وكأنهم اجتمعوا ليقترعوا على تصفيات كأس العالم لكرة القدم, أو كأن تحديد مصير القدس كتحديد الفائز بالسعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي, وكأن 15 يوما مدة كافية لحل قضية مصير كبرى كقضية الصراع العربي - الاسرائيلي! وإلا فلماذا ظهر كلينتون على الصفحات الأولى في كل الصحف محبطا يتوارى من شدة الفشل؟ ولماذا نعت وسائل الاعلام فشل كامب ديفيد؟ وخيرا فعل عرفات حين رفض التخلي عن المطالب الفلسطينية بالسيادة الكاملة على القدس الشرقية المحتلة, لانه لو تخلى ووقّع, فربما كان يرسم نهايته بنفسه كما قال أثناء المفاوضات (لو وقّعت فإن الاغتيال ينتظرني) وخيرا فعل باراك, فلو وقّع للقي المصير نفسه على يد المستوطنين أصحاب التوراة والجدائل الطويلة وأصحاب الوهم الكبير الذين هددوه في مسيرات صاخبة بالاغتيال إذا تخلى عن الثوابت الصهيونية. هل انهارت مفاوضات كامب ديفيد الثانية, أم سقطت نهائيا؟ لانها إذا انهارت اليوم فإن استنفارا على أعلى المستوى سيحتشد في عاصمة القرار السياسي (واشنطن) لترميم هذا الانهيار واعادة المشهد مرة ثانية على طريقة مخرجي السينما العربية (كلاكيت ثالث مرة)! في المرة الأولى نجح المشهد باخراج (بيجن - كارتر - السادات), في المرة الثانية فشل الممثلون, أما في المرة الثالثة فلا ندري ما سيحدث لكننا نعتقد بأنه سينجح, فهكذا تعودنا منذ زمن. نحن لا نكره السلام, وكل العرب لا يرفضون الأمان, لكن كل المفاوضات والمساعي تبحث عن سلام (اسرائيل) وأمنها, أما (اسرائيل) فتتسلح نوويا لأجل السلام, وتعرقل السلام طمعا في الأمن! فمن يهدد سلام (اسرائيل) ومن يهدد أمن (اسرائيل) يا ترى؟ وما الذي يجبر الفلسطينيين أصحاب الحق على أن يتنازلوا عن حقوقهم وأمانهم ودماء أبنائهم, وحرياتهم وأعمارهم لأجل الأمن (الاسرائيلي) والسلام (الاسرائيلي) ؟ والكل يعلم ان الشعب الفلسطيني هو المشرد والمبعد والمنفي والمعتقل والدافع من دمه ومستقبل أجياله ثمنا (لشيء) من أمان وسلام ولشبر من أرض. لقد حزن كلينتون كما ظهر عليه ذلك جليا وهو يلقي نص البيان الختامي, لكن لماذا يحزن كلينتون؟ هل لأن القدس لم توفر له ميدانا لانتزاع بطولة جديدة؟ من وكَّل كلينتون أو باراك أو حتى عرفات بالقدس, ليجتمعوا في أقصى الدنيا يتفاوضون عليها وعلى طريقة اقتسامها؟ لقد استعصت القدس, وحق لها أن تستعصي. لقد فشلت كامب ديفيد, لان باراك لم يرد أن ينتهي مثل رابين مقتولا برصاص مخبول صهيوني, ولان عرفات لم يرد أن يكرر مشهد المنصة الذي أنهى حياة السادات بعد ثلاث سنوات من توقيع كامب ديفيد الأولى. مرة أخرى نكرر, القضايا المصيرية الكبرى لا تبحث ولا تحل بهكذا سيناريوهات مبتذلة بعيدا عن أصحابها الحقيقيين.. وأصحاب القضية ليس عرفات والسلطة انهم أكثر من 200 مليون عربي وأكثر من مليار مسلم. فهل مازلنا نتذكر؟