كثيرا ما توقفنا عند السؤال حول العلاقة الايرانية العربية وخاصة الخليجية, وكان محور السؤال: كيف نكون بذلك القرب التاريخي والحضاري والجغرافي وبهذا الابتعاد السياسي بين ثقافتين تنتميان اصلا لحضارة واحدة؟ تتعدد الاجابات عن هذا السؤال, ولكن من الاجابات التي لفتت نظري كانت احدى اجابات وزير الثقافة الايراني عطاء الله مهاجراني عند زيارته للكويت قبل اكثر من شهر حيث قال: لقد اضعنا وقتا ثمينا بما فيه الكفاية في صراع الماضي فعلينا ان نعوضه الآن بعقل مفتوح. تعويض بعض ذلك الوقت الضائع قامت به مؤسسة ثقافية خاصة, هي مؤسسة عبدالعزيز البابطين حين دعت لمؤتمر ثقافي في بداية الشهر الحالي حضره اكثر من ثلاثمئة شخصية ثقافية وسياسية في طهران نصفهم تقريبا من العرب من مختلف انحاء البلاد العربية من المغرب الى الخليج مرورا بكل الفعاليات الثقافية, وكان السبب الرئيسي لذلك هو الاحتفاء بشاعر كتب بالفارسية والعربية هو سعدي الشيرازي, اما الاسباب الفرعية والمهمة ايضا فهي التقارب الايراني العربي وبشكل مباشر دون وسطاء, فمدخل الثقافة هو احد المداخل المهمة للعلاقات السياسية والاقتصادية. بعض المؤسسات العالمية حاولت ان تدخل هذا المدخل, فقد دعت جامعة كولومبيا الشهيرة في نيويورك الى عدة لقاءات بين مثقفين ورجال جامعات ايرانيين وعرب من دول الخليج في السنوات الاخيرة لاجل ما سمي وقتها بخطوات بناء الثقة بين الجانبين, وعندما التأمت هذه اللقاءات تبين للجميع ان العلاقات الحضارية بين الايرانيين والعرب ضاربة في جذور التاريخ وان ما علق بها هو قشور على السطح بشيء من العزيمة يمكن جلاؤها. لذلك فإن مبادرة مؤسسة البابطين هي مبادرة كسرت الحاجز بين قطاع واسع من المثقفين العرب والمثقفين الايرانيين هي المبادرة الاقرب والنابعة من تلمس اهل البيت لأهمية التقارب العربي الايراني وفائدته للطرفين. فمن المضلل فصل الثقافة عن الحضارة, فالحضارة هى اعلى تجمع ثقافي بين البشر واعرض من الهوية الثقافية فالحضارات هي (نحن الكبرى) ونلتقي كعرب مع الايرانيين وبقية المسلمين في حضارة جوهرها المشترك والعام هذا الدين الاسلامي, مع وجود تعدد في الهويات الثقافية المختلفة بين الايراني والعربي والاندونيسي, انه اختلاف في الفروع, ومن الظلم للحضارة الاسلامية كما هو ظلم لمصالح الشعوب التشديد على اختلاف الفروع وتناسي الاصول التي تجمع الكل, الهوية الاسلامية هي العنصر المشترك والدائم, وكل هوية في الحضارة الاسلامية اليوم بقدر قربها من الاصول الاسلامية هو قرب للعربية والعرب, ولعل هذا العنصر المشترك والدائم يظهر اكثر ما يظهر في اوقات الازمات الحضارية. تعود المنازعات الثقافية في الحضارة الواحدة لاحد امرين اما بسبب اختلاف المصالح او ما يظن انه كذلك, او اختلاف المفاهيم, فاذا كانت المصالح مسلما بتفوقها وفي بعض الاوقات باستقلالها عن التأثير المباشر للافراد, لأنها تأتي بأشكال مختلفة, اما هيمنة فئات داخلية ترى من مصالحها الفرقة, او تستجيب لضغوط خارجية اقوى منها تريد الهيمنة عن طريق الفرقة لرفع مستوى قواها التفاوضية تحقيقا لمصالحها, وهي في كل الحالات تتداخل مع شعارات عديدة وقد يكون بعضها خارج القدرة على التحكم. إلا ان اختلاف المفاهيم يدخل في حيز الممكن الثقافي وبمقدور اهل الرأي وأهل الاختصاص الخوض فيه وتصحيح المفاهيم المغلوطة وصولا لايضاحها, ومن ثم تعبيد الطريق للفهم المشترك الافضل. وقد استوقفني في هذا نص جميل لأحد منظري الثورة الايرانية الاسلامية الشهيد مرتضى مطهري فهو يخاطب قومه قائلا: اذا تقرر ان يكون الاساس في تعيين حدود الامة الايرانية هو العنصر الآري, كانت النتيجة في نهاية الشوط الاقتراب من العالم الغربي, وكان لهذا الاقتراب في سيرتنا القومية والسياسية تبعات وآثار اخطرها الانقطاع عن الامم المسلمة والمجاورة غير الآرية, والارتباط بأوروبا والغرب وعلى العكس فيما اذا جعلنا ملاك امتنا ونظامنا الفكري والسلوكي والاجتماعي لهذه القرون الاربعة عشر الاخيرة, اذ يكون لنا آنذاك مسيرة وتكاليف اخرى مغايرة, ويصبح العرب والترك والهند والاندونيسيون والصينيون بالنسبة الينا اصدقاء بل اقرباء. هذا الوعي المتقدم الذي قال به مطهري ردده من زاوية اخرى وبشكل معاكس صمويل هنتنجتون في كتابه الشهير (صراع الحضارات) حيث حذر من لقاء الاسلام مع الكنفوشية (الصين) عندها سيكون الغرب في وضع حرج! لا اريد ان اشارك هنتنجتون ومدرسته في هذا التوجه او ابعث شيئا من الشعور الجمعي بالخوف من الآخر والعداء له فهو اي هنتنجتون في الاقلية المؤمنة في الغرب بصراع من هذا النوع الذي يدعو اليه, اما الاغلبية فهي لا توافق عليه ان لم تكن تعارضه, ولكني فقط اشير الى رؤية مطهري الثقافية بعيدة المدى والخالية من النزوع الى التفرد, وعند وضع الفكرتين جنبا الى جنب تظهر مدى انسانية وعمق التفكير في هذه المدرسة الايرانية التي عبر عنها مطهري والتي اعتقد ان الرئيس محمد خاتمي ومدرسته في التفكير الثقافي تنحاز الى هذا النوع من التفكير, وهو ما يظهر جليا في تطبيق السياسة الخارجية الايرانية. هذا الجهد الذي بذل في اصلاح وتقويم المفاهيم من الجانب الايراني, بعد الثورة وعلى مستويات عدة لخلق وعي بمفاهيم جديدة تجاه العرب كشركاء في حضارة واحدة, لم يبذل مثله الا القليل من الجانب العربي, فبجانب عدد من الاقسام العلمية في بعض الجامعات العربية لم نهتم بما يكفي بالثقافة الايرانية, ولم نحقق اصلاحا وتعديلا للمفاهيم الخاطئة التي تراكمت عبر وسطاء لا تخلو مواقفهم من مصالح, فألقت بظلالها على الجوانب الاجتماعية والسياسية, واظهرت من النفور غير الموضوعي في بعض المعالم المشتركة, وغلبت علينا في كثير من الاوقات نزعة التشدد السياسي, وربما العرقي الساذج, بديلا عن محاولة الفهم والاستقصاء وبيان المشترك, ضاربين بعرض الحائط السنة التي استنها العالم .ان الدول لها من الحق في سياساتها الداخلية ما يتوافق عليه شعوبها وليس لاحد ان يفرض عليها ما تراه من اجتهادات, ولاشك من جهة اخرى ان هناك فئة اجتماعية في ايران لم يرقها هذا الاستعداد للتقارب بين الثقافتين فأرادت ـ بتكتيكات مختلفة تخريبية ـ ان تعطلها الا ان الموجة الاكبر والاكثر صحية في ايران اليوم تجاوزت زلات القصور وزلات المزايدة, فجاءت اطروحات الجسم الاكثر تعبيرا عن الشعب الايراني لتعزيز التقارب وتمتين الجسور, من فهمها الصحيح للمظلة الحضارية التي تجمع الثقافتين الايرانية والعربية, فهمهما للمصالح بعيدة المدى لشعوب المنطقة. وما فتئت السلطات الايرانية بعد الثورة لا تألو جهدا في تقديم الكثير من الجهود لمقاربة الثقافتين العربية والايرانية في حوض الحضارة الاسلامية فقد قامت بترجمة العديد من الكتب من العربية الى الفارسية كما تسابق الثقاة لترجمة القرآن الكريم ترجمة صحيحة ومدققة, وهنا يبرز دور مؤسسة البابطين الرائدة في بدء جسر التقارب الذي يحتاج الى تعزيزه جهودا مخلصة بين طرفي الجسر الايراني والعربي, خاصة على ضفاف الخليج الاقرب والاكثر اختلاطا وتفاعلا والاكثر تشابكا في المصالح المشتركة. تراكم اختلاف المفاهيم وسع الهوة بين الثقافتين, وخلق تنافرا اكبر من حجمه الحقيقي, وحول الاختلاف الى صراع, وهو الذي ضيع وقتا ثمينا في النهاية من التاريخ المعاصر بين العرب والايرانيين كما لاحظ وزير الثقافة الايراني, وعلى الرغم من تشابك الدائرة الحضارية الواحدة فإن ضبابية فهم الاخر وتضخيم نقاط الخلاف عن طريق تفسير المصالح الذاتية تفسيرا محدودا او مغيبا او غير مفهوم, عاشت المنطقة فترة من نزاع القوى السلبي, تحت التصور الخاطىء بتحقيق التفوق عن طريق هدم الاخر, اما الذي نتج عنه في النهاية فهو بروز اقوى الضعفاء, مما ترك آثارا شديدة التدمير على مسيرة التنمية, سواء بالانحراف في تخصيص الموارد او تبادل تصدير العنف, ولقد كانت الحرب العراقية الايرانية اوضح وافجع تجلياته. تلك المفاهيم التي اورثت الفرقة وتبادل الشكوك آن لها ان تصحح, وان يتصدى لها اولو العزم من اهل المعرفة والحكمة.