دأب العديد من الساسة وصناع القرار خاصة الغرب على تصوير القدس بنظر الجمهور الأوروبي وغير الاوروبي وكأنها قضية كرنفالية يتلطى خلفها العرب والمسلمون لكي يحصلوا على بعض التنازلات من اسرائيل في هذه البقعة او تلك وان هذه القضية بكل ما تحمله هي مجرد قضية تمتاز ببضعة مساجد ودور للعبادة, متناثرة هنا وهناك ولا تستحق ان تأخذ كل هذا الوقت من اجندة المتفاوضين وثمة اشياء اخرى يجب التفكير بها بدلا من مضيعة الوقت وعلى ما يبدو ان هذا التعتيم والتبسيط بهدف الى رسم حقائق مشوهة بالعقل الغربي كخطوة استباقية سعيا لتكتيل وتحشيد الرأي العالمي حول مقولات تاريخية كاذبة والتي تقول بأن التاريخ اليهودي هو الذي رسم معالم هذه المدينة وليس الغزاة العرب الذين جاءوا من وسط الصحراء ليصلوا بذلك الى احقية الإشراف الاسرائيلي على ما يسمى بالقدس الموحدة (عاصمة لدولة اسرائيل) وليلبوا من وراء ذلك الطموحات والاهداف التي سعوا اليها منذ القرن السابع عشر من خلال حزمة من المقولات والدعوات السياسية والدينية التي ساهمت في تهيئة المناخ الصعب الذي نعيشه هذه الايام ومن اللافت للنظر انه منذ اطلاق المقولات الاوروبية حتى هذه الايام لا تزال مدينة القدس بكل احيائها تشكل احد اهم الاستهدافات في المشروع الغربي الممثل باسرائيل راهنا بهدف الاجهاز على هذه المدينة المقدسة وما تمثله في قلوب المسلمين من معان سامية. لكن ايا تكن الاهداف التي دفعت قوات الاحتلال لاستكمال احتلالها للشطر الشرقي من المدينة المقدسة عام 1967 تبقى القدس تكتسب اهمية خاصة عند كل الاطراف المتصارعة على الارض وان القضية لم تكن يوما بالأمر السهل لكي يتوصل الاطراف الى ايجاد ارضية مشتركة لحل مثل هذه المعضلة التي ينظر لها الكثيرون على انها عصية على الحل عند كلا الطرفين وانه ليس بالامكان عند طرف دون آخر التنازل قيد انملة فالاسرائيليون بكل احزابهم حتى اليسارية منها خاصة حزب ميرتس الذي يؤمن بقيام دولة فلسطينية يطرح في برنامجه (ان القدس عاصمة اسرائىل ولن تقسم بعد الآن.. وهو يدعو رغم ادراكه شدة التعقيد في موضوع القدس الحكومة الاسرائيلية والقيادة الفلسطينية الى فصله عن جميع الموضوعات الاخرى التي ستناقش وتوضح في التسوية الدائمة) قد يجد البعض ان في هذا البرنامج بعضا من الايجابيات لكن الرؤية غير الواقع فهذا التأجيل بحد ذاته يحمل الكثير من النوايا الخبيثة التي تبيت للقدس. فقد دأبت اسرائيل منذ احتلال بقية اجزاء مدينة القدس عام 1967 والتي اطلق عليها القدس الشرقية على تغييب معالم هذا الجزء من المدينة واخفاء المظاهر الاسلامية والمسيحية, حتى لا تكون شاهدا على احقية الوجود العربي والاسلامي فيها ولاستكمال ما بدأته في العام 1948 من خلال مشاريع ومخططات استيطانية. وقد تمثل ذلك في العديد من الاجراءات التعسفية اهمها ما وصف بالمخطط الاستراتيجي لتهويد مدينة القدس وخلخلة البنية الديموغرافية فيها التي كانت قبل احتلالها نظيفة من التواجد الاسرائيلي سوى عدد بسيط منهم في الجامعة العبرية ومشفى هداسا بموجب اتفاق الهدنة عام 1948 واليوم يبلغ عدد الاسرائيليين في هذا الجزء الشرقي ما يزيد على 250 ألف مستوطن وهذا يفوق تعداد المواطنين العرب بل فاقت الاجراءات الاستيطانية لتطال اجزاء من اراضي الضفة الغربية باعتبارها جزءا من (القدس الكبرى) عن طريق انشاء المستوطنات ومنع الاحياء العربية من التوسع او التطور ومنع اصدار تراخيص البناء للعرب الا بشق الانفس ودفع رسوم باهظة ومحاولات المماطلة لكسب عامل الوقت من قبل بلدية الاحتلال والادارة العسكرية. ولم يقتصر تهويد المدينة على السكان ومساحة الارض المعروفة دوليا بأنها حدود القدس بل ضمت اسرائيل جزءا كبيرا من اراضي الضفة الغربية الى القدس واطلقت عليها اسم القدس الكبرى) كما اسلفنا وبلغت مساحتها الاجمالية 1310 كم2 بينما كانت مساحة القدس بشقيها الغربي والشرقي عام 1948 لا تزيد على 86 ألف دونم اي ان القدس الكبرى تزيد مساحتها على مساحة القدس المعترف بها دوليا اكثر من 15 ضعفا وهذا مخالف للقوانين والاعراف الدولية. وصدرت قرارات دولية تطلب من اسرائيل ايقاف هذه الاجراءات الا ان ذلك لم يترجم واقعيا بسبب الدعم الامريكي لاجراءات اسرائيل وخصوصا ان الولايات المتحدة الامريكية قد وقعت عقدا مع اسرائيل لاستئجار ارض وقف عائدة لمواطن فلسطيني تبلغ مساحتها 31 دونما لانشاء السفارة الامريكية عليها خلال سنوات قليلة وقد استتبعت وزارة الاسكان الاسرائيلية اجراءاتها بخطة اسرائيلية انشئت من خلالها 70 ألف وحدة سكنية في الجزء الشرقي من القدس وحول القدس في العام 1996 واستكمل هذا المشروع في هذه السنة وقد بدئ بتوطين الاسرائيليين في هذه المساكن والمباني المشادة لكن رغم هذه الاجراءات التعسفية الاستيطانية من كل الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة ومن العمل على وجه الخصوص صاحب مقولة العمل العبري والاستيطان يخطط ايهود باراك رئيس الوزراء الحالي لان يضم للقدس مستوطنات جعفات زئيف ومعاليه ادوميم وهذا الضم الذي سيشمل احياء اخرى خلف ما يسمى بالخط الاخضر من خلال فرضه على الفلسطينيين الجالسين حول مائدة التفاوض بمقابل نقل الاحياء العربية الى سيطرة الفلسطينيين اي بكلام آخر ان تبقى المسئولية العمومية عن الامن في الحرم القدسي وفي المدينة القديمة بأيدي اسرائيل. كل هذا يقابله بعد التسوية الدائمة ممر بين ابوديس التي ستكون عاصمة الدولة الفلسطينية والحرم القدسي يعفي المسلمين من وجوب المرور بأراض اسرائيلية في طريقهم الى الصلاة. كذلك فإن بوسع الفلسطينيين رفع علم على الحرم القدسي واعتبار البلدة منطقة مقدسة واقامة ادارة لممثلي جميع الاديان والسكان وادارة مشتركة لممثلي جميع الاحياء وهذا يتوجب بتقسيم الادارة الى ادارة يهودية ارمنية مسيحية ـ اسلامية بحيث يتم ضم الحي اليهودي والحي الارمني الى ادارة وسط المدينة فيما ينضم الحي المسيحي والحي الاسلامي الى ادارة الشيخ جراح كما يتم اقامة اتحاد بلدي يحتوي على ممثلين عن كل حي بالاضافة الى الاعلان عن البلدة القديمة (القدس الشرقية) بأسرها كحديقة وطنية. وبهذا تكون اسرائيل قد تخلصت من مفهوم السيادة السياسية على القدس الموحدة وتخفيض المطلب الفلسطيني والعربي والاسلامي الى قضية زيارة اضرحة ومقدسات ووصلت الى ما سعت اليه منذ اكثر من خمسين عاما وتكون اسرائيل قد قضمت كل المدينة المقدسة بداية من حي الشيخ جراح ووادي الجوز, رأس العمود, مرورا بسلوان والعيسوية والصوانة انتهاء بالبلدة القديمة ومحيطها. كما انها تستكمل بالاضافة الى جعفات زئيف ومحيطها ومعاليه ادوميم ميشور ادوميم ومنطقة مستوطنة آدم شمالي شرق نفيه يعقوب ومستوطنة هارجيلا جنوبي القدس وكذلك كل غوش عتسيون وبيتار عليت بالاضافة الى جبيعون الجديدة وجبل ادار وبيت حورون شمالي غربي القدس. ولعل هذه المخططات التي سربتها الصحف الاسرائيلية القريبة من باراك تعتبر هي السقف النهائي لما سيتنازل عنه باراك طبعا من وجهة النظر الاسرائيلية بالمقابل يعرف باراك مسبقا ان هذه الشروط لن يقبل بها الطرف الفلسطيني رغم تضاؤل الخيارات التي وصلت الى نقطة الصفر عند بعض المحللين وان الاتفاق على القدس من خلال هذه الرؤية اذا لم يكن مستحيلا فإنه اقرب الى الصعوبة القبول بها فلسطينيا ولذلك سترحل قضية القدس حتى يتسنى بظل عدم التوازن القائم داخل المدينة استكمال تهويدها, ومن ثم سيأتي المفاوضون الفلسطينيون بعد حزمة من سنوات التأجيل ليناقشوا على منطقة السواحرة والعيزرية وابو ديس على انها القدس الشرقية ولهذا السبب يجب ان تبقى قضية القدس واللاجئين من الآن وصاعدا قضية متأججة ولا يسمح بتأجيلها حتى ولو وصلت قضية الحل الى النفق المجهول ودون ذلك سيصل الامر بالقدس كما القرار 181 والقرار 194 الذي يتنصل منه باراك علنا باعتباره سقط بالتقادم ولا يمكن تنفيذه مطلقا لانه سيؤسس الى نفي وجود دولة اسرائيل بعدها يصبح قرار ضم القدس الذي اتخذه الكنيست في بداية الثمانينيات مرجعية ومستندا قانونيا لحل قضية القدس والسؤال الذي يطرح نفسه بشدة هل هناك ثمة امكانية للتسويف والتأجيل لقضية القدس التي لا تجد 5% من الاسرائيليين بذات الاتجاهين يمينا ويسارا وعلى استعداد للتنازل عن السيادة الاسرائيلية الكاملة على القدس الموحدة؟ وهل سيقدر المقدسيون وحدهم على مواجهة السيل الاستيطاني الجارف والمدعوم من كل القوى السياسية داخل اسرائيل بعد ان اصبحت القدس رقعا متناثرة على الارض من الاحياء اليهودية تنحشر بينها بعض الجيوب العربية المنبوذة وضمن شروط اصعب من الصعوبة؟ * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق