عندما نشتكي, فنحن لا نفعل سوى الافراج عن شيء قليل من انسانية الضعف التي نغالبها بحجة الكبرياء, والكبر!! فالكبار ـ كما علمونا ـ لا يشتكون, كما ان الشكوى لغير الله مذلة, وأظن ان كثيرين يسقطون ضحايا الفهم الخاطئ لهذه المقولة. ولنا قدرة على الاحتمال, وللصبر حدود, ولكن حينما نصل إلى تخوم الصبر ونقفز فوق حواجزه الشائكة, فإن أرواحنا تدمى قبل أيدينا, ونكاد نسمع وقع دقات قلوبنا فلماذا نحتمل إلى هذه الدرجة؟ أهي الرغبة في اكتشاف القدرة, واستكناه فضاءاتها, أم هو الاستمتاع بلذة بلوغنا سلم التسامي على الظروف وأكوام الاحباطات؟ لقد جلس أمامي لا يفعل شيئاً سوى معاناة القبض على آخر الأسلاك الشائكة عند تخوم الصبر, جلس يتألم, وقلت في نفسي: لماذا نستعذب الألم؟ أقال أحد بأن ذلك مدعاة للدخول إلى الجنة؟ سألت فقالوا لي بأن هناك قولا في العشق يحض على احتمال الصبر: (من أحب فكتم فمات فهو شهيد) , قلت: وهل أصبحت غاية الحب ان يموت العاشق شهيدا؟ إذن فالأولى ان يقدم نفسه نذوراً مقدساً لقضية, لوطن, في مواجهة أعداء حقيقيين يقاتلهم وجها لوجه, حتى إذا أمعن في غياب الموت, لم يمت لأن الشهداء لا يموتون, (بل أحياء عن ربهم يرزقون) , أما من يتعلق بالحب, فإنما يلتقط الحياة من نسائم من يحب, ويشد قلبه على وتر الرؤية واللقاء والقرب بمن يحب طلباً للحياة, صحيح انه يتحول إلى ما يشبه القوس المشدود, لكنه يظل دائما في انتظار رحمة الحنان من قلب دافئ يحبه. عندما جلس, ظل صامتا زمنا حسبته دهرا, ولا أدري كم حسبه هو, لكنه قال في النهاية اعترافه الخطير, قال إنه أحبها, وحدها دون العالمين, وبأنها كانت بحجم الفضاء حتى عندما تكون الدنيا في حجم ثقب الابرة, لا يهمه, فقد كانت مبعث فرحه, كانت جمال دنياه, كانت كل دنياه, كانت الزمن وبقعة الأرض الوحيدة التي تباهى كثيرا بأنه هو من اكتشفها, وظن انها أصبحت ملكه.. كان ينظر إليها على أنها المدينة بكل بحارها وبيوتها ودكاكينها, ومقاهيها وشمسها وطرقاتها, وظل يقول حتى قال في النهاية: لكنها رحلت مخلّفة وراءها الصحراء والعذاب, ثم صمت ومضى. هل يطيق انسان كل هذا الجوى والشجن في داخل نفسه دون ان يخرج منه شيئاً.. انه يعبر جسر انسانيته إلى ضفة روحه الهادئة.. إنه لا يذل نفسه, بل يرتقي بها, فعندما ننفض شيئا من ألم قلوبنا, فإننا لانترك أنفسنا.. لكن بشرط ألا نفعل ذلك في مهرجان استعراضي نستعذب فيه نظرات الرأفة وعبارات العطف, فألم الدنيا.. مرضاً كان أو عشقاً أو عُسراً, أو غدر زمان وأصحاب, لا يجب ان يكشف عليه كل الناس, هناك طبيب واحد, صديق واحد.. حبيب واحد نأتمنه كثيرا حينما تخرج أرواحنا أمامه ونطلعه عليها بكل الثقة وبكل العنفوان.