الثورة الصريحة على الماضي وعلى كل ما هو تقليدي هي السمة الاكثر بروزاً في العصر الحاضر في الغرب وفي اجزاء مختلفة من العالم غير الغربي. ولعل الثقافة الغربية فريدة في عبادتها للتغيير وفي اعتقادها بأن الابتكارات السريعة غير المحدودة مرادفة للتقدم الاجتماعي والثقافي, وفي حالات غير قليلة يكون التغيير لمجرد التغيير. ولا يعتمد هذا الاعتقاد على اساس ملموس او سليم. ولم يكن هذا الموقف معروفا لدى ثقافات سابقة كانت الابتكارات فيها مشتبها فيها, وفي حالة حدوث تغيير في تلك الثقافات غير الغربية كان ذلك التغيير بطيئا ومحدود النطاق. وعدم التغير في الثقافات ـ وخصوصا اذا كان عدم التغير ذلك في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية وتكنولوجية ونفسية جديدة تتطلب تلبية حاجات جديدة, كما نشاهده في الوقت الحاضر ـ من شأنه ان يشتمل على ملامح السكون او الركود او التحجر او الجمود او الاستقرار المبالغ فيه. والركود النسبي لمجتمعات من هذا القبيل, وهي مجتمعات نجدها في عدد كبير من البلدان النامية, يعزى اليه تخلف او انهيار كثير من الثقافات المحلية في بلدان العالم الثالث. وبسبب الولع في حالات غير قليلة بالتغيير لمجرد انه تغيير في البلدان الغربية فان الازالة او الهدم يحدث بسرعة, يحدث اسرع من البناء, وذلك لان النظام الجديد لا يلبث ان يقام حتى يصبح مهجورا. المبالغة في التغيير لغرض من الاغراض او لحد ذاته تؤدي الى ازالة الاستقرار والدوام في النظم والاشياء وتؤدي الى اشاعة الزعزعة. والزعزعة السريعة والمتواترة بسبب التغيير السريع الذي لا تستلزمه الظروف والمستجدات الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية, تشكل احد اسباب التوتر الاجتماعي وشيوع الجريمة وتفشي العنف في كثير من البلدان, وذلك لان تقيد الناس بالقوانين في هذه الحالة المتغيرة المزعزعة يقل وقد يتضعضع. ولا ينشأ التنوع الثقافي دون توفر قدر اكبر من الحرية الفكرية والابداعية, غير ان الاعتماد على قدر معين من التقاليد لا يتناقض مع التنوع الثقافي. وينبغي ان يكون احد الاهداف الرئيسية للتغير الاجتماعي تحرير الفرد من العبودية الثقافية ضمن الجماعة التي يولد الفرد فيها. ومن شأن تحرر الفرد الثقافي ان يؤدي الى تعدد الأشكال الثقافية التي يحكمها الاختيار الشخصي والاكتشاف الشخصي, وبهذا التحرر يتخلص الفرد من قسم من العادات والتقاليد المضرة بالفرد والمجتمع. ولا يمكن ان تتخلص المجتمعات المتخلفة من تخلفها الا بحدوث تغير ثقافي حقيقي مؤداه الاتيان بصيغ فكرية جديدة تتطلبها الظروف الاجتماعية المستجدة. واذا اريد للفرد ان يحافظ على الصحة العقلية والنفسية والعاطفية فيجب ان يتوفر لديه شعور بالانتماء الى قدر من التقاليد الثقافية السليمة. والاسرة التي لا تنقل الى اطفالها تراثا ثقافيا سليما, على شكل من الاشكال, تجازف مجازفة كبيرة بان تنتج اشخاصا ليس لديهم حس بماضيهم. ومهما كان انتماء الناس القومي او المهني او الديني, فان من الحيوي بالنسبة اليهم ان يكون الشعور بالانتماء الى الماضي احد مقومات شخصياتهم. ان توفر حس طبيعي بالوقت يتطلب الوعي بان الماضي يشكل عنصرا من عناصر الحاضر او اساسا من اسسه, ويتطلب الوعي بان الحاضر سيكون عنصرا من عناصر المستقبل. ولدى البشرية حاجات اساسية كثيرة, وهذه الحاجات لا يمكن تحقيقها الا بتوفر عدة ظروف, منها تبني قيم خلقية وروحية انسانية. ولهذه القيم, بالنظر الى انسانيتها, عالمية السريان. وبالتالي فان التمسك بهذه القيم الانسانية لابد من تحقيقه لاجل تحقيق هذه الحاجات التي لا يمكن تحقيقها في ظل المغالاة في النزعة المادية, وهي المغالاة التي تولي الاولوية الاولى لتحقيق المصلحة الفردية والتي لا تضع مراعاة مقتضيات تحقيق تلك الحاجات في قمة سلم اولوياتها. وفي المغالاة في النزعة المادية يكون تحقيق المصلحة الفردية على حساب الافراد والمجموعات والشعب. ويمكن كبح المغالاة في النزعة المادية بطرق من اهمها اشاعة قيم روحية وخلقية انسانية عالمية تزيد وعي الانسان بانسانيته وهو الوعي القائم على تلك القيم. ولا يمكن ازالة الطغيان الاجتماعي الا بتطبيق النظام الاجتماعي الديمقراطي الذي يستلهم تلك القيم والذي يعطي الاولوية للصالح العام على المصالح الفردية. * أستاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة