, تحت شعارات الحرية وحق الإنسان في تقرير مصيره. لم تكن المشكلة فقط في تنازل من لا يملك لمن لا يستحق قانونا, بل أن القوتين الاستعماريتين بكل ما تملكان من قوة وسطوة وبطش قررتا معا التآمر ضد الضعفاء الفقراء أصحاب الحق, لتنظيف الجزيرة من سكانها الأصليين بلا (تكاليف كبيرة) , أي مجانا وبلا تعويض. نفذ الخطوة موظفو المستعمرة البريطانيون بالدقة (الإنجليزية المعروفة وبرودها) , من خلال مجموعة من الأطباء والممرضين المدربين على (تصفية الآخر) و (العنصرية) ضد كل من ليس أوروبيا, أي بعملية (خصي) كما لو كان أمرا يتعلق بعصر العبيد, على الرغم من أن هذه العملية تمت عام ,1966 أي في الوقت الذي كانت فيه بريطانيا والولايات المتحدة ترفعان راية حقوق الانسان, وتطالبان بالتحرر وإنهاء عصر العبيد. حتى يمكن الإسراع في عملية (تنظيف الجزيرة من سكانها) منعوا وصول سفن التموين إليها لإجبار من تبقى من عملية (الخصي) على مغادرتها بحثا عن لقمة تسد الرمق, ومن يغادر منهم الجزيرة إلى الجزر الأخرى بحثا عن الزاد يحرمون عليه العودة إلى أرضه, كل هذا من أجل (تنظيف) الطريق أمام الولايات المتحدة لمد ذراعها العسكرية نحو ابعد ما يمكن, فبترول العرب على مرمى حجر من الجزيرة, وأيضا على مرمى حجر من الاتحاد السوفييتي, الذي كان يمثل آنذاك القوة الوحيدة التي تستطيع إقامة (توازن الرعب) مع العنجهية الأمريكية. الأمر المأساوي أن القوتين الاستعماريتين لم تكتفيا بخداع السكان البدائيين, بل قررتا معا خداع العالم كله متمثلا في الأمم المتحدة, فقد تم نقل السلطة المركزية للمستعمرة إلى جزيرة موريشيوس, من خلال إعلان وهمي يقضي بتوحيد الأراضي البريطانية بالمحيط الهندي, ليتلو ذلك تقديم وثائق مزيفة للأمم المتحدة تثبت انه لا يوجد أحد على جزيرة (دييجو جارثيا) يملك حق الملكية, أو يملك حق تقرير المصير, وهو الشرط الذي كانت تضعه لجنة (تصفية الاستعمار) لمنح سكان المستعمرات هذا الحق, أي تم إلغاء تاريخ سكان الجزيرة الذي يعود إلى زمن يسبق تاريخ الولايات المتحدة نفسه بجرة قلم. الكذب والخداع كانا واضحين, ولكن بما أن المخادعين هما بريطانيا العظمى والولايات المتحدة فلا أحد في لجان الأمم المتحدة يمكنه أن يشكك في أية وثائق عليها توقيع البلدين, ولا شك أن الخدعة كانت معروفة ومكشوفة في الأمم المتحدة, لكن من الذي يجرؤ على قول عكس ما تقوله أوراق عليها أختام (قوى عظمى) مثل بريطانيا وأمريكا. تم الخداع تحت شعارات المساواة وحق البشر في تقرير مصيرهم, هذه ليست مشكلة بالنسبة للولايات المتحدة وبريطانيا, لأن الخداع لا يزال مستمرا, وما يجري الآن مع الفلسطينيين في (كامب ديفيد) ليس سوى حلقة جديدة للخداع, ولكن المشكلة ليس أن هذا الخداع والتزييف يتمان تحت شعارات حق الإنسان في تقرير مصيره, وحقه في الحفاظ على ميراثه. بل المأساة الأكبر أن تقوم الدولتان بدعم قضايا لا أساس لها, وليس هناك من وثائق تؤيدها سوى الوثائق المصطنعة والمزيفة التي تتجاهل حقائق التاريخ, مثل قضايا تعويض اليهود من (اضطهاد نازي مفترض) لأن لليهود شركاء في هذا الاضطهاد, والعودة إلى الوثائق التاريخية الحقيقية تؤكد أن اليهود كانوا بعضا منمَن وقع عليهم هذا الاضطهاد, وليسوا وحدهم من يستحق التعويض, فيما ترفض الدولتان حتى مجرد الاعتراف بحقوق تاريخية ثابتة لأن أصحابها لا تملكون قوة إعلامية مؤثرة كما يملك اليهود, وليس في أيديهم من قوة سوى (قوة الحق) , وقوة الحق في هذا الزمان المزيف لا تغني ولا تسمن من جوع, أي لا قيمة لها. كاتب مصري مقيم في اسبانيا.