هل كتابة قواعد عادلة للنظام المالي الدولي أمر ممكن؟ ربما كانت الاجابة الحاضرة لدى الكثيرين هي: - لا..! والى حد بعيد, فان الذين انبروا - قهرا أو اقتناعا - لتلك الاجابة كانوا واقعين تحت تأثير العناوين الثقيلة لموجة العولمة الكاسحة, المتمثلة في شروط وممارسات صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, ومنظمة التجارة العالمية. وإذا كان هذا الثالوث حقيقة واقعة, فإنه بالمقابل يواجه موجات من الرفض والهجوم والمقاومة, التي لايمكن التقليل من أثرها المباشر, ناهيك عن التراكمات التي تقود الى تغيير الوضع الراهن في المدى المتوسط, ثم على المدى البعيد, كما أن حالة السيولة التي مازال عليها النظام الدولي - في المرحلة الراهنة - تجعل الرهان على امكانية تشكيل النظام الدولي الجديد - خلال العقود الأولى من القرن الـ ,21 وفق قواعد أكثر عدلا وانسانية, رهانا محتملا, شريطة أن يتحول الرفض والهجوم للفعل والتأثير, وفق استراتيجية واضحة المعالم والأهداف, تتوزع مسئوليات بلوغ غايتها النهائية على الدول النامية والفقيرة, دون أن تغفل القوى المؤيدة لها, والمطالبة بوجه انساني للعولمة داخل الدول الصناعية, بما في ذلك المجتمع الأمريكي ذاته. الصنم المقدس ويكفي أن نذكر الذين يتوهمون أن صندوق النقد صنم مقدس, لايمكن الاقتراب منه, أن ذلك الصنم إنهارت قوائمه في مطلع السبعينيات, وكان وراء ذلك الولايات المتحدة الأمريكية(!) التي أقامته وفق رؤيتها, وبشروطها بموجب اتفاقية بريتون وودز عام ,1944 وتوجت - من خلالها - الدولار عملة للعالم, مقابل التعهد بتحويله الى ذهب عند الطلب, لكن اقدام الرئيس الأمريكي نيكسون - في أغسطس 71 - على فك الارتباك بين الدولار والذهب, أدى الى اضطرابات عنيفة في الأسواق النقدية, وبات من المتوقع - في ظل هذه التطورات - تلاشي صندوق النقد وفعالياته! وبينما كان من المقرر للصندوق - منذ نشأته - انجاز أهداف تخص مجموعة الدول الصناعية التي خرجت منهكة من الحرب العالمية الثانية, فإنه منذ منتصف السبعينيات, ومع تعرض موازين المدفوعات في الدول النامية لهزات عنيفة, وجه الصندوق اهتمامه المريب والمغرض الى المشكلات المالية للدول النامية, وكان ذلك كفيلا بنفخ الروح في الصندوق من جديد! واذا كان البنك الدولي قد لعب دورا مبكرا - قياسا بالصندوق - في تقديم قروض بشروط ذات صبغة سياسية واضحة, فان صندوق النقد عندما بدأ التوسع في ممارسة دور (المقرض) للدول النامية والفقيرة كان أكثر سفورا وتشددا, عبر فرض اجراءات سياسة اعادة الهيكلة, التي كان لها - بالتالي - الدور الأساسي في زيادة الفقر والبطالة, فكانت الفرصة مواتية أكثر لاحكام الولايات المتحدة لهيمنتها على العالم الثالث, خاصة مع تفاقم أزمة الديون بمعدلات رهيبة, ونفدت الولايات المتحدة الى دوائر صنع القرار في الدول النامية والفقيرة, التي لجأت للصندوق - عبر هيمنة واشنطن على أصوات تعادل ما تملكه 80 دولة نامية عام 83 (!) وكانت شروط الصندوق جسرا لتدخلات مباشرة في الشئون السيادية لتلك الدول, وتعرضها لأزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية خطيرة, لإصرار الصندوق على فرض (روشتة) قاسية توقف عجلة التنمية, وترفض دعم الحكومات للبنود الاجتماعية في موازناتها, بل وتطيح بكل الانجازات السابقة التي حققتها تلك الدول خلال مراحل التنمية الوطنية المستقلة! إذ لايعني الصندوق سوى وفاء الدول المقترضة بالتزاماتها تجاه الدائنين! جبهة الرفض من ثم وصلت الأمور الى منعطف حاد, جعل بعض الدول تقدم على ر فض شروط الصندوق - رغم أزمتها المالية - لاسيما (روشتة) التقويم الهيكلي, أو الاصلاح البنيوي التي يعتبرها العلاج الوحيد الصالح لكل الأزمات في أي دولة! كما رفعت دول أخرى اتهامات صريحة في وجه مسئولي الصندوق, بالعمل لحساب الولايات المتحدة, ومصالحها, بغض النظر عما يؤدي اليه ذلك من خرق لسيادة الدول, أو تفاقم الهوة بين الأغنياء والفقراء, خاصة أن الواقع العملي قد أثبت أن معظم القروض كانت أموالا وهمية, لأنها أقل بكثير من المطلوب تسديده للدائنين! ومن ثم لم يدخل دولار واحد الى الدول النامية - وخزائنها - ليساهم في الا ستثمار والتوظيف, مع الاستبعاد الكامل للانفاق على الخدمات, بل أن الصندوق يشترك الاقتطاع من بنود التعليم والصحة وغيرها من الخدمات الأساسية في موازنات الدول التي يقرضها! هكذا أصبح النظام المالي الدولي في ظل المعادلة التي يمثل صندوق النقد - مع فاعلين آخرين على شاكلته - أحد طرفيها نظاما يكرس الظلم والافقار المنظم! خاصة وأن اقتصاديات الدول النامية والفقيرة - وكذا صادراتها وخاماتها الأولية - أصبحت في الأغلب - مرهونة سلفا لتأمين سداد الدائنين, وأصبح الصندوق يقوم بتحصيل أموال خدمة الديون, وكأنه (جهاز للملاحقات!) في اطار تلك المعادلة اضطرت بعض الدول المدينة الى اعلان توقفها عن السداد, وطرح عدد من الدول الصناعية مبادرات باسقاط نسبة من ديونها المستحقة لكن ظل السؤال الأساسي مطروحا, وإن تعدلت صياغته على النحو التالي: - ألا توجد بدائل للنظام الدولي القائم؟ بمعنى آخر: هل يمكن اصلاح المؤسسات التي تمخضت عنها اتفاقية بريتون وودز وفي مقدمتها صندوق النقد؟ بداية فان التطلع لكتابة قواعد عادلة للنظام المالي الدولي, أو طرح بدائل للنظام القائم يرتبط - أساسا - بالحديث عن تشكل نظام دولي جديد, وفي اطاره يندرج نظام اقتصادي, ومن ثم مالي, أكثر عدلا وانسانية. وإذا كان الواقع يؤكد أن النظام الدولي محكوم - آنيا - بقطبية أحادية, بينما تتحكم مؤسستا بريتون وودز - بالاضافة لمنظمة التجارة العالمية ـ في ادارة النظام الاقتصادي المالي, في الوقت الذي يعاني فيه العالم الثالث - كتجمع - بدوله النامية والفقيرة من حالة أقرب الى اللاتوازن والتمزق, وإن كانت ثمة محاولات لتجاوز تلك الحالة بتفعيل مجموعة الـ 77 ضمن الأطر المؤسسية عبر الضغط على الدول الصناعية, والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية لتقديم تنازلات لصالحها, إلا أن ما صعب بلوغ هذه الغاية, تلك التطورات التي عظمت دور الشركات المتعددة الجنسية, وغلبت ما هو غير منظور وغير ثابت من الركائز الاقتصادية على الأصول والموارد الثابتة. أرضية جديدة على أن قراءة الواقع على هذا النحو لايجب أن تدعو لليأس, بقدر ما تقود الى التعاطي مع مفرداته, وفق أسس وآليات صحيحة, تهدف الى اصلاح ما فسد, والبلوغ بما هو قائم الى أجود ما يحتويه, وتأسيس أرضية جديدة للمنشود, انطلاقا من أن النظام الدولي بجوانبه المختلفة - بما فيها الاقتصادي والمالي - مفهوم ديناميكي, كما أنه حقيقة متطورة تخص كل العالم, وليس فقط الأكثر تقدما, أو الاغنياء, والأقوياء فيه فحسب! وإذا كان هذا الطرح يعني - عمليا - استبعاد البديل الذي يرى أصحابه أنه (ليس في الامكان أبدع مما كان) أو أنه ليس أمام المجتمع الدولي إلا ترك الأمور كما هي دون تبديل, فإن البديلين الآخرين يمكن صياغتهما على النحو التالي: * (تطعيم) النظام القائم ببعض التعديلات المرحلية, لتجاوز مظاهر الأزمة, والتخفيف من حدتها. * الاصلاح الجذري, والتجديد الشامل, على طريق بناء نظام جديد. ربما كان البديل الأخير هو الاكثر بريقا, وجاذبية, إلا أنه الأصعب, لأنه يرتهن الى نظام أشمل يتعلق ببناء النظام الدولي الجديد ككل. من ثم يتبقى خيار (تطعيم) النظام القائم بتعديلات مرحلية لتجاوز مظاهر الأزمة, والتخفيف من حدتها, وفي الوقت ذاته, فان هذا البديل يمكن أن يمثل خطوة على طريق انجاز الاصلاح الجذري, وبناء نظام مالي دولي جديد, عندما تسمح الظروف الموضوعية والذاتية تماما. وقد يكون مثيرا أن تستعيد الذاكرة ما حدث قبل ربع قرن, وكان بمثابة محاولة أولى لاصلاح النظام المالي الدولي, إذ انطلقت من مجلس محافظي صندوق النقد خلال اجتماعهم بجاميكا عام 1976 , وتضمنت (روشتة) العلاج - حينئذ - حرية الدول الأعضاء في اختيار ما تشاء من نظم للصرف , والغاء السعر الرسمي للذهب, ونزع الصفة النقدية عنه, كما تقرر أن تكون (وحدات حقوق السحب الخاصة) هي الأصول الاحتياطية الأساسية في نظام النقد الدولي . غير أن ذلك لم يتحقق على أي نحو, وكانت ممارسات الصندوق ذاته هي المعيق الأول! واستمر العالم يدور في حلقة جهنمية, وظلت عناصر الأزمة قائمة تشتعل حينا, وتخبو حينا آخر تحت الرماد, تنتظر أي شرارة لتنطلق حرائقها. وإذا كان من الضروري أن يجد النظام المالي الدولي - في المدى المنظور - وسيلة للتحكم في اضطراباته والتخفيف من آثارها, فيجب ان يتم ذلك عبر التوصل الى آلية مناسبة لاحداث توازن أكبر بين النقيضين: حقوق الدائنين, والاحتياجات الانسانية الأساسية للمقترضين, ومن ثم يجب تقاسم الأعباء, وعدم تجاهل القضايا الاجتماعية لصالح هيمنة النماذج الرياضية الجامدة, كما ساد ذلك طويلا, وكذلك البعد عن السياسات التي تهدف الى الاصلاح المالي فقط, دون تصحيح أوضاع الاقتصاد الكلي, والنمو بطريقة متكاملة عبر برامج اجتماعية ـ اقتصادية متوازنة, ومن المفيد في هذا السياق اعتماد استراتيجيات اقليمية لجني ثمار اقتصاد الحجم, بدلا من الاصرار على تكريس السياسات الاحتكارية للدول الصناعية والشركات المتعددة الجنسية. إن تلك الخطوات يمكن أن تمثل تعديلات مرحلية لتجاوز مظاهر الاحتقان في النظام المالي الدولي القائم, وتؤسس - في المديين المتوسط والبعيد - لنظام مالي دولي أكثر انسانية وعدالة. إن قيام نظام مالي دولي جديد أمر ضروري, ربما كان صعبا, لكنه غير مستحيل, ثم انه هدف جدير بالاصرار على تحقيقه بجهد انساني مشترك, لأن البديل الآخر كارثة محققة لن تستثني من نتائجها أحدا! كاتب مصري