التشخيص هو البداية وأول حلول للمشكلات هو تشخيصها وحسن توصيفها.. وحين توضع مشكلات البشرية في القرن الجديد ضمن منظورها الموضوعي الصحيح فان الصورة تشمل كما ألمحنا في تلك الأحاديث السالفة تحديات تواجه البشرية ما بين الخلل بين نمو السكان وزيادة الموارد وما بين زيادة الطلب الضروري على الغذاء ووصول موارد البحر أهم يترتب على ذلك من آثار جانبية أهمها ما بتنا نشهده ونعايشه ونكابده كما لايخفى عليك من ارتفاع درجة حرارة الكوكب مع ما يحذر منه العلماء من آثار سلبية تترتب على هذا التساخن الكوكبي سواء بالنسبة للزرع أو المسطحات المائية أو صحة الانسان, (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) صدق الله العظيم. المناخ.. والسكان ان كتاب عام 2000 عن حالة العالم الصادر عن معهد رصد أحوال الأرض (وورلد ووتش) يقف بنا عند هذا المخرج المنشود ويحدد سبيل الحلول في مجالين جوهريين هما: التعامل مع مشكلة المناخ (الطقس), وضبط الزيادة السكانية وترشيدها. ومن لطف الله بعباده أن في هذين المجالين باتت البشرية تمتلك من المعارف والمعلومات, وأيضا من أساليب العلم وأدوات التكنولوجيا ما قد يعينها على التطرق الى المشكلة ومقاربة أبعادها والتماس حلول مقبولة كي لا تقول شافية أو نهائية لها. في مجال المناخ الطقس يرى الاختصاصيون أن تبدأ الحلول بالتعامل مع قضية الطاقة. وفي هذا المجال بالذات يقول المرجع الذي اشرنا للتواليه. ان اضفاء الاستقرار على المناخ الذي نعيش فيه (لاحظ استخدام مصطلح الاستقرار وليس التغيير فلا أحد يستطيع تغيير المناخ ) إنما يتطلب التحول من اقتصاد الطاقة القائمة على أساس الوقود الاحفوري ذي القاعدة الكربونية الى اقتصاد جديد يستخدم بدائل لهذه المحروقات الاحفورية (وفي مقدمتها النفط بطبيعة الحال). معهد رصد الأرض وفي هذا المضمار بالذات يبرز البديل الذي يصفه (معهد رصد الأرض) بأنه (البديل الممكن الوحيد) وهو اقتصاد الطاقة القائمة على أساس طاقة الشمس الهيدروجين وهو ذلك النمط المستجد والمنشود الذي يتطلع الى توليد الطاقة اللازمة لتحريك عجلة النشاط فوق كوكبنا من خلال استدعائها من مصادرها البديلة وأهمها: الشمس والقوى المائية والرياح والحديث هنا لايصدر عن مجرد آمال عراض تراود خيالات العلماء بل يقف الحديث على أرضية وطيدة راسخة من الممارسات المستجدة عمليا فوق أرض الواقع. زوال الفحم كوقود ان المرجع التأسيسي الذي نحيل اليه يفسر أمامنا جدولا في غاية الأهمية حول الاتجاهات الراهنة في استخدامات الطاقة في العالم حسب أحدث الاحصاءات للفترة 1990-1998 ويلفت النظر أن الجدول شديد التكثيف يستمد أرقامه من مصادر شتى أحصيناها فكانت عشرة مصادر بالتمام والكمال في مقدمتها الأمم المتحدة واللجنة الأوروبية وصندوق النقد الدولي والوكالة الدولية للطاقة الذرية ويوضح الجدول في بساطة علمية مباشرة المعدل السنوي لنمو كل مصدر من مصادر الطاقة عبر سنوات العام الماضي ليقول لنا ما يلي: أن أكبر زيادة طرأت في استخدام مصدر بديل للطاقة كانت في مجال طاقة الرياح (22 في المئة) وهو كما تدري ولاشك مصدر نظيف من حيث الانبعاثات ومن ثم فهو صديق للبيئة كما يقول أهل البيئة الايكولوجيون, وهو أيضا رخيص ومتاح وقابل للاستدامة أو الاستمرار ويليه الطاقة الشمسية (16 في المئة) ومن بعده الطاقة الحرارية الأرضية (4 في المئة). ويلفت النظر أن مصادر الطاقة التقليدية التي نعرفها لم تطرأ عليها زيادات ملموسة خلال السنوات العشر الماضية, البترول مثلا زاد بنسبة 2 في المئة فقط لاغير ونفس النسبة زاد بها الغاز الطبيعي في حين لم تزد الطاقة النووية سوى بنسبة واحد في المئة.. أما أهم الدلالات التي وصفها العلماء بأنها صحية وبأنها واعدة فيقول عنها الجدول: أن العالم لم يشهد على مدار العقد الماضي أي احراق للفحم بكل ما ينتج عنه من انبعاثات كربونية ضارة بصحة البيئة والبشر إذ يشير الجدول المذكور أن زيادة طاقة الفحم كانت صفرا وهو صفر ايجابي وعزيز بهذا المقياس. من ناحية أخرى تشير التفسيرات لأرقام الجدول الى أنه رغم الزيادة في معدلات نمو طاقة الرياح أو الشمس إلا أنها مازالت بعيدة عن مجالات التوسع المنشود وبالتالي فهي تتحرك وتنمو بايقاع لا يفي للمواجهة ما أصبح كوكب الأرض يعانيه من ارتفاع درجة حرارته الى غائلة الحمى في بعض الأحيان. ولقد سبق وأن كتبنا في هذا المكان عن مزارع الرياح وعن الطاقة الكامنة فيها وقد سخرتها فطرة الخلق المعجزة لصالح البشر.. ورغم بطء التقدم في هذا المجال.. الذي يلفت الأنظار ويشحذ الهمم في وطننا أن بلدا مثل الدانمارك أصبح يحصل على 8 في المئة من طاقته الكهربية من مصدر الرياح وأن جارتنا الكبيرة الهند أصبحت تولد 900 ميجاوات من الكهرباء مستمدة من طاقة الرياح؟ وفي هذا المجال أيضا تنظر وزارة الطاقة الأمريكية الى الرياح بوصفها أرخص أنواع الطاقة المولدة للكهرباء. وفي عام 1981 كان توليد الكيلووات الواحد للكهرباء من الطاقة الريحية يكلف 2600 دولار و ما لبث أن انخفض في عام 1998 الى 800 دولار والمعنى أن الانخفاض متسارع ومطرد وضخم حسابيا ومن شأنه أن يصل بالبشرية الى رحلة الانتاج الاقتصادي المعقول والفعال من حيث التكاليف. تصدق نفس التوقعات على الطاقة الشمسية وكلها بحاجة الى جهود علمية حثيثة ومتواصلة تتعاون فيها البحوث مع أدوات التكنولوجيا وتسندهما معا الارادات السياسية كي تصل بالانسانية الى خفض الانبعاثات الكربونية التي اتقدت من جرائرها حرارة كوكبنا. مكانة البترول مستمرة نبادر فنقول في هذا الاطار أن البترول سيظل في مكانته المرموقة إن لم يكن كمصدر للطاقة فهو مادة ثمينة في مجال الصناعات الكيماوية ومشتقاته كالنفط مازالت وستظل تمثل مواد تأسيسية كما قد نصفها لتلبية احتياجات النشاط والتنمية للبشر في مجالات الصناعة والنقل والدواء وغيرها. ومن شأن التماس مصادر بديلة أو موازية أن يزيد عمر الاحتياطيات النفطية ويرفع قيمتها لصالح أجيال تعيش وأجيال أخرى مازالت في ضمير الغيب. في مجال الانضباط الديمغرافي السكاني: هنا لاينصرف الحديث الى الاستثمار في مصادر جديدة أو بديلة للطاقة. بل يتركز الحديث أو يكاد على تغيير أنماط السلوك البشري ازاء قضية السكان. على امتداد نصف القرن الماضي, شهد العالم زيادات نصفها بأنها رهيبة في عدد سكانه وقد بلغت ذروتها بالذات عام 1989 وهي زيادة يصفها الديمغرافيون بأنها تاريخية حيث أضيف الى سكان كوكبنا في العام المذكور 87 مليون نسمة حتة واحدة بعد أن كانت الاضافة الموازية في عام 1950 مثلا هي 37 مليون نسمة. والحاصل أن الأوضاع تتوازن بشكل أقرب الى العقل (وأصون) للموارد التي لاتزيد طبعا بنفس المعدلات, ويحدث ذلك بسبب الانخفاضات السكانية في الأقطار المتقدمة من شمال العالم, فيما تشهد أقطار الجنوب والشرق الأقصى ومعظمها كما تدري من حيث رقة الحال وكثرة العيال زيادات سكانية مضطردة من عام الى عام.. ورغم أن الدول الصناعية في أوروبا ومعها كندا واليابان أفلحت في اضفاء الاستقرار على حجم سكانها, إلا أنها مابرحت تشكل نسبة 15 في المئة من سكان العالم فقط لاغير. المعلومات أساسا بيد أن قضية الزيادة السكانية وما يتنوع عنها من مسائل الانجاب وحجم الأسرة وسلوك الوالدية.. أمور لايمكن أصلا أن تجابه بقوانين صارمة تفرض على الناس ماذا ومتى ينجبون؟ ولا هي التي بالقضايا التي تحل بين عشية وضحاها انها أمور ألصق بالتوعية وأقرب الى الحل بالتثقيف والتنوير والاقناع بغير فرض أو قسر من ناحية, وأيضا بغير حكاية البروباغاندا أو الزفة الاعلامية من ناحية أخرى. وأغلب الناس لايحبون وصاية من أحد كائنا من كان فيما يخططون له بشأن انجاب ذريتهم.. ولكن مَن من الناس يريد مثلا أن يولد له أبناء يعانون في أجيالهم اللاحقة ضيق العيش وشحة الموارد المائية أو ضآلة الفرص المتاحة للأبناء أو الأحفاد في التعليم أو العمالة أو التفوق والنبوغ؟ هنا يكمن دور المعلومات.. سائغة مباشرة مستنيرة تخاطب العقل وتبغي الاقناع بغير اثارة أو ضغط أو ابتزاز. وهنا يكمن دور التعاون البناء على أساس من شراكة واعية بين الحكومات وبين مؤسسات ما أصبح يعرف باسم المجتمع المدني ومعظمها هيئات طوعية قوامها مثقفو البلد ومتعلموه الحادبون على مصالحه والمكابدون لهمومه والحريصون على مستقبله. الكونجرس يسحب الأموال وإذا كانت قضية السكان والأسرة ترتبط بداهة بالحياة الشخصية, ومن ثم القومية للفرد والوطن, فإن لها بحكم التعريف أبعادها العالمية الأشمل المرتبطة بمصلحة الجماعة البشرية المقيمة حتى إشعار آخر فوق كوكب الأرض. ولقد أوصى مؤتمر السكان العالمي المعقود بالقاهرة عام 1994 باعتماد مبلغ 17 بليون دولار لتكاليف ترشيد ما وصفه بأنه الصحة الانجابية في الأقطار النامية.. ولأن القضية كما ألمحنا هي شراكة في المصلحة بين الشمال والجنوب من العالم, فقد وافقت دول الشمال المتقدمة الغنية وقتها على الاسهام بنصيب الثلث من هذا المبلغ على أن تتحمل دول الجنوب النامية الفقيرة باقي الفاتورة.. ومن عجب يقول المرجع العالمي الذي نحيل اليه أن دول الجنوب أوفت بما في ذمتها من تكاليف فيما أبدت دول الشمال الموسرة تقاعسا ملحوظا عن سداد نصيبها.. وكان التقاعس صارخا في حالة الولايات المتحدة بالذات. والذي حدث أن جاء عام 1998 فإذا بالكونجرس الأمريكي يشرب حليب السباع ويتشطر على قضية السكان ويقرر سحب كل مبالغ التمويل التي تقدمها أمريكا. أو تعهدت بتقديمها الى صندوق الأمم المتحدة الدولي للسكان.. فتأمل!