بدخول مفاوضات كامب ديفيد الثانية يومها الرابع عشر وعودة الرئيس الامريكي بيل كلينتون لمتابعة جهوده الرامية لانجاح هذه المفاوضات تتزايد مخاوف العرب والمسلمين جميعا حول ما ستسفر عنه المفاوضات الجارية ـ والتي طالت اكثر مما هو متوقع ـ بشأن مستقبل مدينة القدس المحتلة. ومبعث هذه المخاوف هو ممارسة الولايات المتحدة لضغوطها على الجانب الفلسطيني الذي بدا صامدا حتى الآن لانتزاع قبوله بالاقتراح الامريكي بتقاسم السيادة بين الفلسطينيين والاسرائيليين على المدينة المقدسة. وايا ما كانت الدوافع الامريكية لانجاح القمة وتمرير هذه الصيغة فإن هذا لا يعني الا شيئا واحدا وهو تكريس حالة التهويد للمدينة وابتلاعها, فالاقتراح الامريكي لا يتعدى كونه طبعة واخراجا امريكيا للصيغة التي ترضي رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك وعصابته الصهيونية التي تجيد فنون المناورة وتوزيع الادوار لانتزاع التنازلات التي تريدها في الوقت الذي تريده. فهل يصبح تحقيق مجد شخصي لكلينتون في نهاية رئاسته وانقاذ باراك من مأزقه السياسي على حساب مقدساتنا وثوابتنا نحن العرب والمسلمين؟ وهل يصبح ذلك مصير هذه المدينة المقدسة التي يشهد الحجر والبشر فيها بعروبتها واسلامها؟ ان تعبير اقتسام السيادة الذي تطرحه واشنطن وتباركه اسرائيل التي تتظاهر بالتمنع والرفض لا يعني الا ان ننسى نحن المسلمين والعرب تاريخنا وجذورنا الممتدة في هذه الارض لتفريغ القضية من مضمونها والتسليم بالأمر الواقع. وما لا يدركه الصهاينة ومن ورائهم واشنطن ان الافتئات على التاريخ وحقائقه لن يضمن تسوية في المنطقة ناهيك عن السلام, فالقدس ليست للبيع او التنازل او المقايضات ولن يتحقق السلام الحقيقي والعادل والشامل بدون تحريرها وتطهير ترابها من دنس الاحتلال ومحو آثار اقدام عصابات الهمج من المحتلين والمستوطنين الصهاينة. واية صيغة لا تحقق ذلك مهما بلغت درجات الترويج والاخراج الاعلامي او الاحتفالي لها بتسميتها سلاما لن تعدو ان تكون قنبلة موقوتة وحقول ألغام تنذر بالتفجر في وجه كل من وقع اتفاقا يطيل أمد الاحتلال ويسلب العرب والمسلمين واحدة من اقدس مقدساتهم.