يبدو واضحا للعيان, كما يتأكد يوما بعد يوم, أن المؤامرات الاسرائيلية والدولية على المسجد الأقصى لم ولن تتوقف. فقد نشرت صحيفة (الحياة) فى 17 يونيو الماضى خبرا مفاده أن اتصالات عالمية تجرى مع دول عربية واسلامية من أجل تأمين دعم هذه الدول لأى اتفاق خاص بالقدس. قد ينجم عن المحادثات, وأن هذه الاتصالات شملت باكستان والأردن ودولا خليجية اضافة الى المغرب, وقد تركزت على اقناع هذه الدول بتأمين (تغطية اسلامية) لمشروع تسوية موضوع القدس. ولحد تعبير الخبر فإن هذه القوى تستخدم ثقلها السياسي والاقتصادي مع كل دولة على حدة دافعة بـ (رزمة) مصالح وضمانات للحصول على تأييد هذه الدول, أو على صمتها حيال أى اتفاق مرتقب. وقد تواكبت هذه الأخبار مع معلومات أخرى كشف عنها فيصل الحسينى مسئول ملف القدس فى منظمة التحرير أفادت بوجود مخطط اسرائيلى لبناء كنيس يهودى قرب المسجد الأقصى فى منطقة الجدار العربى للمسجد, والذى يطلق عليه اليهود (حائط المبكى). وأن ذلك يأتى كنتيجة وهدف للمؤامرة الاسرائيلية التى بدأت بتشجيع اسرائيل للمسلمين على بناء مسجد قرب كنيسة سيدة البشارة فى القاهرة منذ أكثر من عام, لأنه عندما يفرح المسلمون ببناء مسجد بالقرب من الكنيسة, فإنهم لن يستطيعوا بعد ذلك الاعتراض على بناء كنيس يهودى الى جانب المسجد الأقصى!! كما حذرت الأوقاف الاسلامية فى القدس من استمرار الحفريات الاسرائيلية فى محيط المسجد الاقصى لما لها من أضرار مع أساسات المسجد, خاصة أن هذه الحفريات التى تجرى منذ السنوات الثلاثين الماضية لم تؤد الى اكتشاف أي آثار يهودية أو بقايا لما يطلق عليه (هيكل سليمان) كما تدعي السلطات الاسرائيلية. وكانت وزارة الأديان الاسرائيلية قد تحدثت عن نواياها لافتتاح حفريات جديدة فى المكان بهدف ربط (قوس روبنسون) جنوب الحائط ونفق (المبكى) الشمالى الذى تنوي السلطات الاسرائيلية اقامة سقف زجاجى أعلاه, وهو فى حقيقة الأمر شارع رومانى قديم يمثل أحد شوارع المدينة فى زمن الرومان, وهو شارع تم اكتشافه ـ كما يقول عدنان الحسينى مدير الأوقاف ـ خلال الحفريات وهو مواز لحائط المسجد الأقصى الغربى ويتجه باتجاه مدخل النفق المشئوم من جهة قوس روبنسون. وقد أكدت تقارير صحفية اسرائيلية هذه الانباء, وأضافت أن حكومة باراك خصصت 65 مليون شيكل لتغطية تكاليف شق النفق الجديد, بجانب مبالغ أخرى لتوسيع الساحة التى يصلي فيها اليهود عند حائط المبكى, واقامة منشآت من عدة طوابق لهذا الغرض, وأن السقف الزجاجى النفاذ المزمع اقامته فوق النفق الجديد سوف يمكن من رؤية ومشاهدة ما يزعم القائمون على المخطط أنه بقايا وآثار انقاض الهيكل اليهودى الثانى. وكانت الاصدارة الاسرائيلية الأسبوعية (كول هاعير) قد ذكرت أن وزارة الأديان تحرص فى هذه المرحلة على ابقاء الخطة قيد الكتمان لئلا يثير ذلك (وجهات معادية) ستسعى الى عرقلة تنفيذها. أهداف المخطط الاسرائيلى مما لا شك فيه أن ما تقوم به اسرائيل من حفريات أسفل المسجد الأقصى , وما يرتكبه الاسرائيليون من انتهاكات شبه يومية لحرماته, ليست بلا هدف سياسى, بل ترتبط بهدف قومى يهودى يتمثل فى تقويض المسجد الأقصى واقامة ما يسمى بهيكل سليمان على انقاضه. وهو هدف معلن ومعروف من قبل جميع القوى اليهودية فى العالم وداخل اسرائيل, وان كانت خطوات تنفيذه تتم على مراحل ولا تكتشف الا عند تنفيذها, كما يحدث حاليا بالنسبة للنفق الجديد الجارى شقه أسفل الحائط الغربى للمسجد, واقامة السقف الزجاجى فوقه, وذلك لاعطاء مصداقية لما يزعم القائمون على المخطط أنه بقايا وآثار أقفاص الهيكل اليهودى الثانى, واقناعهم بأهمية الخطوات القادمة فى المخطط لهدم المسجد واعادة بناء ما يسمى بالهيكل لذلك من المهم لاسرائيل ازالة كل المعالم المعنية والواضحة التى بنيت فى العهود الاسلامية ـ الأموية والعباسية وما بعدها.. لاظهار معالم أخرى تخدم الدعاية اليهودية, فى حين أنها فى حقيقتها أثار للحقبة الرومانية من حكم المدينة. ولتحقيق هذا الهدف, وبالاضافة للنفق السابق افتتاحه أسفل الحائط الغربى بطول 448م, يجرى الاعداد حاليا لحفر نفق بطول 2000 متر أسفل المسجد الأقصى يتصل بشبكة الانفاق الأخرى ويؤدى إلى (طريق الآلام) الوصول الى بيت لحم بحذاء السور الجنوبى للمسجد.. وعلى عكس ما يتبع فى البحث عن الآثار فى كل دول العالم حيث تستخدم أساليب الحفر اليدوى, فإن اسرائيل تستخدم الآليات الضخمة بهدف مكشوف وهو تقويض دعائم المسجد من الأعمدة والأسوار والجدران التى مضى على بنائها مئات السنين, هذه بالاضافة لاستخدام أجهزة متطورة لاحداث هزات أرضية عنيفة تسرع فى تحقيق هذا الهدف. ومن أجل انشاء الباحة الكبرى أمام ما يسمى بحائط المبكى, وبدعوى تمكين الاسرائيليين من تأدية صلواتهم كما جاء فى قرار المحكمة الاسرائيلية العليا, فقد تم تدمير أحياء عربية بكاملها.. مثل حى الشرق, وحى الباشور, وحى المغاربة, بالاضافة لتدمير مئات المنازل الأخرى, وكذلك تمت مصادرة متحف الآثار الاسلامية. ولقد قررت الجماعات اليهودية المتطرفة منذ منتصف عام 1999 تسريع وتنويع أنشطتها لتحقيق هدف هدم المسجد, وبدأت ذلك بحملة توزيع ملصقات ورسومات على الاسرائيليين من طلاب المدارس والجامعات تجسد الهيكل المزعوم, ثم أوضحت أكبر جماعتين ناشطتين فى هذا المجال ـ وهما جماعة (أمناء جيل الهيكل) وجماعة (حى وقائم) انهما قررتا عدم الاكتفاء باقامة التظاهرات واقتحام المسجد من حين لآخر والتهديد بتدميره, بل تكثيف أنشطتهما لتجعلان من قضية بناء الهيكل قضية تهم كل بيت اسرائيلى, مشيرتين فى بيان لهما أن جميع مخططات بناء الهيكل أصبحت جاهزة, وأن حجارة البناء ـ وبعضها قادم من فلادلفيا بالولايات المتحدة ـ تنتظر بجوار السور الخارجى للمسجد الأقصى, وذلك استنادا الى رسوم قديمة للهيكلين الأول والثانى. وكانت قبيلة (ليفى) اليهودية التى تزعم الجماعات اليهودية أنها كانت مسئولة عن رعاية شئون الهيكلين قبل أكثر من ألفى سنة قد عقدت مؤتمرا فى كنيس يهودى بمدينة القدس لاعداد الحراس والكهنة الذين سيشرفون على الهيكل الثالث فور اقامته!! يشار فى هذا الصدد الى أن باراك قد أنشأ وزارة خاصة تتولى شئون القدس يترأسها أحد أقطاب حزب العمل (حاييم رامون) المحامى الذى أولى قضية توحيد القدس واعادة بناء الهيكل أهمية قصوى. وقد عمدت حكومة باراك الى ترسيخ مقولة بن جوريون: (لا قيمة لاسرائيل دون القدس التى ينبغي أن تبقى عاصمة اسرائيل الأبدية الموحدة, ولا قيمة للقدس دون بناء الهيكل). أما (يهود أولمرت) عمدة القدس الليكودى فإنه يصرح ردا على ما يثار حول تقسيم القدس الشرقية فى مفاوضات الحل النهائي الجارية حاليا: (إنسوا الحديث عن أية تسوية, أنا لست على استعداد لتطوير المدينة, لكى يتدفق عليها الآلاف من العرب.. لا أريدهم أن يأتوا هناك.. والاختلاط بهم ليس فى صالح المدينة, إن نسبة اليهود حاليا فى المدينة 72% ولابد من زيادتها.. وسأقوم بتوسيع القدس فى اتجاه الشرق وليس باتجاه الغرب, واستطيع أن أصنع الأحداث على الأرض كى أتاكد من أن المدينة ستبقى موحدة تحت سيطرة اسرائيل الى الأبد). فهل نستغرب بعد ذلك إذا عرفنا أن كل جندى اسرائيلى ينضم الى الجيش عليه أن يأتى الى الحائط الغربى للمسجد (حائط المبكى) من أجل اداء قسم يردد فيه العبارة اليهودية المشهورة: (لتقطع يمينى إذا نسيتك يا أورشليم ) ؟! وهل نستغرب بعد ذلك أيضا ما ذكره مفتى القدس الشيخ عكرمة صبرى من أن الوكالة اليهودية تعرض على جدران المسجد الأقصى أفلاما تروج للصهيونية, وهو استفزاز متعمد لمشاعر المسلمين, يهدف إلى ملكية اسرائيل لمدينة القدس كلها؟! مستقبل المسجد الأقصى فى ظل التسوية المقترحة تشير الوثيقة الأمريكية السرية عن التسوية المقترحة لمشاكل الوضع النهائى عن القدس, أنه بينما يطالب عرفات بأن تكون الأحياء العربية فى القدس بما فى ذلك بلدة القدس القديمة والأماكن المقدسة خاضعة للسيادة الفلسطينية الكاملة, وأن تكون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية فى مقابل موافقته على بقاء الحى اليهودى وحائط المبكى وباب المغاربة المدخل الجنوبى لبلدة القدس القديمة المؤدى الى حائط المبكى والحى اليهودى تحت سيادة اسرائيل, وكذلك الأحياء الغربية من المدينة والمستوطنات المحيطة بالقدس الشرقية مثل (معاليه أدوميم) و(راموت) و(جيلو). أما باراك فيصر من جهته على عدم تقسيم القدس وبقائها موحدة تحت سيادة اسرائيل, على أن يؤجل حل مشكلة الجزء الشرقى من المدينة الى رحلة لاحقة غير محددة بزمن بعد التوصل الى اتفاق الحل النهائى. وقد برزت أخيرا اقتراحات أخرى لباراك, طالب فيها باعتراف الفلسطينىين بالقدس عاصمة موحدة لاسرائيل وتحت سيادتها الكاملة, مقابل نقل الأحياء العربية فيها الى السيادة الفلسطينية, ومنح الفلسطينيين فى القدس - 200 ألف نسمة ـ حكما ذاتيا عن طريق انشاء بلدتين أحداهما عربية والأخرى يهودية يشرف عليهما رئيس بلدية عليه اسرائيل. بالاضافة لتسليم الفلسطينيين القرى الثلاث المجاورة للقدس وهى أبوديس والعيزرية والسواحرة الشرقية بحيث يقيمون برلمانهم فى أبوديس, مع انشاء ممر آمن بين هذه البلدات والأماكن الاسلامية المقدسة فى القدس, ورفع العلم الفلسطيني على المسجد الأقصى. ويكون ثمن ذلك هو عدم المطالبة بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. كما أعلنت الحاخامية اليهودية الكبرى ـ ولأول مرة ـ عن استعدادها لاستمرار ادارة الأوقاف الاسلامية فى ادارة الحرم القدسي الشريف, حتى بعد التوصل الى اتفاق الوضع النهائى. ويبدو أن نجاح الاسرائيليين فى تقسيم الحرم الابراهيمى بالخليل بين المسلمين واليهود, وتحويل جزء منه الى كنيس يهودى وهو ما يعد سابقة خطيرة لم يشهد التاريخ لها مثيلا, سيشجع اسرائيل على تطبيق نفس المبدأ على المسجد الأقصى. ومسجد الصخرة, خاصة فى ظل جريمة سكوت المسلمين على تقسيم الحرم الابراهيمى. خلاصة القول ان تفصيلات سيناريوهات التسوية النهائية حول مصير القدس والمسجد الأقصى تصب كلها فى صالح اسرائيل من أجل تكريس احتلال المدينة وهدم المسجد والقضاء على مقدسات المسلمين, ولو بشرعية دولية انتزعت تحت وطأة الاجبار والاكراه. يشجع اسرائيل على ذلك أن ميزان القوى العسكرى يميل فى صالحها, بالاضافة لدعم وتأييد الدول الكبرى لها بفعل قوة اللوبيات الصهيونية والاعلام اليهودى المتحكمين فى مراكز صنع القرار وبيوت المال واحلال مستوطنين يهود محل سكانها المسلمين, وأشاعة روح الهزيمة النفسية بينهم وتيئيسهم من استرداد حقوقهم. واذا كان ما سبق أن سقناه قليل من كثير حول ممارسات اسرائيل على الصعيدين الحكومي والشعبى كما لا ننسى محاولتهم احراق المسجد الأقصى فى 31 أغسطس ,1969 وسعيهم لترسيخ مفاهيم باطلة حول حقوق مزعومة لهم فى القدس, والتى تعكس شدة تمسكهم بمعتقداتهم وحرصهم على الدفاع عنها, رغم كونها لا تخرج عن كونها خرافات وأوهام زائفة صاغتها أيدى حاخاماتهم ليحكموا قبضتهم على القدس, فماذا فعلنا نحن العرب والمسلمون أصحاب القدس الحقيقيون لكى نفك أسر المسجد الأقصى من أيدى أعدى اعدائنا. ولكى ندافع عنه ونحافظ عليه حتى يمكننا ان نقيم شعائرنا المقدسة بحرية تامة, فلقد تعطلت بالفعل واحدة من شعائر المسلمين لأكثر من ثلاثين عاما نتيجة الاحتلال الاسرائيلى للقدس, وهى شعيرة شد الرحال الى المسجد الأقصى كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فى حديثه الشريف: (لا تشد الرحال الا لثلاثة مساجد, المسجد الحرام, والمسجد الأقصى ومسجدى هذا). لقد اثبتت الأحداث, وآخرها انسحاب اسرائيل المخزى من جنوب لبنان, أنها لا تفهم سوى لغة القوة, ومن ثم فلا سبيل أمامنا سوى أحياء فريضة الجهاد التى أمرنا الله تعالى بها لاسترداد مقدساتنا فى القدس فهو واجب دينى على كل المسلمين فى العالم. ونحن لا نفتقر الى وسائل الجهاد لكى نبدأه فى سبيل الله حتى نكون محل رضائه سبحانه وتعالى, وحتى يسلم ويصلح لنا أمر ديننا ودنيانا. أما هؤلاء الذين يحلمون بالعيش فى سلام مع اليهود, فإننا نهديهم هذه الأغنية التى يرددها أطفال اسرائيل كل يوم وهم فى طريقهم الى المدارس, لعلهم يدركون مغزاها: (كل العالم يكره العرب.. والشئ المهم قتلهم واحدا واحدا.. بقدمى هذه دست عدوى, وبأسنانى هذه عضضت جلده, وبشفتى مصصت دمه, ومازلت أشعر اننى لم أنل الانتقام الكافى)!! كما نذكرهم بقول المولى عز وجل فى شأن اليهود: (هم العدو فاحذرهم) فمن لا يريد أن يحذرهم سيدفع الثمن غاليا.