تعتبر حرية الرأي ووجود هامش جيد لأصحاب الرأي الآخر مقياسا لمدى تحضر المجتمعات, لكن مجتمعاتنا العربية شعوبا وأنظمة, تتحصن - وللأسف - ضد تحضرها وبشكل مقصود, معتقدة بأن راحة العقل والحياة هي في برد الاتفاق, وان الشقاء والخطر لا يصنعهما سوى التقاط الجمرات من أرض الأفكار المعاكسة. ولقد احتفل العالم كله شرقه وغربه باليوبيل الذهبي لصدور الاعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948, هذا الاحتفال الذي يقول صراحة بأن لغة سياسية واحدة فرضت نفسها على كل الأنظمة قوامها (حقوق الإنسان) حيث لم يعد في وسع نظام أو سلطة مهما بلغ طغيانهما أن يمارسا هذا الطغيان ضد الشعوب والحريات دون أن يورطا نفسيهما في تهمة أو فضيحة عالمية خلاصتها الاعتداء على حقوق الإنسان! وفي المشهد العام لحقوق الإنسان تبرز المطالب الأكثر أهمية: حق الحياة بكرامة, حق العمل, حق الحرية, حق التعبير عن الرأي, وهي حقوق لا يمكن تجزئتها, كما لا يمكن تأجيل بعضها لحين الانتهاء من الحصول على البعض الآخر, فالحياة لا تستقيم بدون عمل شريف, وأي عمل لا يزدهر بلا حرية إنسانية, والحرية هي طعم الحياة وزهرة الروح التي لا تعرف قانون الذبول مطلقا. إن 63 دولة في العالم تسجن خصومها السياسيين ممن يعرفون بسجناء الرأي, وقد ثبت لمنظمات حقوق الإنسان وجود (مليون ونصف المليون) سجين في العالم بسبب انتقاداتهم للحكومات أو بسبب الدفاع عن حقوق الإنسان, اضافة إلى (15) مليون لاجئ لأسباب سياسية, كما ان أكثر من 80% من سكان العالم يرزحون تحت حكم أنظمة قمعية تمارس درجات متفاوتة من الاعتداء على الحريات! وفي ظل حقائق كهذه تتناقض مع كرنفالات الاحتفال باعلان حقوق الانسان يحق لنا أن نتساءل: ما هي الأنظمة التي استطاعت أن تضمن لنفسها البقاء وهي تدفع مواطنيها نحو الانفجار عن طريق قمعهم ومصادرة حقوقهم؟ أم ان ذاكرة الأنظمة السياسية معطوبة؟ إن الأنظمة المتحصنة بالطغيان تريد أن تضمن مكتسبات السلطة ودوام الجلوس على الكراسي الوثيرة, وهي ترى في الرأي الآخر والمعاكس تحديدا, الخطوة الأولى في مشروع سحب البساط الأحمر! وعليه فإن عمى الألوان يدفعها للشراسة ضد هذا الرأي حيث تأخذ الشراسة هنا أشكالا تتفاوت بين الحصار والاعتقال والتعذيب والنفي والسجن وتضييق سبل الحياة والدفع بصاحب الرأي المعارض نحو الهجرة الأبدية إلى حيث المنافي الباردة والبعيدة. أما بعض الأنظمة الأخرى فإنها تجد في وسائل اعلامها ومناهجها التعليمية وسيلة (ناعمة) ومبهمة, فتروج عن طريقها لطغيانها بشكل سلس صانعة من الجميع نسخا مكررة في نهاية المطاف, نسخا تؤمن بما تريده الأنظمة فقط! تماما كما كان يفعل (جوبلز) وزير الدعاية في حكومة هتلر. وعليه فلن تلعب الأمة دورا في حضارة هذه الحياة طالما كان لديها هذا الاصرار الأحمق على أن يكون الجميع نسخا يرددون نفس الأفكار, ويتداولون الحياة من وجهة نظر واحدة.. هي وجهة نظر السلطة!