الحادث الرهيب الذي دمر مصنع الاسكندرية للملابس بقدر ما أحزنني وأبكاني, بقدر ما أسعدني وأعاد الثقة الى النفس بمصر البلد مصر المتحدة والشجاعة والفداء. في هذا الوقت بالذات الذي نقرأ فيه على صفحات الجرائد حوادث شتى يشيب لهولها الغراب.. عن قتل ولد لوالده وذبح زوجة لزوجها وتمزيق جثته الى ريش وبفتيك وكباب حلة, وقيام ابن بقتل أمه لكي يستولي على شقتها, وإقدام حفيد على اشعال النار في ملابس جدته وهي نائمة, وترك النار ترعى في جثتها حتى تفحمت بهدف الحصول على تحويشة عمرها لشراء تذكرة هيروين. أخبار أوحت الى الانسان أن مجتمعنا فقد هويته وضل طريقه ووهنت الخيوط التي تربطه بعقيدته وتاريخه.. جعلتني هذه الأخبار التي تتكرر كل يوم أعتقد أن الفلوس صارت هي القيمة الوحيدة في الحياة, وأن المثل الوحيد الذي يعتز به الناس ويتمسكون به هو المثل القائل (اللي معاه قرش يساوي قرش!) وكانت القضايا التي تفجرت أخيرا من أول قضية الحباك الى قضية محمد فودة الى قضية نواب القروض, كلها تبرز هذا المعنى وتؤكده. لولا حريق مصنع الاسكندرية للملابس لتصورنا أن الحياة تحولت الى غابة, وأن الفلوس هي الفريسة الوحيدة التي يسيل لها لعاب الناس, الحريق قضى على أربعة من القادة, اثنان في رتبة العميد واثنان في رتبة الرائد, اثنان في قمة المسئولية واثنان في شرخ الشباب. ورتبة العميد من رتب القيادة العليا, وهي قد تغري صاحبها بالبقاء بعيدا عن الخطر والاكتفاء باصدار الأوامر. ولكن الذي حدث بالفعل أن العميد قائد الدفاع المدني بالاسكندرية اختار موقعه داخل المصنع المحترق وكذلك فعل زميله العميد الآخر, ظل الاثنان معا جنبا الى جنب في مواجهة الحريق والمصنع القديم الآيل للسقوط حتى النهاية. وما حدث للعميدين حدث للرائدين. ورتبة الرائد تعني أن صاحبها شاب في مقتبل العمر, وللشباب أحلام وتطلعات, ومن يدري..؟ ربما كان أحدهما على أبواب مشروع زواج, وربما كان الآخر متزوجا وله طفل, ولكن لا شئ حال بينهما وبين الوقوف في وجه الخطر حتى سقطا تحت الأنقاض. ما أنصع الصورة وسط الضباب الذي يغلف حياة المصريين هذه الأيام. إنها صورة تهزأ وتزدري بكل الصور النيجاتيف التي تظهر بكثرة على صفحات الجرائد هذه الأيام, صورة قاتل أمه وقاتل أبيه وقاتل صديقه وقاتل جدته, والتي بالرغم من بشاعتها تبدو الى جانب صورة الضباط الشهداء مجرد صور انحراف في المجتمع المصري, أما الصورة الأصيلة فهي صورة الضباط الأربعة ومعهم مجموعة العساكر الأبطال الذين واجهوا الموت ببسالة بالرغم من متاعب الحياة ومشاغل الأسرة والقلق على مستقبل العيال. يا لها من صورة مضيئة ينبغي متابعتها بصورة مضيئة تساويها في الحجم والوزن والأثر. ولقد قرأت تفاصيل جولة الدكتور عاطف عبيد رئيس مجلس الوزراء بين أطلال المصنع المحترق, وزيارته للمصابين في مستشفى المواساة وإصداره أمرا بصرف مبلغ خمسة آلاف جنيه لكل الذين استشهدوا في الحادث وأيضا لكل من أصيب, ومع جزيل الشكر وعظيم الامتنان للسيد رئيس الوزراء أقول له بمنتهى الصراحةخمسة آلاف جنيه ياسيدي رئيس الوزراء ليست مكافأة ولا تعويضا لأسرة فقدت عائلها في ميدان التضحية والشرف ولا أعرف لماذا تصورت أن مسئولا رفيع المقام كرئيس مجلس الوزراء سيكون رد فعله أمام حادث على هذه الدرجة أن يأمر بصرف مبلغ 50 ألف جنيه لكل أسرة من أسر الشهداء من عميد الى نفر. أما الخمسة آلاف جنيه فقد تكون مبلغا مناسبا لكل مصاب. وبالنسبة للمعاش يجب على الدولة عدم انتظار ما تجود به بعض الشركات, أو ما يتبرع به بعض رجال الأعمال. بل يجب علينا جميعا شعبا وحكومة أن نعترف بأن هؤلاء الأبطال لهم حق معلوم في أموال لصوص البنوك وحرامية المال العام. والعبد لله يعرف أن تحت يد الحكومة 20 مليون دولار صادرتها من أموال الحباك, وأعرف أن تحت يدها أموالا كثيرة صادرتها من أموال تجار المخدرات ونواب القروض وغيرهم. واذا اتفقنا على هذه الخطوة نكون قد نجحنا في تأسيس مبدأ ما أشد حاجتنا اليه في زمن العولمة وآليات السوق واللي معاه قرش يساوي قرش. واذا وافقنا على هذا المبدأ ينبغي أن يسبقه قرار لرئيس الوزراء بتخصيص نسبة معينة من الأموال المصادرة من الحرامية واللصوص وتجار المخدرات, لمكافأة شهداء الشهامة والمروءة والشرف. ومع هذه الخطوة التي يرى العبد لله أنها في غاية العدل, يجب اتخاذ خطوة أخرى يرى العبد لله أنها ضرورية وفي الدرجة الأولى من الأهمية. يجب فتح تحقيق واسع لمعرفة الأسباب التي أدت الى وقوع هذه المأساة البشعة, أين الادارة الهندسية بمحافظة الاسكندرية التي وافقت على استخدام مثل هذا المبنى الآيل للسقوط كمصنع للملابس؟ وهذا التصريح بالتأكيد صدر منذ فترة طويلة وهو الأمر الذي يثبت أنه لا تفتيش ولا رقابة من أي نوع. ولابد من معرفة الدور الذي تقوم به وزارة العمل بالضبط, وكيف غاب عن مفتشيها أن المصنع المنكوب كان يستخدم أطفالا صغارا كعمال في المصنع؟ ولابد من معرفة حجم ونوع الأجهزة التي كان يستخدمها المصنع في حالة اشتعال حريق من هذا النوع. فإذا ثبت أن المصنع كان يشتغل بالبركة وبدون الالتزام بتعليمات الأمن الصناعي وليس له من هدف إلا الربح, بغض النظر عن سلامة العاملين وبدون تسديد الضرائب عن الأرباح, إذا ثبت هذا ينبغي محاكمة أصحاب المصنع والذين يتولون ادارته, ولابد من الزامهم بدفع التعويضات المناسبة للشهداء والمصابين. وشكرا لحريق الاسكندرية المؤسف, شكرا له لأنه كشف لنا ضوء النار المشتعلة عن المعدن المصري الأصيل, معدن الشهامة والمروءة والنخوة والتضحية بالروح إذا لزم الأمر. ونسأل الله الرحمة للعميد محمد رجائي والعميد ابراهيم عبدالقادر ولكل زملائها الشهداء والمصابين حتى أصغر نفر من رجال الشرطة.