لم يلتفت كثيرون الى دواعي الجولة التي قام بها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون الى أوروبا, في الأسبوع الأخير من شهر مايو الماضي, بل وربما مرت أبرز محطاتها مرور الكرام على الكثيرين.. إذ أن الرئيس الأمريكي كان قد حضر أثناء هذه الجولة, قمة (أوروبية-أمريكية) عقدت في البرتغال, وانكبت على بحث العديد من المسائل ذات الطبيعة الاقتصادية, وأيضا العسكرية. أهم ما يأتي في شأن هذه الأخيرة, المسائل العسكرية, الاستراتيجية والأمنية, وهو ما أعلنه بيل كلينتون من تصميم إدارته على المضي قدما في تنفيذ مشروع (الدرع الواقي من الصواريخ) ولن تحيد عنه.. ولم يتوقف الرئيس الأمريكي عند حدود هذا التأكيد, ولكنه شفع تأكيده بأن قدم وعدا للأوروبيين, باستعداد بلاده لمدهم بالتكنولوجيا المستخدمة في صناعة تلك المنظومة الدفاعية, وعدم حجبها عنهم. ولعل كل من (التأكيد) و(الوعد) الأمريكيين.. يقر, وإن على نحو غير مباشر , بأن القارة الأوروبية سوف لن تستظل آليا, ووفق ما يستوجبه منطق تحالفها الوثيق مع الولايات المتحدة, بمظلة ذلك الدرع الواقي من الصواريخ. بل لعله يشير الى أن ثمة هواجس كانت قد تولدت لدى الأوروبيين, إزاء هذا المشروع الأمريكي, وأن ثمة ردود أفعال متباينة, قد عبرت عن هذه الهواجس, وعبرت في الوقت نفسه عن تباعد في الرؤية لدى الجانبين الأوروبي والأمريكي. إن التساؤل الذي يفرضه مانراه حاليا من تباين في ردود الأفعال, على الجانب الأوروبي, تجاه (مشروع الدرع الواقي من الصواريخ).. هو ذلك التساؤل المتعلق بتداعيات التباعد بين شقي الأسرة الغربية الواحدة, على جانبي المحيط الأطلسي. بل إن أهمية مثل هذا التساؤل, تزداد وضوحا إذا لاحظنا: أن (مشروع الدرع الواقي من الصواريخ) الذي تسعى ادارة الرئيس بيل كلينتون الى اقراره, (رغم الفشل المتوالي في تجاربه) ويقابله الأوروبيون بقدر يتراوح بين التحفظ والاعتراض الشديد.. إنما يعبر, على نحو جلي, عن إحدى الحلقات المتقدمة في تلك الخلافات التي تفاقمت بين الجانبين الأمريكي والأوروبي, في الفترة الأخيرة, حتى باتت تتخذ منحى التمرد الأوروبي على الحليف الأمريكي الأكبر, وعلى قيادته للمعسكر الغربي. بل لا نغالي إذا قلنا أن هذه الخلافات, (الأوروبية الأمريكية) , إنما تعبر عن الاختلاف في رؤية الجانبين للكيفية التي يمكن أن تتم بها الصياغة الجديدة للعالم.. وهو الاختلاف الذي جاء المشروع إياه (مشروع الدرع الواقي من الصواريخ), ليظهره بصورة واضحة. فمن جهة.. هناك الاختلاف في رؤية كل من الجانبين حول تحديد (الأعداء), الذي يتعين مواجهتهم ودحض مخاطرهم. إذ أن الجانب الأمريكي, بات يرى, أو بالأحرى: يميل منذ نهاية الحرب الباردة, الى اعتبار أن ثمة أعداء استراتيجيين للغرب, يتمثلون راهنا - في تلك الدول المسماة بـ(المارقة) (.. وهي سواء في ذلك كوريا الشمالية أو ايران أو العراق, و ربما باكستان في المستقبل, - آسيوية في معظمها).. إلا أن الأوروبيين لايصادقون على مثل هذا الميل الأمريكي, أو بالأصح: لايسلمون به كـ(قاعدة), يمكن أن تقوم عليها عقيدة عسكرية دفاعية. وفيما يبدو, فإن الاختلاف في الرؤية بين الأوروبيين والأمريكيين, أن الأوروبيين يرون ذلك (المروق) (في وجهة النظر الأمريكية), أمرا نسبيا, أو ربما يمكن معالجته (من وجهة النظر الأوروبية), عن غير هذا ما يفسر الانفتاح الأوروبي (النقدي) على ايران, ولعله ما يفسر, أيضا , التحفظ الأوروبي على التشدد الأمريكي الذي كان حيال معالجة الأزمة مع ليبيا. من جهة أخرى.. هناك السمة الأساسية التي يتسم بها المشروع الأمريكي. إذ أن (مشروع الدرع الواقي من الصواريخ), يظهر بمظهر المشروع الأمريكي الخالص, والمعنى حصرا بالأمن الأمريكي, دون أن يحفل بشكل ايجابي بالمتطلبات الدفاعية لبقية الحلفاء الغربيين. وهنا لا نغالي إذا قلنا أن هناك من الأوروبيين من يخشى أن تكون آسيا وهواجسها وأخطارها (الفعلية, أو المفترضة), تدفع بالولايات المتحدة الى الابتعاد عن أوروبا, كما سبق لها فيما مضى أن دفعت بها نحوها (.. فقد كان الهجوم الذي شنه طيران اليابان الامبراطوري, على قاعدة بيرل هاربر الأمريكي في ديسمبر ,1941 هو الوازع أو الحجة التي توسلتها واشنطن لدخول غمار المواجهة, ولنصرة الحلفاء الأوروبيين). في هذا السياق, سياق الجهتين المشار اليهما, يتبدى بوضوح أن ثمة تباعدا فيما بين شقي الأسرة الغربية, على جانبي المحيط الأطلسي.. وأن هذا التباعد بين الطرفين ينبني على طريقة كل منهما في قراءة العالم, وفي تعيين الأعداء وتحديدهم, وفي مقاربة مسألة مواجهتهم.. ناهيك عن ما يشير اليه التباعد ذاته, من أن (مشروع الدرع الواقي من الصواريخ), كان قد جاء ليبرز مسألة, لم تتوافر بعد ملامحها أو الأدلة الدامغة عليها, ونعني بها: هل يمثل هذا المشروع (الأمريكي: الخالص, والمعنى حصرا بالأمن الأمريكي), نقطة البدء في إزاحة الجانب الأوروبي, ودوله, عن مرتبة حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.. ليلقي بهم في مرتبة أخرى, ليندرج الجانب الأوروبي, ودوله في موقع (أصدقاء آخرين) للولايات المتحدة عبر العالم؟! ثمة مؤشرات تلمح الى الاجابة عن هذا التساؤل, لعل من أهمها, أن واشنطن بصدد اعادة صياغة أولوياتها الدفاعية والأمنية, وأن ذلك يجري وفق منطق يناقض, أو يبدو مناقضا لذلك الذي ظل ساريا, بمثابة حجر الزاوية, طوال حقبة الحرب الباردة, وربما حتى العقد الأخير من القرن العشرين المنصرم. وأيا كان الأمر, فإن (مشروع الدرع الواقي من الصواريخ), وإن كان قد ساهم في تباين الاختلاف (الأوروبي الأمريكي) حول تحديد كنهة العدو الاستراتيجي للغرب.. فربما يذكر التاريخ أنه كان نقطة البدء في (فك) التحالف الاستراتيجي بين جانبي الأطلسي.. أو قل: في (استقلالية) أوروبا. إذ من البديهي, أن (الاستقلالية) في تحديد الأعداء الاستراتيجيين, والتي عادة ما تبدأ بالاختلاف حول تحديدهم و كيفية مواجهتهم, قد تكون إحدى أهم الخطوات نحو (استقلالية السيادة). ذلك على أية حال, ما يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية باتت تتوجسه وتبدي تبرمها منه, وهي ترى أوروبا تسعى مستفيدة في ذلك من تجارب المواجهات البلقانية, وقصورها عن معالجتها, الى انشاء قوتها العسكرية التدخلية الخاصة بها, أو الى تنظيم نفسها لتكتل داخل (حلف الناتو) يقاوم زعامة واشنطن له. وربما ذلك, في الوقت نفسه ما يشير الى الاستهداف الأمريكي, الجيوسياسي, في (تطويع) صربيا لاتمام السيطرة على البلقان, وذلك كمقدمة للانطلاق نحو منطقة القوقاز وآسيا الوسطى, التي تعني السيطرة عليها: (السيطرة على العالم بأسره), حسب تعبير بريجنسكي في كتابه: (رقعة الشطرنج). كاتبة مصرية