اعادت قمة بكين الاخيرة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني جيانج زيمين الى الاذهان اجواء الحرب الباردة في العلاقات الدولية, اذ اختتمت القمة بتحذير روسي ـ صيني للولايات المتحدة من عواقب امنية وخيمة اذا مضت قدما في خططها لاقامة نظام دفاعي جديد مضاد للصواريخ, بل ذهب البلدان الى اعتبار ان المضي في النظام الصاروخي المذكور لايهدد الامن القومي الروسي ـ الصيني فحسب بل امن الولايات المتحدة الصاروخي المذكور الذي يكلف نحو 60 مليار دولار. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل ستشكل الرغبة الامريكية في الانفراد بقيادة العالم ارضية موضوعية لقيام تحالف روسي ـ صيني يكون مدخلا لبناء عالم متعدد الاقطاب الى جانب اليابان والاتحاد الاوروبي؟ لا شك في ان اي خطوة جديدة تتخذها الولايات المتحدة في مجال فرض سيطرتها على العالم ستدفع بالصين وروسيا الى البحث عن علاقة شراكة استراتيجية, قد تتطور الى مستوى التحالف لمنع اقامة عالم احادي القطبية, دون ان يعني هذا التحالف بالضرورة الاصطدام العسكري مع واشنطن. وقد عبر الرئيس الصيني جيانج زيمين عن هذا الموقف بشكل دقيق حينما اكد (ان محور بكين ـ موسكو الآخذ في التطور هو نوع من العلاقة التعاونية لكنها (العلاقة) لا تشكل حلفا ينطوي على الطبيعة التصادمية, وهي لا تستهدف دولة ثالثة. وعلى غراره اكد فلاديمير بوتين اهمية الحفاظ على الشراكة الاستراتيجية الروسية ـ الصينية وضرورة تطويرها في شتى الاتجاهات. اي ان هذه الشراكة لاتأتي ردا على محاولة الولايات المتحدة اطباق سيطرتها على العالم فحسب, بل تكشف عن سياسة براجماتية هدفها اعادة الارضية الموضوعية للعلاقات الحميمة بين البلدين عند تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 انطلاقا من ان كل بلد بات يحقق للآخر مجموعة من التطلعات الاقتصادية والسياسية فضلا عن تقاسم الهموم الامنية في آسيا حيث تقتضي كل هذه المسائل والاحداثيات التعاون الكامل في مجالات السياسة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والشئون العسكرية والدولية. البعد الامريكي المقصود بالبعد الامريكي عزم الولايات المتحدة على اقامة النظام الصاروخي المضاد للصواريخ النقطة الساخنة لدفع العلاقة بين بكين وموسكو الى التعاون المفتوح في المجال العسكري وانهاء مرحلة القطيعة في مجال اسرار السلاح النووي. اذ ترى موسكو وبكين ان النظام الامريكي المذكور سيؤدي الى احداث خلل استراتيجي عالمي يهدد بنسف العلاقات الدولية وبتنامي النزعات الانعزالية في العلاقات الدولية. وتعتقد موسكو ان هذا النظام يشكل انتهاكا للمعاهدة الامريكية السوفييتية للدفاع المضاد للصواريخ (اي.بي.ام) الموقعة في عام 1972 وفي الوقت نفسه يهدد الجهود الروسية ـ الامريكية الحالية حول معاهدة نزع السلاح الاستراتيجي (ستارت ـ 3) التي تنص على خفض الصواريخ النووية بمعدل 1500 لكل منهما, فيما تعتقد بكين ان الولايات المتحدة تهدف من وراء نظامها الصاروخي المضاد الى ادخال مناطق من آسيا والمحيط الهادي في استراتيجيتها الامنية من خلال ادخال تايوان بشكل من الاشكال في النظام المذكور, الامر الذي تعده الصين تدخلا في شئونها الداخلية ومساسا بمبدأ الصين الواحدة, ويتخوف البلدان من ان يعطل المشروع الصاروخي الامريكي قوتهما للردع النووي وان يؤدي الى اطلاق سباق جديد للتسلح تصعب السيطرة عليه, فضلا عن حساسية البلدين من الاصرار الامريكي على توسيع الحلف الاطلسي شرقا وبما يتيح للولايات المتحدة الاستحواذ على مواقع على الارض قريبة من حدود البلدين. وانطلاقا من رؤية الاهداف الامريكية هذه والمخاطر المترتبة على امنهما وسياساتهما, وعلى الاستقرار العالمي فإن موسكو وبكين تعملان على تعزيز تحالفهما الاستراتيجي ودعم هذا التحالف بعناصر التعاون العسكري في شتى مجالات الاسلحة, ومثل هذا الامر بات ممكنا اكثر فاكثر في ظل زوال الخلافات الايديولوجية بين البلدين. تقاسم الهموم اذا كانت المشكلات الحدودية بين الاتحاد السوفييتي السابق والصين شكلت اهم اسباب نشوب الحرب التي جرت بينهما عام 1969 وانتهت بهزيمة قاسية للصين, فان التطلعات القومية والدينية للشعوب الموجودة على طرفي الحدود تشكل حاليا القاسم الامني المشترك للبلدين, وقد احتل هذا الموضوع اهتماما كبيرا في محادثات الرئيسين بوتين وزيمين, اذ اكد اعلان بكين المشترك على (ضرورة توفير الامن والاستقرار الاقليميين) وذلك من خلال الحد من (النزعات القومية والانفصالية والتطرف الديني وحركة الاجرام التي تتخطى الحدود) حيث تعمل موسكو وبكين من اجل منع تفاقم الاوضاع الامنية في الشيشان وكسينجيانج التي تسكنها اكثرية من الاويجور المسلمين المطالبين بالاستقلال عن الصين. ويتفق البلدان على ان تطور النزعة القومية والدينية للشعوب الاسلامية في هذه الاقاليم والجمهوريات الحدودية تنذر بسلسلة مترابطة من المطالب والحقوق والاحداث التي قد لا تنتهي عند حد معين, بل تنذر بتفكك البلدين الى مجموعة من الجمهوريات على اسس عرقية وقومية ودينية, وعليه فان الصين تدعم روسيا في سياستها الحديدية في الشيشان فيما تدعم الاخيرة السياسة الصينية في اقليم كسينجيانج تحت ستار الشأن الداخلي والحفاظ على الوحدة ومجابهة التحديات الاقليمية, وتنطوي هذه السياسة على التعاون في مجال تبادل المعلومات والخبرات والتنسيق في المسائل الامنية على جانبي الحدود, وانتهاء بدعم كل طرف لسياسة الاخر على المستوى الرسمي في المحافل الدولية. التعاون الثنائي في ظل اتفاق البلدين على مجابهة الهيمنة الامريكية وتقاسم الهموم الامنية الاسيوية, فان كل طرف يحرص على الاستفادة من الآخر في قضايا التعاون الثنائي وخصوصا على الصعيد العسكري والتجاري والطاقة, حيث تعد الصين مستوردا رئيسيا للنفط والغاز الطبيعي والاسلحة الروسية بينما ترغب روسيا في ان تتاح لها فرص افضل للدخول الى السوق الصيني القوي الذي يبلغ حجمه مليارات الدولارات مع العلم ان حجم التجارة السنوية بين البلدين لايزيد على ستة مليارات دولار بالرغم من انهما تعهدا في العام الماضي بالوصول الى عشرين مليار دولار خلال العام الحالي. وتحتل قضية التعاون في المسائل العسكرية والتقنية اهمية خاصة بالنسبة للصين اذا سجلت ارقام مبيعات السلاح الروسي المتطور للصين واحجامها وانواعها تطورا ملحوظا وتشمل هذه الاسلحة صواريخ اس ـ 300 المضادة للطائرات والصواريخ, وغواصات متطورة من طراز (كيلو) وقاذفات مقاتلة من طراز (سوخوي 27) فضلا عن ترخيص صنع طائرات من الطراز نفسه, في وقت بلغ فيه عدد افراد الجيش الصيني حوالي ثلاثة ملايين فرد مزودين بتسعة الاف دبابة وترسانة كبيرة من الصواريخ التكتيكية والبالستية والعابرة للقارات وتركز القيادة الصينية حاليا على بناء اسطول بحري للمياه العميقة, اذ وصل عدد قطع الاسطول الصيني, حسب دراسة للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن الى حوالي 1200 سفينة تضم:63 غواصة و 18 مدمرة واكثر من 700 زورق صاروخي و 119 كاسحة الغام و 73 سفينة انزال برية وعشرات سفن الدعم والتموين, وهناك خطط صينية لبناء حاملة طائرات وزيادة عدد غواصاتها المزودة بصواريخ نووية عابرة للقارات, اما سلاح الجو الصيني فيضم اكثر من ثلاثة الاف مقاتلة وقاذفة من مختلف الاجيال. وتعمل المصانع الصينية على تطوير قدرة قواتها في الحرب الالكترونية ووسائل الاتصال, حيث اطلقت بكين عددا من الاقمار الصناعية لاغراض التجسس والاتصال والسيطرة والمعلوماتية التي تشكل اليوم عصب الجيوش الحديثة. ولعل اهمية تطوير التعاون العسكري بين بكين وموسكو تنبثق من الترسانة العسكرية الصينية الضخمة التي ينبغي لها لا ان تبقي الصين في موقع قطب دولي, بل نقلها الى موقع عرش الدولة الكبرى خلال العقود القليلة المقبلة في ظل تحقيق اقتصادها معدلات نمو غير مسبوقة على مدى السنوات الماضية وصلت في سنة 1997 الى اكثر من 14% وبمعدل 10 % خلال السنوات العشر الماضية حيث حقق الاقتصاد الصيني فائضا تجاريا بلغ 40 مليار دولار, وبرهن في الوقت نفسه على متانة غير مسبوقة من خلال تجاوز الكارثة التي اجتاحت الاسواق الاسيوية ومع تجاوز قيمة الناتج المحلي للصين الف مليار دولار امريكي, احتلت الصين المركز السابع في العالم, وفي ظل احتمال عودة تايوان الى السيادة الصينية فانه من المتوقع ان تتربع الصين على عرش اقوى اقتصاد في العالم. من التعاون الى التحالف انطلاقا من هذه الحقائق الاقتصادية والعسكرية الضخمة يمكن فهم الحرص الصيني على التحول التدريجي الى قوة عظمى, دون الاصطدام بالولايات المتحدة التي تحرص للحيلولة دون بلوغ الصين درجة الدولة العظمى والعمل علي احتواء الصعود الصيني سواء من خلال ابراز دعمها لقضايا الداخل الصيني: تايوان, التيبت, حقوق الانسان, الديمقراطية. او دفع الصين الى الانخراط في قضايا التسلح وتخصيص ميزانيات عسكرية ضخمة بغية ارهاقها اقتصاديا والحد من النجاح الصيني في هذه المجالات, خصوصا وان الميزان التجاري بين البلدين يميل لصالح الصين بفائض تجاري وصل الى نحو 24 مليار دولار وهو رقم بات يرهق الاقتصاد الامريكي. وانطلاقا من هذه القاعدة ايضا, فان الصين تحرص على الذهاب الى اقصى ما يمكن في توقيع اتفاقيات متعددة مع روسيا في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والشئون العسكرية والعلوم والاقتصاد فضلا عن السياسة, بغية تأمين اكبر قدر من الموارد والخبرات التكنولوجية العسكرية المضمونة لتصبح اكثر قدرة على مواجهة الهيمنة الامريكية والحد منها وشق طريقها الى بلوغ مكانة الدولة العظمى, وهذا لا يعني ابدا عدم الاستفادة من الخبرات الامريكية نفسها وخصوصا في مجال التكنولوجيا المتطورة, اذ تتحدث بكين عن واشنطن ايضا (كشريك استراتيجي) رغم كل التناقضات الموجودة. ان قضايا التحالف والتعاون بين روسيا والصين تبدو كثيرة ومهمة في ظل زوال الخلافات الايديولوجية السابقة بين البلدين, وتقاسم كل منهما لمجموعة من التحديات الدولية (الامريكية) والاقليمية فضلا عن تطلع كل طرف الى الاخر بوصفه يحقق له مجموعة من التطلعات. وانطلاقا من هذه العوامل مجتمعة فان الشراكة الروسية ـ الصينية مرشحة للمزيد من التطور في السنوات المقبلة, وقد تتحول هذه الشراكة الى حلف استراتيجي اذا ما مضت الولايات المتحدة في مشروع اقامة النظام الصاروخي الدفاعي المضاد للصواريخ. كاتب سوري