تلعب الخلفيات التاريخية والمفاهيم التوارتية المحرفة دورا اساسيا في تشكيل الحركة الصهيونية واساليب عملها بما في ذلك اسلوب التفاوض الاسرائيلي في المراوغة والتسويف. لذلك علينا ان نقرأ التاريخ, ان نفهم البعد السياسي والايديولوجي للحركة الصهيونية منذ نهوض (عزرا) وكتبة التوراة الآخرين, او منذ ان جدد ميلادها (تيودور هرتزل) حيث يقول احدهم: (لقد كنا يهودا لمدة ثلاثة آلاف سنة لأنه لم يكن بوسعنا ان نكون شيئا آخر, ولأن قوة جبارة تربطنا بالديانة اليهودية, وتفرض نفسها على قلوبنا ولأن الديانة اليهودية تعيش فينا جنبا الى جنب مع جميع الغرائز الطبيعية التي تنمو في الانسان منذ ساعة ولادته) . ومن اجل وضوح الرؤية في السياسة التفاوضية الاسرائيلية الصهيونية مع العرب, يجب ان يدركوا كيف تتلاعب بالألفاظ ولا تعبأ بالمجتمع الدولي وقرارات الامم المتحدة وهي تدرك انه زمن ينهزم فيه العرب كل يوم ألف مرة, وهم خارج التاريخ منذ ألف سنة. لم يكن واقع العرب بعيدا عن انظار الصهيونية العالمية يوم بدأت تتهاوى الامبراطورية العثمانية نحو السقوط, وعندما سادت اوروبا والدول المتنافسة لهجة الرجل المريض, ولم تأت مقررات مؤتمر (بال) عبثية عشوائية, ولا الدروس البليغة التي ألقاها رجال الفكر الصهيوني والقادة المؤسسون إلا من خلال دراسة معمقة ورحلات استكشافية باسم الاستشراق. ولم يكن بوسع العرب ان يدركوا ابعاد وعي (بن غوريون) للصهيونية وهو يقول: (ان الصهيونية تستمد وجودهاوحيويتها وقوتها من مصدر عميق عاطفي دائم مستقل عن الزمان والمكان وقديم قدم الشعب اليهودي هذا المصدر هو الوعد الالهي والامل بالعودة) . ومتى كان بإمكان الصهيونية ان تنجح وتحلم بالعودة لولا هزيمة العرب والمسلمين؟ واية عودة وهل يهود الخزر والقفقاس هم من اصل عربي؟ ان الصهيونية تعيش سياسة المراحل في حياتها التاريخية, فمن دون العودة الى عمق التاريخ. ومن خلال نظرة سريعة خاطفة منذ الخامس عشر من مايو 1948 الى المذابح التي قامت بها وفي كل مذبحة تتقدم فيها شبرا شبرا, فتهدم البيوت وتقتلع الاشجار وتبني مستعمراتها حول المدن الفلسطينية وفي قلبها, وحول القدس وتطويقها, وبيت لحم والخليل, وكل مكان مقدس يخص العرب وفيه نفس اسلامي. ان جميع دول العالم تعلق مصوراتها الجغرافية بحدود واضحة الا دولة الكيان الصهيوني التي ترفض ان ترسم حدود كيانها المغتصب مع العرب, فماذا يعني ذلك؟ وأي معنى اذن للتفاوض؟ وأي هدف يمكن ان يحققه السلام مع كيان قام على العدوانية والخداع؟ لقد ابتعدنا كثيرا عن فهم اسباب قوة العدو وفي كيفية تحقيق اهدافه, ولم نستوعب حتى اليوم ان طريقة تأسيس الدولة العربية القطرية شيدت على اساسات من الخطأ ناهيك عن عجزنا في وعي الديمقراطية وطرائق تحققها على طول الوطن العربي وتجاهل النظام العربي والمفكر والباحث معا للسؤال المستحيل لماذا نجحت الصهيونية فأسست كيانها ليس بالموقع الجغرافي فحسب, بل التصنيع والتقنيات والتكنولوجيا والمعلوماتية وكل تفرعات الثورة الصناعية والاجتماعية والسلطوية في تحقيق الديمقراطية في تداول السلطة والتعددية السياسية؟ اذن كيف لنا ان نجلس على طاولة التفاوض والبون شاسع في الفهم والوعي للتاريخ. اذن اي تفاوض امام الاستحياء التاريخي لأمة لها تاريخ حضاري عريق غرفت البشرية كلها من منابعه؟ ان دولة الكيان الصهيوني يستحيل ان تتحمل الوجود الفلسطيني, وهي تخشى ان تتفتق العبقرية الفلسطينية عن سلاح قد يكون المدفع العملاق ليمتد بين غور الاردن وتل ابيب. وإلا هل ينسى الانسان الذي هدم بيته قبل ايام او وقف ينظر الى شجرات منزله تقتلعها آلة الاجرام؟ ان الصراع بين العرب والاسرائيليين هو صراع تاريخي وفكري, واذا كان الفكر العربي يعيش واقعا مأزوما, فإن النهوض ودفن التخلف وتجاوز الجهل والقهر.. من حتميات الشعوب. * باحث سوري