عندما أراد القائد العربي المسلم طارق بن زياد أن يدخل بجيشه إلى الأندلس, لم يجد وسيلة يدفع بها أولئك الجنود للاندفاع إلى أرض الأندلس سوى سياسة الأمر الواقع.. حرق سفنه وجعل الجيش في مواجهة الأعداء ولا أمل سوى في الالتحام, فإما النصر واما الشهادة ولا خيار ثالث (العدو من أمامكم والبحر من ورائكم) وقد كان القائد على قدر قراره التاريخي. فكلما ضاقت الخيارات أحيانا, كلما كان القرار حاسما والوضع أكثر رحمة, ذلك ان البقاء طويلا في حالة التأرجح بين البدائل والخيارات, ليس سوى عذاب وضياع, وسير مضن في ساحة من الأشواك لا نهاية لها ولا أمل في الشفاء أو الخروج منها. حالة الحسم انقاذ للروح والجسد والعقل, اما التردد الطويل فليس سوى الوقوع في المزيد من الخسائر, ولولا حسم (طارق بن زياد) الأسطوري لفقد التاريخ الإسلامي قرونا من الابداع والعطاء الحضاري في أرض الأندلس, ولولا لحظة الحسم تلك لما كانت مسيرة التاريخ قد توقفت هناك, ولما كانت القافلة قد ضمت هذه الأسماء الخالدة من القادة والخلفاء والعلماء والشعراء والعشاق وحكايات الخيانة والوفاء في دهاليز المتآمرين وقصور الأمراء, لولا لحظة الحسم تلك لتردد التاريخ طويلا قبل أن يقف عند شواطئ الأطلسي شمالا وجبال البرانس على حدود فرنسا. في حياتنا يتوقف كل واحد منا مئات المرات قبل أن يحسم أمره ازاء قضية أو مشكلة أو وضع حياتي قد يكون عاديا أحيانا ومصيريا في أحيان كثيرة, لكن التردد يصبح سيد الموقف, ويظل الواحد منا متسكعا على أرصفة الحيرة, ومقيما دائما في أوقات الأصدقاء بحجة طلب الرأي والمشورة وصولا للحظة الحسم الخالدة. والحقيقة ليس سوى المزيد من الفشل أحيانا في مواجهة المشاكل الصغيرة. الأزمة تبدأ في التنشئة وتتطور في تفاصيل التربية وظروف المحيط والمجتمع, وربما يجهل كثير من الآباء والأمهات مدى أهمية وخطورة التربية في هذا الاتجاه, ولذلك يعتقدون ان قرارا حاسما من شاب في أن يختار لنفسه هذه الزوجة بعيدا عنهم أو ذلك التخصص العلمي دون مشورتهم أو ذاك النمط من التفكير والحياة, هو قرار يدل على عدم تربيته بشكل جيد, فهو متمرد وعاق وقليل أدب! هذا إذا كان شابا, أما إذا كانت فتاة فالأمر لا يحتمل سوى فكرة الخلاص منها! أما لماذا يعتبر اتخاذ قرار بعيدا عن سلطوية العائلة أو نفوذ الأب قرارا غير مستساغ فلأن كل الآباء تربوا بهذه الطريقة التي على الأبناء أن يخضعوا لها وهم لا يعرفون ان هناك وجهة نظر أخرى جديرة بالنقاش والتفاهم. نحن لا ندعو للتمرد على قيم وعلائق الأسرة, ولكن القدرة على اتخاذ القرار الصحيح مهارة وميزة نتعلمها من خلال التربية. وكلما كانت موجهة بشكل صحيح كلما كان ذلك ضمانا لقرارات مستقبلية سليمة حتى لا يفاجأ أحد بقرار يسير باتجاه الفاجعة أو المصيبة حسب ظنه.