لعلنا نستطيع ان نكشف جميع المشكلات التي تجثم على كاهل الامة العربية اليوم, ونختزلها بمشكلة واحدة هي التخلف. فنحن نعاني من تخلف علمي وثقافي واجتماعي وسياسي واقتصادي واخلاقي, ونرزح تحت وطأة نتائجه المقيتة, حتى اصبح السؤال التقليدي الدارج على ألسنة الناس في كل ارض عربية: لماذا كتب على هذه الامة ان تنوء بكل هذه الاوزار التي تقصم اصلب الظهور وتؤود اعتى الجبال؟ وهل من سبيل لكسر طوق التخلف الذي لقد انبرى الكتاب في كل ارض عربية لتلمس اسباب هذه المشكلة ومحاولة رسم طرق حلها, ولكن دون جدوى. فما زالت محنة التخلف ماثلة وقائمة على الرغم من جميع نواقيس الخطر التي تدق اجراسها صباحا ومساء للتحذير من جسامة المشكلة. وفي الحقيقة, فإن ما نحتاجه اليوم, ليس حل هذه القضية او تلك, او تسوية هذا الاشكال او ذاك وانما التصدي للقاسم المشترك المسئول عن جميع مآسينا, ونعني به التخلف. فإذا قيضت لنا القدرة على مواجهته ومحاصرته واجتثاث جذوره ومن ثم تغيير بنية مجتمعنا وخلق انسان جديد اكثر وعيا وعلما واخلاقا وثقافة فإن الابواب المغلقة سوف تفتح امامنا لدخول الالفية الثالثة بكل ما تستلزمه من متطلبات عصرية وحضارية. ولكن معالجة مشكلة التخلف امر بالغ الصعوبة, لانه يرتبط بصميم شخصية الانسان العربي. ولابد لنا قبل كل شيء من الرجوع الى آرء المفكرين العرب في هذا المجال والاستئناس بها, ومن ثم تبين اصلحها وأفضلها. ومن الذين اولوا هذه المشكلة اهتماما فريدا, المفكر العربي الدكتور حافظ الجمالي الذي يحاول في كثير من كتاباته ان يسبر اغوارها ويكشف مطاويها ويشخص العلاج لها. وفي كتابه: (بين التخلف والحضارة) وقبل ذلك كتابه (حول المستقبل العربي) يبين الرجل, ان غيرنا من الاقطار التي تملك اقل بكثير مما يتوافر لنا من الموارد والامكانات, قد استطاعت ان تحقق اكثر بكثير مما حققنا وهو يرفض المقولة التقليدية الدارجة التي تعد الاستعمار القديم المسئول الوحيد عن تردي اوضاعنا لأن هذا الاستعمار هو اساسا نتيجة تخلفنا وليس سببه الاصلي. وبدلا من ذلك فإنه يعزو السبب الى الشخصية العربية التي تنخر فيها النزعة الفردية, اكثر من التدخل الخارجي. وبذلك فإنه يتفق جزئيا مع المفكر الدكتور قسطنطين زريق الذي يرجع علة التخلف الى انغلاق الشخصية العربية, وميلها الى الانفعالية والعاطفية والخرافية, بدلا من العقلانية كما يعد الغزوات الخارجية مسئولة ايضا عنها ولكن الى حد ما ويظهر هذا الرأي في كتابيه (معنى النكبة) و(اي غد) . اما ابن خلدون, فيرى ان افتقار الانسان العربي الى العقل العلمي وروح التخطيط هو من اسباب تخلفه. ولكن ابن المقفع والكواكبي يرجعان عوامل انحطاط العرب في الفترات السابقة من التاريخ الى فقدان النواظم والقوانين الثابتة, والى استبعاد اهل المشورة وتقريب اهل الزلفى الى السلطة ويرجع محمد عبده التخلف العربي الى التعصب المذهبي والتقليد الاعمى. وهذا الرأي ينسجم مع ما يراه (رينان) و(لوبون) اللذان يعتقدان ان طبيعة الفهم الذي كان سائدا في زمن الانحطاط العربي هو سبب ذلك الانحطاط. وهناك بعض المستشرقين المتحيزين الذين يعزون التخلف العربي الى اسباب عرقية, وهم يسوقون امثلة على ذلك عباقرة العرب, من امثال ابن سينا والغزالي والفارابي الذين لم يكونوا حسب زعمهم من اصل عربي. ويرد الدكتور الجمالي في كتابه (بين التخلف والحضارة) على هذا الزعم, مبينا ان ابن رشد وابن طفيل وابن خلدون وابن الهيثم والكندي الذين برعوا وضربوا بأسهم وفيرة في ميادين متعددة, وشهد لهم العالم كله بطول الباع العلمي, وعلو الكعب المعرفي, كانوا من اصل عربي كما يرد ايضا بأن علم النفس التطبيقي قد اثبت عدم وجود اختلاف ذي بال في الذكاء بين شعب وشعب آخر. وهذا يعني في رأيه, ان من غير الممكن تصنيف الامم في مراتب, من حيث الذكاء فنقول ان هذه امة ذكية, وتلك غير ذكية او اقل ذكاء. * كاتب سوري