اصبح الناخبون الامريكيون اكثر ميلا وبقوة لدعم مجموعة واسعة من الحقوق الفلسطينية اكثر من أي وقت سابق. وهذه هي نتيجة استطلاع للرأي على المستوى الوطني شمل 890 من الناخبين الامريكيين اجرته مؤسسة زغبي انترناشيونال لصالح المعهد الامريكي العربي. واجري استطلاع الرأي هذا بين 14 و17 يوليو 2000 وبهامش خطأ يبلغ +/- 3.4 في المئة. وضمن الاستطلاع كان الناخبون يقدمون اجاباتهم بخصوص ثلاث قضايا حساسة من قضايا الوضع النهائي التي يتم التفاوض عليها في كامب ديفيد ألا وهي حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم وحق الفلسطينيين في تأسيس دولة مستقلة خاصة بهم وحقوق الفلسطينيين في القدس. وكانت نتيجة الاستطلاع مشجعة في كل من القضايا الثلاث. وبلغة الارقام وافق 66 في المئة على ان للفلسطينيين الحق في اعلان دولتهم المستقلة. فيما عارض 13 في المئة فقط هذا الحق كذلك وقف 74 في المئة منهم مع قرار مجلس الامن الدولي القاضي بأن للفلسطينيين الحق في العودة الى ديارهم فيما لم يعارض سوى 9 في المئة فقط. ولدى سؤالهم عن زعم اسرائيل بحقها الحصري في كامل القدس اتفق 22 في المئة فقط من الناخبين الامريكيين مع هذا الزعم فيما قال ضعف ذلك العدد تقريبا اي 43.5 في المئة بأن القدس تعود للفلسطينيين ايضا وبأنها يجب ان تقسم بين الطرفين او ان يشتركا بها. ولنتمكن من ان نعي اهمية هذه النتائج فمن الضروري مقارنتها بنتائج استطلاعات سابقة من السبعينيات او الثمانينيات واستطلاع للرأي يعود لست سنوات فقط. في اواخر السبعينيات جمعت ادارة الرئيس جيمي كارتر في غمرة استعدادتها لقمة كامب ديفيد الاولى مجموعة من نتائج استطلاعات الرأي توفرت لها من عدة مصادر. واظهرت تلك النتائج بأن الشارع الامريكي نوعا ما تجاه القضية الفلسطينية وبالاعتماد على شكل صياغة السؤال تنوعت الاجابات لكنها عموما لم تكن ايجابية نهائيا. وعلى سبيل المثال لدى سؤال الامريكيين عام 1975 فيما اذا كان من المفترض الاعتراف بالفلسطينيين كشعب قائم بذاته ام يجب عليهم الاستمرار في معيشتهم حيث هم (في لبنان وسوريا والاردن وتحت الحكم الاسرائيلي) وقف 36 في المئة من الامريكيين مع وجود شعب فلسطيني فيما قال 29 في المئة بأنهم يجب ان يبقوا كما هم. وحين سؤال الامريكيين مرة اخرى عام 1979 السؤال نفسه ظهرت نتائج مشابهة حيث ساند 37 في المئة حق شعب فلسطين في الوجود فيما عارض 25 في المئة ذلك. وبعد الغزو الاسرائيلي الوحشي للبنان عام 1982 ازدادت النسبة المؤيدة للفلسطينيين الى 40 في المئة مع تراجع الطرف المقابل لنسبة 17 في المئة . لكن صياغة اخرى لهذا السؤال قد اعطت نتائج مغايرة. اذ عندما وجهت مجلة نيوزويك السؤال للامريكيين عما اذا كانوا يؤيدون اقامة دولة فلسطينية تغيرت الارقام. ففي عام 1980 قال 30 في المئة منهم (نعم) في مقابل 32 في المئة اجابوا (لا) . ومع حلول عام 1982 ازداد انصار _اقامة دولة فلسطينية الى 37 في المئة لكن المعارضين ايضا ازدادوا الى 45 في المئة. ومن جانبه كان المعهد الامريكي العربي وعن طريق مؤسسة زغبي انترناشيونال ومنذ عام 1997 يسأل السؤال المباشر التالي: (هل تؤيد اقامة دولة فلسطينية مستقلة؟) اما النتائج فهي كالآتي: السنة 1997 1998 1999 2000 نعم 47 % 41 % 54 % 66 % لا 13 % 25 % 21 % 13 % والشيء نفسه ينطبق ايضا على قضية القدس. فعندما سألت مؤسسة هاريس المواطنين الامريكيين عام 1978 عما اذا كان من المفترض ان تستمر اسرائيل في السيطرة على كامل مدينة القدس او ان تتخلى عن اجزاء للعرب, ايد 75 في المئة منهم الموقف الاسرائيلي. هذا في مقابل 14 في المئة ايدوا استعادة العرب للقدس الشرقية. وفي عام 1980 اعادت هاريس على الناخبين السؤال نفسه, لكنها اضافت اليه خيارا ثالثا يتمثل بوضع المدنية تحت سيطرة دولية ومع ذلك استمر 63 في المئة من الامريكيين في تأييد اسرائيل فيما اختار 26 في المئة وضعا عالميا للقدس في مقابل 22 في المئة ايدوا اعادة القدس الشرقية للسيطرة العربية. وحالما بدأت عملية السلام بدأت المواقف في التحول نحو نهج اكثر توازنا تجاه هذه القضية الحساسة. وفيما يلي النتائج الواردة منذ عام 1995 عن السؤال: (اعلنت اسرائيل أن كامل مدينة القدس عاصمة لها. والفلسطينيون يقولون ان القدس الشرقية التي احتلتها اسرائيل في حرب 1967 يجب ان تكون عاصمة للدولة الفلسطينية برأيك هل من المفترض بالقدس ان تكون...) . السنة 1995 1997 1997 2000 اسرائيلية حصرا 18.5 % 20 % 24 % 22 % مقسمة او مشتركة 30 % 24 % 39 % 43.5 % وربما كان من المفارقة نوعا ما ان القضية الثالثة التي غطاها استطلاع المعهد الامريكي العربي ومؤسسة زغبي انترناشيونال ألا وهي حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة لم تكن قضية للنقاش في استطلاعات الرأي الامريكية في السبعينيات او الثمانينيات. والحقيقة ان هذه القضية لم تبدأ بالاستحواذ على مناقشة شعبية جدية الى الآن باعتبارها قضية للتفاوض ضمن محادثات الوضع النهائي الجارية في كامب ديفيد. وفي السنوات المبكرة حينما كانت هذه القضية وهي حجر الزاوية في مجمل الصراع العربي الاسرائيلي, تثار كانت تؤطر ضمن استطلاعات الرأي بشكل ضبابي نوعا ما. وبالنظر لهذا الواقع فإن الامريكيين كانوا يسألون عما اذا كان من المفترض ان يكون للفلسطينيين وطن (ام يظلوا كما هم) وبمعنى آخر فإن استطلاعات الرأي كانت تتماشى مع الانحياز المتأصل في الخطاب السياسي وكانت تؤطر ظمن المزاج المؤيد لاسرائيل الذي كانت تفرضه تلك المرحلة. ولهذا فمن المثير حقا ان 74 في المئة من الناخبين الامريكيين اليوم يدعمون حق الفلسطينيين في العودة الى ديارهم وهي اكثرية كبيرة فعلا بحيث توفر اجماعا تشترك به كل مجموعة فرعية من مجموع الناخبين الذين تم استطلاع رأيهم. وهناك مجموعة من العوامل التي تفسر هذا الموقف الداعم المتزايد للموقف الفلسطيني في الرأي العام الامريكي اليوم. اولها هو الاسباب التاريخية التي غيرت من المواقف خلال 25 عاما مضت ومنها قمة كامب ديفيد الاولى والغزو الاسرائيلي للبنان والانتفاضة ودور حلفاء امريكا العرب في حرب الخليج والتطورات التي احاطت بعملية مدريد واتفاقات اوسلو كل هذه الامور ساهمت في تغيير المشهد العام والتي جلبت معها تحسنا في الموقف الفلسطيني والعربي وتوازن المواقف تجاه اسرائيل. ولاحقا لذلك اتت معاملة الرئيس كلينتون للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات والفلسطينيين عموما ثم التوتر الناشيء بين الولايات المتحدة واسرائيل خلال حكم بنيامين نتانياهو وتصرفات اسرائيل (احادية الجانب) التي قوبلت بنقد امريكي وهي التي ساهمت في المزيد من تغير الرأي العام الامريكي. اما الآن وفيما الفلسطينيون والاسرائيليون موجودون في كامب ديفيد والعملية السلمية تأخذ مرحلة (نهاية اللعبة) يوجه الامريكيون مزيدا من التركيز على مجمل القضايا المرتهنة ضمن هذه العملية وفي هذا السياق فإن الدولة الفلسطينية اصبحت حقيقة معلنة فيما (القدس المشتركة) و(حق الفلسطينيين في وطن) تبدو قضيتين منطقيتين وقيمتين (من طراز راسخ) مثل العدالة واللعب النظيف. لكن يجب هنا الاشارة الى ملحوظة تحذيرية مهمة. وهي ان استطلاعات الرأي هذه لا تقدم اي قاعدة للحل ولا اي حلول. وهي بتجرد ترسخ لمبدأ. وما تظهره هو ان الامريكيين يؤيدون الحقوق الفلسطينية وان المواقف الامريكية من هذه الحقوق قد تغيرت على مدى العقدين الماضيين. لكن تفعيل هذه الحقوق يجب ان يستمر في كونه خاضعا للتفاوض. لكن اذا ما تمكن الفلسطينيون من ضمان دولة لهم فإن الحق في العودة والقدس المشتركة ضمن سياق المفاوضات سيحوزان على دعم كبير من جانب الرأي العام الامريكي. وما يثير القلق هو ان الاسرائيليين على جانب معادلة السلام قد انطلقوا في طول الولايات المتحدة وعرضها في محاولة منهم لكسب الرأي العام الامريكي الى جانبهم فيما لا تزال المفاوضات جارية في كامب ديفيد. اما الفلسطينيون فلم يظهروا مثل هذه المشاركة في العملية. ومهما كانت نتيجة المفاوضات فمن الضروري تسويق هذه النتيجة ليس للاسرائيليين والفلسطينيين فحسب بل وللامريكيين ايضا. وباعتبار ان الاتفاق المنتظر لابد وان يتضمن مساعدات كبيرة نوعا ما ولا شك فإن الناخبين الامريكيين يجب ان يقتنعوا خصوصا واننا في عام انتخابي وبالتالي لابد وان يؤيدوا هذه النتيجة. ان الفلسطينيين وانصارهم ينتظرهم عمل لينجزوه والاستطلاع الذي اجراه المعهد الامريكي العربي ومؤسسة زغبي انترناشيونال يظهر ان الامريكيين سيكونون مستعدين للقبول وبمقدور الامريكيين العرب تقديم المساعدة في ذلك لكن يجب على الفلسطينيين ايضا تقديم المساعدة من جانبهم بقيامهم ببعض العمل على السواء. * رئيس المعهد الامريكي العربي