تعتبر قمة الدول الصناعية الكبرى في اليابان بجزيرة اوكيناوا احدى اهم القمم لمجموعة الثماني لانها تأتي في ظروف استثنائية قل نظيرها بعد الانهيار الكبير الذي حصل في العالم في بداية تسعينيات القرن الماضي, وبعد ان عجزت كل القوى العظمى, بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية عن احداث حالة من الاستقرار والامن الدوليين وحيث ظهر الكثير من الصراعات الاقليمية وبرزت حركات سياسية مسلحة في اكثر من مكان تحت شمس الكرة الارضية. ولعل هذه الصراعات قد طالت بجزء منها بعض الدول المجتمعة في قمة اوكيناوا بشكل مباشر بينما طال البعض الآخر جزءا من مصالحها, وتهدد بنقل بعض هذه الصراعات الى داخلها اذا ما بقيت الآليات المتبعة على ذات الانماط السائدة التي كانت تحكم العلاقة بين الطرف والمركز. وقد تكون الامثلة في هذا الجانب اكثر من ان تحصى فبريطانيا مثلا لم تستطع حتى لحظة انعقاد القمة ان توجد آليات لحل القضية الايرلندية, والتي تقوم على اساس من العداء الطائفي المجبول بمسحة قومية رغم ما يشاع عن حل هذه القضية عبر الوساطات التي قادها بعض رجالات مجلس الشيوخ الامريكي, حتى الولايات المتحدة لم تكن بمنأى عن الكثير من المشكلات المستجدة في دول المحيط القاري في امريكا الوسطى والجنوبية وقد بدأ ينتعش الكثير من الحركات السياسية التي استسلمت في فترة ماضية الى مصيرها, الا ان الازمات الاقتصادية والسياسية التي تعيشها تلك المجتمعات قد دفعت بالكثير من القوى الى اعادة بناء ذاتها من خلال الكثير من الشعارات والعناوين المطلبية, والتي بدت الولايات المتحدة تعيش حالة من الحرج السياسي تجاهها بعد ان بدأت تشعر بالعجز عن حل المشكلات الناشئة, والتي اخذت على عاتقها حل جزء منها لكنها فشلت في فرض الحلول المناسبة لتلك المجتمعات بحيث حملت الولايات المتحدة من قبل تلك الشعوب وبعض انظمتها, مسئولية هذا الفشل, بما في ذلك البرازيل وما يعصف بها من ازمات مركبة زد على ذلك معقدة وثلاثية الاوجه. اضف الى ذلك المشكلات التي باتت تحمل شكل التحدي بين هذه الدول فأوروبا تجد ان احد الاسباب التي تحول دون اعلان الوحدة كما خطط لها بعض قادتها الكبار هي بعض السياسات التي تحاول وضع العصي بالدواليب من قبل الحليف الاكبر لمنع او على اقل تقدير لتأجيل هذه الخطوة بهدف الابقاء على حلف الناتو موحدا تحت الارادة والرؤية الامريكية بما يخدم مصالحها اولا واخيرا وهذا ما بدأت تشعر به على وجه التحديد فرنسا وحليفتها الاوروبية ألمانيا كقوتين اساسيتين داخل القارة. حتى اليابان التي استسلمت الى ضعفها العسكري في وقت مضى اصبحت اليوم, ومن خلال مؤتمر جزيرة اوكيناوا التي شهدت اكبر المعارك ضراوة في الحرب العالمية الثانية, تفكر وبشكل علني من خلال تصريحات قياداتها بأن تدخل الى مجلس الامن الدولي من اوسع ابوابه كعضو دائم وله الحق في المشاركة في صياغة السياسة العالمية كقوة اقتصادية تأتي في المرتبة الثانية بعد اوروبا. وعلى ما يبدو ان طلب رئيس الوزراء الياباني يوشيرو موري بأن يغلب على القمة طابع النقاش المفتوح للرؤى المختلفة لمستقبل العالم والمشكلات المحيطة به بوصفها لحظة (عبور من قرن من الألم الى قرن من الامل) هو بحد ذاته تأكيد على المطلب الياباني الذي يسمح له بتوسيع هامش المشاركة في القرار السياسي على المستوى العالمي. وما المطالبة من قبل سكان الجزيرة بخفض اعداد الجنود الامريكيين المتواجدين على اراضي هذه الجزيرة الا تعبير حي عن ارادة سياسية جديدة تأخذ بعين الاعتبار المحيط الجغرافي الذي لا يزال يكن لها العداوة على سلوكياتها التي اقترفتها في وقت مضى. لكن على ما يبدو تدرك الولايات المتحدة حاجة اليابان الى هذه المطالب لذلك حاول الرئيس كلينتون انتزاع وعد من رئيس الوزراء الياباني, موري بخفض الرسوم العالية للاتصالات التي تضخ ارباحا لشركة (نيبون) للتلغراف والهاتف, لكي يسمح للشركات المنافسة وخصوصا الامريكية بدخول هذا المضمار الحيوي. وكلينتون على ما يبدو ايضا يدرك الصعوبة الكبيرة التي ستواجهها اليابان لو قدمت الموافقة على مثل هذا العرض والذي سيعرض 130 ألف فرد يعملون في هذه الشركة للخطر مقابل بعض خفض للتواجد الامريكي في الجزر اليابانية ووعود مستقبلية قد تطرح لتوسيع مجلس الامن. والملاحظ حقا ان هذه القمة التي جاءت بثلاثة رؤساء جدد من اليابان وايطاليا وروسيا تختلف كل الاختلاف عن سابقاتها حيث حضر هؤلاء ومع كل واحد منهم وجهة نظر مختلفة عن الآخر ويحمل سلاحا مختلفا عن الآخر ايضا. فمنهم من جاء بسلاح احادي ومنهم من جاء بسلاح ثنائي, فروسيا جاءت الى المؤتمر وقد حصلت على اتفاق استراتيجي مع الصين, في الوقوف ضد التفرد الامريكي على مستوى العالم. وفي الوقوف ايضا في وجه البرنامج الصاروخي المضاد للصواريخ الذي افصحت عنه قبل القمة بأسابيع, كورقة ضغط على هذه القمة وغيرها من القمم المقبلة, بالاضافة الى ورقة التعهد التي حصل عليها بوتين من كوريا الشمالية لوقف برنامجها الصاروخي الذي تسترضي من خلال اليابان. ومن الجهة الاخرى, جاءت هذه المحاولة من بوتين ليؤكد من جديد ان روسيا لا تزال تمتلك الكثير من الاسلحة والاوراق المتعددة التي لاتزال تحمل الكثير من المسوغات على المستوى العالمي, ولا تزال قادرة على توظيفها اذا ما بقيت الولايات المتحدة مصرة على استكمال برنامجها الصاروخي المضاد للصواريخ. وان روسيا والصين وكوريا الشمالية ستكون قادرة على تشكيل حلف ثلاثي يقوى الى حد ما على مواجهة ولجم الترتيبات الامريكية في تلك المنطقة اذا ما بقيت على ذات التحديات وذات المواقف, ومحاولة لابتزاز بعض الدول المجتمعة بهدف تخفيض الديون, التي يرزح الروس تحت وطأتها والتي تشكل اكبر عقبة في تطور الاقتصاد الروسي الذي تراجع بشكل مذهل واصبح اشبه باقتصاديات دول العالم الثالث, ان لم تكن اقل من ذلك بكثير. بالمقابل لم تكن الولايات المتحدة اقل حدة في اظهار مكامن قوتها الذاتية والقارية الخارجية ولعلها حضرت بأقصى قدراتها التي تتمثل ببرنامجها الصاروخي القادر على التصدي لاي بلد قد يظن انه قادر على تهديد مصالحها على وجه الكرة الارضية واكدت من جديد على ان ما تراه بالنسبة لمستقبل العلاقة بين تايوان والصين هو الحل الامثل. وقد عبرت عن موقفها بارسال ثلاث قطع بحرية احداها حاملة للصواريخ المضادة للطائرات, فهذه الخطوة في حقيقة الامر تعتبر اكبر تحد للارادة الروسية ـ الصينية هذا بالاضافة الى استجلاب ورقة الشرق الاوسط وبسطها على طاولة المؤتمرين من خلال المفاوضات الجارية في كامب ديفيد بين طرفي النزاع الاطول والاعقد في العالم ولتذكر من جديد كل القوى, خاصة فرنسا وألمانيا وروسيا ان الشرق الاوسط هو المناخ الخصب الذي تلعب فيه الولايات المتحدة وهو منطقة نفوذهاومن يريد ان يدخل الى هذه المنطقة يجب ان يدخل من بوابة واشنطن ودون ذلك سيخسر الرهان في هذه البقعة الحيوية من العالم. اما ما يخص الديون التي ترزح تحت وطأتها دول الجنوب فهي مجرد سلعة للاستهلاك لان العلاقة بين العمالقة والاقزام على كل المستويات لا يمكن ان تكون علاقة متوازنة او متكافئة وان الدول الصناعية اصلا تعيش من خلال عدم التوازن القائم على فائض القيمة والفوائد المركبة التي تجنيها هذه الدول وعلى الرغم من ان العديد من وسائل الاعلام المرئي والمسموع والمقروء حاول دمغ القمة بأنها قمة اقتصادية لا تحمل اي اهداف سياسية الا ان الواقع دلل على عكس ذلك. فلم تشهد اي قمة سابقة اهدافا سياسية واستراتيجية اكثر من هذه القمة, خاصة وانها كانت قمة التحدي والاختبار للقوى الذاتية فيما بين هذه الدول مجتمعة, حتى الذين قالوا بأن العالم الفوقي اصبح سائرا في سياسة الادوار, وبات محكوما اكثر من اي وقت مضى بالتضامن بين الدول الثماني وان التناقضات بين هذه الدول تراجعت الى حد لم يعد فيه بإمكان اي طرف دولي اخر حتى التنفس بحرية او بخيار.. تبقى هذه القضية مجرد وجهة نظر لأن الحاجة الماسة التي تعيشها تلك الدول في فتح اسواق جديدة ومناطق للنفوذ لا يمكن ان تقوم على اساس من التوافق بل تقوم على اساس من التنافس. لكن قد يكون الصحيح ان التنافس القائم هذه الايام مشروط بتحاشي الحروب والصراعات الدامية رغم ان هذه القضية تعتبر قضية نسبية في عالم السياسة ولا يمكننا اطلاق احكام ووضع قوانين جاهزة. لكن مثل هذه المؤتمرات غالبا ما تتفق على تأجيل ازماتها او ترحيلها ما امكن على حساب الطرف الاضعف المتمثل بدول الجنوب. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق