تناول الاقتصاد الاسرائيلي بالبحث لا يمكن ان ينفصل عن الصهيونية كحركة عنصرية واستعمارية واستيطانية حيث تم الاعتماد على حركة الاستعمار العالمي والدعم الاستعماري من قبل وعد بلفور مرورا بالانتداب البريطاني حتى الدعم الامريكي الكامل والعلاقات الاستراتيجية. بالاضافة الى دعم المال اليهودي في العالم ودعم الرأسمالية العالمية والنظم الغربية لذا كان طبيعيا ان يعتمد الاقتصاد الاسرائيلي على ثلاثة محاور رئيسية: اولها الاعتماد على حركة الاستعمار العالمي, وثانيها المال الاجنبي الاوروبي ـ الامريكي ـ اليهودي, وثالثها مركزية الدولة الاسرائيلية في توجيه الاقتصاد. ومع مرور السنوات عبر الاقتصاد الاسرائيلي فترة التقشف والتأسيس من عام 1948 حتى عام 1954 وفترة النمو السريع من 1954 حتى 1972 ثم فترة التضخم والكساد من 1973 حتى 1985 وما بعدها والاخيرة جاءت مواكبة لمتغيرات دولية كبرى كان من اهمها انهيار الاتحاد السوفييتي وسقوط حلف وارسو وما تبعه من انفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على النظام العالمي ـ ولو مؤقتا ـ ونجاح العالم الرأسمالي في فرض نموذجه على معظم بلدان العالم عبر مؤسسات التمويل الدولية, والعلاقات غير المتكافئة بين تلك الدول وبلدان العالم الثالث. وكان على رأس المتغيرات الاقليمية حرب الخليج الثانية وانعقاد مؤتمر مدريد وما يترتب عليهما من تغلغل التسوية في المنطقة (اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ـ اسرائيل والاردن ـ المفاوضات السورية اللبنانية ـ الاسرائيلية) وقبل ذلك كامب ديفيد. وهكذا ضمنت اسرائيل خلو المنطقة من اي مفاعيل للقوة بعد تصفية قوة العراق وتقييد مصر ووجود الولايات المتحدة الامريكية في منطقة الخليج. بعد كل ما سبق كان لابد من تقديم مشروع جديد للمنطقة حتى تتم اعادة ترتيب الادوار والمصالح والاولويات وحتى الاعداء والاصدقاء. المشروع الشرق أوسطي هنا جاء المشروع الاسرائيلي للنظام الاقليمي الجديد والمعبر عن المصالح المشتركة بين الرأسمالية العالمية واسرائيل, ذلك المشروع الذي انطلق من رسم ملامح الدور المتفوق لاسرائيل في المنطقة والذي يستند على امتلاك السلاح النووي والتحالف الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة, والتحالف الاستراتيجي بين مصالح الاقتصاد الاسرائيلي والاقتصاد الرأسمالي المعتمد على اعطاء اسرائيل وسلعها صفة (الاختراق المميز) دون منافسة من السلع الاوروبية والامريكية في المنطقة, بدلا من مزاحمة المنافسة في اوروبا وامريكا للسلع الاسرائيلية من جانب سلع متعددة الجنسيات, بالاضافة الى امتلاك اسرائيل القوة العسكرية التقليدية التي تتفوق على العرب بضمان الولايات المتحدة الامريكية والمؤسسات العالمية. تلك هي ملامح وثوابت خريطة المنطقة (الشرق اوسطية) التي عبر عنها شيمون بيريز بقوله: في 1948 انشأنا دولة لنتمكن من العيش في منطقة معادية, وفي عام 1992 علينا ان نبني منطقة تتيح لكل دولة بما فيها نحن ان تعيش بسلام. وليس السلام بحد ذاته هدفا, وانما وسيلة مرحلية لهدف اعلى هو ايجاد العصر الذهبي الاسرائيلي, لذلك يطرح نظام للأمن والتعاون في الشرق الاوسط. وعلى اساس ان الشرق الاوسط منطقة مفتوحة من الناحية الاقتصادية. ويكشف بيريز عن طموحاته للاقتصاد الاسرائيلي قائلا في نوفمبر 1992 بصحيفة (دافار) : الشرق الاوسط يستورد سنويا اغذية طازجة بمبلغ 32 مليار دولار. هذه الاغذية يمكن انتاجها في المنطقة. ايضا ان نسوق بضائعنا في الشرق الاوسط لا ان نتنافس مع شركات اجنبية على السوق الاوروبية, ان اسرائيل اضطرت الى دخول الاسواق الاوروبية والامريكية ومنافسة ارقى الصناعات في حال المقاطعة العربية. وفي 28 نوفمبر 1992 (دافار) يقول بيريز (تدفق في العقد الاخير 700 مليار دولار لغايات البناء, اي مشاريع الاعمار لصناديق شركات اجنبية, ويمكن ان تقوم بهذه الاعمال (شركات محلية) ويضيف حول السياحة: (ان الشرق الاوسط يزوره مليون ونصف مليون سائح رغم وجود آثار جذابة مثل الاهرامات, بينما اسبانيا يزورها 50 مليون سائح من هنا فإن الشرق الاوسط المفتوح بلا حدود ووفق الخطط الاسرائيلية سوف يزوره على الاقل 50 مليون سائح سنويا) . ويضيف: (ان الخليج يستورد سلعا بقيمة 40 مليار دولار, وانه بواسطة التقنية الاسرائيلية والمال العربي يمكن سد حاجات هذا السوق) . ولم يكن ذلك بعيدا عن رؤية الولايات المتحدة الامريكية التي عبر عنها وارين كريستوفر في 21 سبتمبر 1993 قائلا: (وهذا الشرق الاوسط الجديد مرتبط بضرورة وجود قيادة امريكية للعالم في تلك المناطق الحيوية لمصالح الولايات المتحدة مثل الشرق الاوسط) . بالاضافة الى سعي الدبلوماسية الامريكية منذ حرب الخليج الثانية الى اقناع الاطراف العربية بتزامن التفاوض حول الارض مع مفاوضات التطبيع, واطلق على الاولى المفاوضات الثنائية المباشرة. والثانية المفاوضات متعددة الاطراف الاقليمية. والأولى تستند الى الارض مقابل السلام, والثانية تستند الى اجراءات بناء الثقة بين اطراف الصراع, ولذلك كان غرض الاولى توقيع معاهدات اتفاقات الحدود ونهاية الحرب وتقنين القوة المسلحة والانذار المبكر.. الخ, اما الثانية فكان غرضها بناء ونسج شبكة من المصالح المشتركة وخلق شرائح اجتماعية تعمل على تثبيت السلام وتبني وتؤسس لمفاهيم اتفاق السلام وتعمل على نفي مفردات الصراع. وعن ذلك يقول الملياردير اليهودي الامريكي الجنسية والمنشىء لمركز آرمند هامر المتخصص في مجال اعداد ابحاث حول التعاون الاقتصادي في الشرق الاوسط: (الشرق الاوسط مثخن بالصراعات الدينية والثقافية والاثنية, ومثخن كذلك بالعنف الذي يرافق هذه النزاعات في احيان كثيرة. في الوقت ذاته تتوافر في المنطقة موارد ضخمة وطاقة كامنة كافيتان لتأمين ازدهار اقليمي متنام ويدعم ذلك وفرة قوة عاملة ضخمة وكيماويات وخامات ومياه غير مستغلة لاغراض التنمية الزراعية, هذا اضافة لسهولة الحصول على تكنولوجيا متطورة وتوافر رأسمال تراكم عبر السنوات لدى البلدان المنتجة للنفط) . ايديولوجيا السلام وقد قام هذا المركز (آرمند هامر) بدور كبير في رسم ايديولوجيا السلام! ليتم ترويجها في العالم وعلى وجه الخصوص لدى اوروبا وامريكا والمنطقة كما قدم مشروعات ودراسات جدوى لتكون في يد المفاوض وصانع القرار الاسرائيلي وقد استندت تلك الرؤية ـ الايديولوجيا على عدة محاور: * المحور الاول: التعاون الامني بعد تثبيت الاختلال في ميزان القوى. ويقوم الجانب الاسرائيلي بالترويج لأثر المصروفات العسكرية الناتجة عن الحرب والصراع على الاقتصاد والتطور في المنطقة, وهو بالتأكيد اثر سلبي ومشوه للنمو, حسب الرؤية الاسرائيلية التي تعمل على اسناد اهدافها من هذا التعاون. وانطلاقا من ذلك يطرح بعض الاستراتيجيين الاسرائيليين مفهوم (التعاون الامني) بين اسرائيل والدول العربية بمضمون يملي على الاطراف العربية الالتزام بأمن اسرائيل, بعد ان يكون قد تم التعهد عبر المعاهدات والاتفاقات المعقودة بين اسرائيل وكل طرف عربي وبضمانات دولية بالعمل على تقنين ادوات القوة العسكرية. وعن ذلك يقول مارك هيلر (من مركز جافي للدراسات الاستراتيجية): (ان منطق اللاتكافؤ او اللاتوازن اكثر الحاحا في وضع الشرق الاوسط مما هو عليه في اوروبا لان اجراءات الامن التعاوني ستنفذ في الشرق الاوسط ليس على اساس الوضع الاقليمي القائم كما كان الحال في اوروبا.. بل على اساس تقليص ما للسيطرة الاسرائىلية على مقدرات جغرافية ـ عسكرية في الضفة الغربية والجولان. وبتعبير آخر: يترتب على الربط بين السياسة والامن مخاطر امنية غير متوازنة لاسرائيل, ولذا فإن على هذه المخاطر ان تنعكس في اجراءات ضبط تسلح غير متوازنة) . ويوضح الخبير الاسرائيلي ذلك في بحثه المعنون بـ: (The Arab-Israeli Search For Peace) والمنقول من بحث الاستاذ جميل هلال المنشور في مجلة (السياسة الفلسطينية) العددان السابع والثامن 1995 والمعنون بـ (صناعة ايديولوجيا السلام في اسرائيل) بالامثلة التالية: 1ـ ينبغي ان يحكم اي مناطق تتخلى عنها اسرائيل ـ في اطار تسوية سياسية ـ مزيج من التواجد الاسرائيلي العسكري, واقامة محطات انذار مبكر, وغياب للقوات العربية. 2ـ ينبغي على اي قيود جغرافية اخرى تخص نشر القوات العسكرية ان تكون متبادلة, ولكن عليها في الواقع الممارس ان تكون غير متوازنة حتى تعكس غياب العمق الجغرافي لاسرائيل (وهو مبدأ تم اعتماده في معاهدة السلام المصرية ـ الاسرائيلية). 3ـ ينبغي تحويل وبشكل نهائي جزء من التشكيلات العسكرية العربية القائمة من تشكيلات جاهزة الى تشكيلات احتياطية تقليصا لاحتمالات شن هجوم مباغت. * المحور الثاني: في رؤية اسرائيل للسلام هو التعاون الاقتصادي والعلاقات غيرالمتكافئة وينكشف من خلال الدراسات الصادرة عن مراكز البحوث الاسرائيلية وفي القلب منها (آرمند هامر) ان هناك تبريرا نظريا لتفسير اعطاء اهمية كبرى للبعد الاقتصادي في علاقات التعاون الاقليمي, يتأتى من الخشية ان تشكل القضايا الاقتصادية عقبات امام تطبيع العلاقات السياسية. ويطرح هنا كمثال ندرة المياه في اسرائيل والاراضي الواقعة تحت السلطة الفلسطينية وما سوف يسببه ذلك من توتر بالاضافة الى ان النجاح في تشكيل شبكة من العلاقات الاقتصادية بين الاطراف المتصارعة يعني خلق مصالح اقتصادية مشتركة لشرائح اجتماعية من الطرفين ذات استمرارية وتواصل, مما يخلق آلية الدفاع الذاتي عن السلام بين الاطراف المتصارعة. واخيرا فلابد من مبدأ التعويض الاقتصادي عن التنازلات السياسية, مثلما حدث في النص على توريد البترول بأسعار خاصة من مصر لاسرائيل (اتفاقية كامب ديفيد وملاحقها) ومثلما يحدث الآن في مفاوضات سوريا ـ اسرائيل بشأن طلب التعويضات المالية المقدرة بما هو اكثر من 20 مليار دولار من الولايات المتحدة الامريكية, ناهيك عن تفاصيل وشروط التعاون الاقتصادي. وعن ذلك يقول جدعون فيشلزون ـ المنسق العلمي لصندوق آرمند هامر, والمشارك في عدة لجان اسرائيلية متخصصة: (ان السلام الذي يتلوه قيام تعاون اقتصادي اقليمي هو افضل طريق. وعلى الارجح هو الطريق الوحيد, ليعاود الشرق الاوسط النمو الاقتصادي ويعوض عن الخسائر التي لحقت به خلال الاعوام الخمسة والاربعين الاخيرة نتيجة الحرب وحالتها) . * المحور الثالث: نظام اقليمي جديد يتمركز حول اسرائيل تستلهم فيه اسرائيل النموذج الاوروبي للاندماج الاقليمي في رسم معالم النظام الشرق اوسطي الجديد, عبر التدرج الزمني والاجرائي في تخليق شبكة من المشروعات التعاونية بين دوائر جغرافية وسكانية داخل الجغرافيا العربية, حيث ان وجود حدود مشتركة مفتوحة يشكل حافزا للتجارة والسياحة مما يساهم في تحويل الحدود المتصادمة والملتهبة بين بعض البلدان العربية واسرائيل الى حدود رخوة حاضنة للعيش الرغد والاستهلاكي. مركزية اسرائيل تتشكل دوائر النظام الاقليمي الجديد من الدائرة (أ) الداخلية التي تشمل اسرائيل, الاردن, لبنان, الكيان الفلسطيني, سوريا. وتبلغ مساحة هذه الدائرة الداخلية حوالي 118.718 ميلا مربعا, وعدد سكانها 28 مليون نسمة عام 1995. ودائرة وسطى (ب) وتشمل كلا من مصر والعراق والسعودية وتبلغ مساحتها 1.384.580 ميل مربع وعدد سكانها حوالي 101 مليون نسمة عام 1995. ودائرة (ج) خارجية وتشمل ايران ودول الخليج والسودان وتركيا. ومن الملاحظ على تشكيل وترتيب تلك الدوائر ان اسرائيل في مركز كل منها, وذلك من خلال قراءة المشاريع الاسرائيلية المقدمة عبر التعاون الثنائي والمتعدد والمؤتمرات الاقتصادية للشرق الاوسط وشمال افريقيا كما ان تقسيم الدوائر الثلاث قد راعى اولا فصل مصر عن مجالها الحيوي في اسيا والتوظيف الكامل لأموال النفط والموارد الاولية والتكنولوجيا الاسرائيلية وتكامل حلقات الانتاج, بالاضافة الى ان الدائرة الاولى هي بمثابة قوة الدفع الاسرائيلية للدائرتين الثانية والثالثة. وهكذا تنتظم اسرائيل في قيادة المنطقة بفاعلية انطلاقا من مركزية دورها التخطيطي والتوجيهي والعسكري والنووي والتكنولوجي المستند على علاقات استراتيجية ومميزة مع الولايات المتحدة واوروبا والمؤسسات الدولية للدعم المالي ورسم السياسات. وعند ذلك يقول دوري جولد وهو من كبار الباحثين من مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل ابيب, في مقابلة مع جريدة (الاهرام) اجرتها اميرة حسن بتاريخ 7 ديسمبر 1993: (لكل دولة في المنطقة مميزاتها فمصر تتمتع بكثافة سكانية ومنطقة جغرافية واسعة, وسوريا ايضا تمتاز باتساعها الجغرافي وكثافتها السكانية اكثر من اسرائيل. وتكون المحافظة على التوازن العسكري لدولة صغيرة كاسرائيل عن طريق المحافظة على التفوق العسكري, بمعنى الحصول على تكنولوجيا متطورة تعطى لها كتعويض عن النقص العددي وصغر المساحة الجغرافية) وعن ذلك يقول ايضا جدعون فيشلزون: (ليس على الحكومات العربية ان تفعل اكثر من ان تعلن ان علاقتها باسرائيل لاتختلف عن علاقاتها بأي دولة اخرى, والالتزام بهذا الاعلان. وحتى تظهر نيتها الحسنة يجب ان تزيل جميع الحواجز التمييزية, وخصوصا اجراءات المقاطعة العربية التي تقف عقبة على طريق تطبيع العلاقات الاقتصادية مع اسرائيل, واذا كانت هذه الحكومات جاهزة حقيقة للعمل من اجل السلام, فعليها ان تخطو خطوة اخرى بحيث تمنح جميع دول الشرق الاوسط بعضها بعضا مكانة الدولة الاكثر رعاية) . * كاتب مصري استراتيجية اسرائىل الاقتصادية للتعاون الاقليمي بعد السلام (2 ـ 2) بقلم: أمين اسكندر * ان قراءة المشروعات المقدمة من اسرائيل والصادرة عن مراكز البحوث الاستراتيجية الموجودة بها, تكشف عن ان تلك المشروعات تم تقسيمها على محاور ثلاثة هي: مشاريع لبناء وتطوير البنية التحتية والمرافق العامة في مجالات المياه والطاقة والمواصلات والاتصالات والغرض منها بوضوح مركزية اسرائيل في تلك الشبكة الرابطضة في الشرق الاوسط, وتمهيد ارضية التعاون الاقليمي, ولعل تناولنا لبعض تلك المشروعات يكشف عن ذلك, فهناك على سبيل المثال: (التعاون الاقليمي في مجال تطور البنية الاساسية للنقل في الشرق الاوسط) ونكشف عن شبكة الطرق المزمع تنفيذها متلازمة مع بدء السلام واتفاقياته ومعاهداته, وذلك من خلال دراسة صادرة عن مركز (آرمند هامر) تحت عنوان (البنية الاساسية للنقل في الشرق الاوسط) وفيها ما نصه: (في ظل ظروف السلام الكامل سيصبح من الاهمية بمكان اعادة بناء شبكات الطرق مما يدعم العلاقة بين دول المنطقة بروابط البنية الاساسية وتطور العلاقة التجارية بين الشرق الاوسط والعالم, كما انها ستنشط حركة المسافرين داخلها بما لذلك من اهمية جوهرية) . ويقدم البحث اولا الطرق بين مصر واسرائيل وكلفة الاصلاح او التأسيس مثل شبكة الطرق التي صممت خصيصا للمتطلبات العسكرية, وهذه الشبكات تمر عبر شمال سيناء من خلال ثلاثة طرق رئيسية تربط البلاد: الطريق الشمالي ويمر بطول الساحل من القنطرة عبر العريش ويستمر شرقا 40 كم من طوله الاجمالي الذي يبلغ 200كم يحتاج الى اصلاح بتكلفة اجمالية تصل الى 18 مليون دولار بأسعار 1984 وهناك الطريق المركزي الذي يمر من الاسماعيلية عن طريق بير جفجافة وفيه حوالي 76كم من القطاع الشرقي يحتاج الى اعادة تجهيز بتكلفة 30 مليون دولار, وهناك الطريق الجنوبي (سوس ـ نخيل ـ ايلات) ويمر عبر طريق الحج القديم وهذا الطريق طوله 258كم وفيه حوالي 120 كم تحتاج الى تمهيد مع ان الطريق في هذه المنطقة يمتد عبر تضاريس قاسية قد لا تتحمل حتى مجرد حركة المرور البسيطة دون تمهيد, ولكن الجزء الباقي 15 كم من (تزيون) الى (ايلات) في حالة ممتازة ومع ذلك فإن هذا الطريق هو الطريق الرئيسي للنقل بين مصر والاردن ومن هناك الى السعودية وهناك جزء جديد سوف يشيد عابرا ايلات الى اسرائيل. كما ان هناك دراسات شملت شبكة الطرق بين الاردن وفلسطين واسرائيل مثل ـ طريق اشدود ـ القدس ـ عمان, طريق غزة ـ اشدود ـ القدس عمان, طريق حيفا ـ عمان. كما تمت دراسات للنقل بالسكك الحديدية بين مصر واسرائيل والاردن وفلسطين وسوريا ولبنان بالاضافة الى دراسات تمت عن انابيب النقل والنقل الجوي والتي عن طريقها يتم نقل الغاز والبترول والامونيا, والبشر والسلع من خلال الطيران, ناهيك عن دراسة حركة الموانىء على البحر المتوسط وتكامل ادوارها مع دراسة احتياجات العراق والاردن كذلك وتكشف لنا دراسة تلك الشبكات عن مركزية الدور الاسرائيلي عبر البدء به والنهاية عنده في تخطيط تلك الطرق والخطوط. تقاسم المياه كما تم تقديم دراسات في مجالات المياه والطاقة (نفط, غاز, كهرباء) والاتصالات السلكية واللاسلكية, والتعاون الثنائي في صناعة النسيج وتحلية المياه والالكترونيات, والتعاون الاقليمي في السياحة وغير ذلك من المشاريع التي تؤسس للشرق الاوسط الجديد وتفرض السلام وتنشىء له مدافعين عنه, وتساعد في قيادة اسرائيل للمنطقة. وتكشف لنا شبكة المشاريع المائية المقدمة من قبل اسرائيل عبر دراسة صادرة عن صندوق آرمند هامر عام 1993 تحت عنوان (المياه والسلام) ان العوامل السياسية والجغرافية (في الشرق الاوسط) تملي ضرورة ان يتضمن اي اتفاق سلام بندا بشأن المشكلة المائية. وتنطلق رؤية اسرائيل للمشكلة المائية في المنطقة من عدة عناصر, اولها تضمين الاتفاقيات والمعاهدات المعقودة بين اسرائيل والاطراف العربية في الصراع العربي ـ الاسرائيلي نصوصا عن التعاون في الموارد المائية. وثانيها الحل الاقليمي بين دول المنطقة الشرق اوسطية في ظل وفرة المياه في بعض البلدان وشحها في بلدان اخرى. وثالثها فلسفة اعادة توزيع المياه عبر المشاريع الاسرائيلية. وباعمالها لتلك العناصر تقدم اسرائيل مشاريعها بشأن: 1ـ مصر حيث ترى اسرائيل ان مصر لا تستفيد من مياه نهر النيل والسد العالي وهي ما زالت تستورد المواد الغذائية. وانطلاقا من ذلك المفهوم تقترح الابحاث الاسرائيلية ادخال تغييرات جذرية على تقنيات الري والزراعة, مما يوفر المياه وتطرح اسرائيل مشروعات للتعاون الثنائي يقوم على استغلال الارض والمياه كموردين مصريين وداخل ارض مصر نفسها, كما تقدم مشروعا لنقل مياه النيل باتجاه اسرائيل, وتقترح شراء مياه من النيل ونقلها الى غزة او اسرائيل او الضفة او الاردن عبر اسرائيل. وبحسب المشروع الاسرائيلي فإن كمية المياه المطلوب نقلها لا تتعدى الواحد في المئة من المياه المستهلكة, وهي كمية غير مستهلكة اصلا ويمكن نقلها اقتصاديا الى غزة والنقب الاسرائيلي, كما يقترح المشروع الاسرائيلي تبادل المياه بين مصر ـ عبر نقل المياه من النيل ـ الى اسرائيل عبر النقب, في مقابل نقل المياه من بحر الجليل الى الضفة الغربية وربما الاكثر جدوى نقل مياه النيل الى النقب ونقل ماء من بحر الجليل الى الاردن (مشروع قناة الغور). 2ـ اما بشأن مشروعات المياه بين اسرائيل والاردن فتقدم المشروعات الاسرائيلية مشروعا للتعاون التام في ادارة الاحواض المائية المشتركة (نهري الاردن واليرموك) وتخزين فائض مياه اليرموك في بحيرة طبرية, بالاضافة الى تقديم دراسة لمشروع نقل مياه من البحر الاحمر او الابيض المتوسط للبحر الميت, كما يتم طرح مشروع لربط البحر الاحمر بالبحر الميت, وتقدم اسرائيل مشروعها للتعاون المائي بين لبنان واسرائيل, وفيه تقترح مشاريع مشتركة لاستغلال مياه نهر الحاصباني وذلك بغرض انتاج الكهرباء وتحويل مياه من حوض الليطاني الى بحيرة طبرية. كما تقدم مشروعها بين سوريا واسرائيل, والضفة وغزة واسرائيل. وهكذا نجد من تلك المشروعات ان اسرائيل هي نقطة البداية في شبكة المياه المقترحة من قبلها, وهي المستفيدة من كل المشروعات الثنائية والجماعية, ولا يجب ان ننسى انها المغتصبة لفلسطين, وهي الان تقدم نفسها في المنطقة كقائد لها وموظف لامكانياتها!! وعن ذلك يقول يوسي بيلين المنظر الاخر للشرق اوسطية والتعاون الاقليمي ما نصه: (نتصور قيام تعاون من اجل ايجاد الكمية المطلوبة من المياه, وستتيح الادارة المائية الاقليمية الاستخدام الاقصى للموارد المائية المتوافرة بحسب الحاجات المختلفة للجميع. وسنعمل على زيادة تلك الكميات باستخدام تكنولوجيات متقدمة لتوفير مياه كافية لسد طلبات سكان المنطقة. ان هدفنا هو امتلاك القدرة على توفير المياه وفق الطلب للجميع بحسب حاجاتهم الاقتصادية. وسنقوم في المرحلة الاولى بتدعيم القدرة الراهنة على التخزين, وحماية الموارد المائية القائمة. وستقوم دول المنطقة بتكرير مياه المجارير لتحويلها الى مياه صالحة للشرب, وستجدد انابيب المياه, وتوسع الابحاث العلمية بشأن مصادر المياه المحتملة, وسنكون في المرحلة الثانية قادرين على تحلية كميات كبيرة من المياه ونقلها. ويشكل هذا ثورة في الشرق الاوسط. التوزيع الاقتصادي كما ان اسرائيل تقدم دراسات جدوى لمشاريع اقتصادية قطاعية, وهي اقامة منطقة سياحية حرة على البحر الاحمر (ريفيرا البحر الاحمر) , وانشاء مركز طبي اقليمي شرق اوسطي, ومشروعات مشتركة بين كل من اسرائيل ومصر في النسيج والاسمنت والاسمدة وتكرير البترول, والمشروعات مشتركة بين اسرائيل وفلسطين والاردن وسوريا ولبنان في السياحة وزراعة الخضار والمنسوجات. ويهمنا هنا ان نشير لمشروع (ريفيرا البحر الاحمر) , وتستند هذه الفكرة على التعاون والربط بين الدول الواقعة على البحر الاحمر, وبالتالي اختراق الحدود وتذويبها عبر اختيار منطقة تمنح تسهيلات تشجعيا لنشاط رأسمالي مكثف مما يتيح خلق شرائح اجتماعية لها مصلحة على حدود الدول التي سوف تقام عليها تلك الريفيرا, ويتم تحويل الشاطئ الى منطقة واحدة تؤسس فيها المؤسسات المشتركة وتجلب لها السياح بالتخطيط المشترك بل الواحد من قبل الدول المشاطئة للبحر الاحمر, وهكذا تؤسس حياة مشتركة وتصير الحدود تواصلا وليس انقطاعا. ويقترح المشروع ان تقام (الريفيرا) على ساحل طوله 50 كم حتى الحدود السعودية موزعة كالآتي: 12 كم من الساحل المصري, و 12 كم من الساحل الاسرائىلي, و 24 كم من الساحل الاردني. ويترافق مع هذا المشروع بناء ميناء داخلي مشترك اردني ـ اسرائيلي بديلا عن العقبة وايلات لضمان ساحل طوله 50 كم خال من التلوث. ووفق المخطط الاسرائيلي المقترح, فإن طاقة الاستيعاب للريفيرا ستكون حوالي 100 الف شخص, وستوفر منطقة ايلات ـ العقبة ما يقدر بعشرة ملايين يوم سياحي من الدرجة المتوسطة والراقية, ويتضمن المشروع محافظة كل دولة مشاركة على سيادتها على ارضها المشاركة بها, على ان تتنازل عن جزء من تلك السيادة لصالح حرية السائح في تجوله بتلك المنطقة الحرة. خلاصة تلك المشروعات هي بناء الدور المميز والاول لاسرائيل في المنطقة, انه الدور الاقليمي الاول الذي يجعلها تندمج في المنطقة بشرط القيادة المستمدة من تطور اقتصادها وارتباطه بالاقتصاد الرأسمالي وبالمؤسسات الدولية التي تعمل الان على صياغة اقتصاديات المنطقة عبر الخصخصة واعادة الهيكلة لصالح اندماجها في الاقتصاد الرأسمالي. وهكذا نجد ان الاقتصاد الاسرائيلي الذي بدأ مع مشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين وارتبط بالدعم الامريكي والاوروبي والمال اليهودي في العالم واستند على الاستعمار القديم والجديد, بل وكان نبتا طبيعيا للظاهرة الاستعمارية, هو نفسه الرسم للهيمنة والدور المركزي في المنطقة فيما يسمى بمرحلة السلام, وذلك عبر كافة المشروعات المقدمة من اسرائيل في المفاوضات الثنائية ومشروعات التطبيع والمفاوضات المتعددة والمؤتمرات الاقتصادية المنعقدة والتي سوف تنعقد تحت مسمى (الشرق الاوسط وشمال افريقيا) (الدار البيضاء, عمان, القاهرة, الدوحة) والتي قدمت فيها مشروعات دقيقة من جانب اسرائيل ومصر والاردن والخليج والمغرب تكشف كلها وبالذات المشروعات الاسرائيلية والاوروبية والامريكية والمؤسسات الاقليمية المقترح انشاؤها عن ان هناك خريطة لتقسيم العمل في المنطقة تهدف اساسا الى احداث تخصصات جديدة تتوافق مع طبيعة الاقتصاد الاسرائيلي. الموجه الفعلي ومن المفيد ان نؤكد على ان دور اسرائيل الاقتصادي المحتمل والمرشح في نظام اقليمي جديد هو الشرق الاوسط ليس مسألة اقتصادية بحتة, حيث ان الجانب الاقتصادي يعتمد على حد كبير على مضمون التسوية الرسمية التي ستتم بين اسرائيل والبلدان العربية, والتي ستحدد شكل العلاقات الاقتصادية المتبادلة, كما ان هناك مفاعيل اخرى سوف تؤثر في المعادلة الاقليمية المستهدفة, منها النشاط الشعبي والحزبي في مقاومة التطبيع, ومنها عدم قبول التعاون من بعض الرأسماليين المصريين والعرب, ومنها عدم استقرار المنطقة ونظمها. لكن من المؤكد انه بحسابات الربح سوف يكسب الاقتصاد الاسرائيلي نظرا لتميزه السلعي وفنية عمالته, وبالذات بعد الهجرات الهامة من الاتحاد السوفييتي السابق وعن ذلك يقول احد الباحثين العرب (مستشار اقليمي في قضايا التنمية لدى الاسكوا/ الامم المتحدة) في ص 40 من كتاب (استراتيجية اسرائيل الاقتصادية للشرق الاوسط) لمؤلفه جميل هلال: ان الغاء المقاطعة العربية لاسرائيل سيكون له اثر كبير على الاقتصاد الاسرائيلي من حيث: 1ـ تدفق ما نسبته 37% من صادرات اسرائيل الى الاسواق العربية مثل الاجهزة الزراعية, ادوات الري, المنتجات الكيماوية, ادوات الطباعة, المواد الطبية والبلاستيكية, الاسمدة والمبيدات, الحاسبات الالكترونية والمولدات الكهربائية. 2 ـ يقدر ان ما نسبته 24% من واردات اسرائيل يمكن ان يأتي من الدول العربية ويقدر ان اسرائيل ستوفر ما يعادل 10 ـ 11% من تكاليف نقل الواردات البديلة من الاسواق الخارجية, ويتوقع ان تشمل سلة الواردات الاسرائيلية: النفط, القطن, الحبوب, المواشي, الصوف, الزيوت النباتية, الارز, المعادن الخام, بعض الفواكه والخضروات. وتظل في النهاية حسابات الربح والخسارة وهي الموجه للفعل السياسي, لكن الاخطر بشأن مشروع الشرق الاوسط الجديد هو اعادة رسم خريطة المنطقة من جديد بحيث تسمح لاسرائيل بالدور الاقليمي الاول وبما يرتب تقسيما جديدا للعمل في المنطقة العربية. * كاتب مصري