للشافعي بيت من الشعر يقول فيه: تموت الأسد في الغابات جوعاً ولحم الضأن تأكله الكلاب ولا يخفى المعنى المختفي في بيت الشعر, وكل ما يمر بنا في الحياة, في كل لحظة, في كل دقيقة, في كل التفاتة, في أخبار نقرؤها في الصحف يوميا, وفي حكايات نسمعها أو يرويها كثيرون ممن نلتقي بهم, كل الدلائل تقول بأن الأسد تموت جوعا وحسرة وكمدا, بينما تتمرغ بعض الكلاب في الثروات والنعيم والعز الذي لا نهاية له. لقد علق أحد الاخوة الصحفيين من كتَّاب الأعمدة في بعض الصحف العربية على حكاية (جوبتر الرابع) الذي اشترى فيللا المغنية الأمريكية مادونا بأكثر من سبعة ملايين دولار قائلا: سألت صديقي لو لم تكن أنت فلانا فمن كنت تود أن تكون؟ فأجاب: كنت أود أن أكون جوبتر الرابع! فكدت أطبق على عنقه ـ يقول الصحفي ـ لانه سرق أمنيتي الغالية وجوبتر الرابع ليس سوى كلب يمتلك ثروة تعادل 200 مليون دولار. المشكلة الأزلية التي لن يحل شيفرتها أحد, لانها من صنع القدر وحده, ان الذين يملكون الثروات الطائلة لا يسعدون بها أو غالبا لا يستحقونها أو انها أكثر من حاجتهم بمليون مرة, بينما الذين يحلمون ويتمنون ويرسمون أمنيات الثراء في الليل والنهار ويسعون بكل طاقاتهم وقوة عقولهم وعضلاتهم لكنهم لا يحصلون على غير مرتب ضئيل سرعان ما يتوزع في اليوم الأول من الشهر ما بين ايجار البيت وفاتورة الهاتف المنزلي والموبايل, ومصروف الأولاد والزوجة وقسط السيارة, وفواتير الماء والكهرباء وقرض البنك, وما بقي من (خردة) يقضي الله فيه أمرا كان مفعولا حتى اليوم الخامس أو العاشر من الشهر. من يملك الملايين والمليارات يضيق بها ذرعا, ويلعنها كما تفعل (أثينا) المراهقة الأغنى في العالم حفيدة الأسطورة اليونانية أوناسيس والتي تقدر ثروتها بأكثر من 12 مليار دولار, فهذه المراهقة (15 عاما) غير سعيدة بحياتها لانها محاصرة بالحراس والبروتوكولات والأوامر والجياد وبالكثير من الشك في الناس والأصدقاء الذين يقتربون منها فلا تدري أيفعلون ذلك لأجلها أم لأجل أموالها, لذلك قررت أن تتبرع بـ (12) مليار دولار للجمعيات الخيرية وأن تحتفظ بـ 20 مليونا فقط لتعيش بها حياتها كما تحب. المال أحد أهم الاحتياجات الإنسانية لتيسير الحياة, فهو وسيلة وليس غاية, وهو زينة الحياة الدنيا كما قال الله تعالى في كتابه الكريم, لكنه ليس إلها يعبد وغاية يسعى لها الإنسان مستخدما كل الوسائل ومضحيا بكل شيء, كما يفعل البعض, ومع ذلك ففي الكثير من الحالات يدرك هذا المال وبشكل خرافي يصل إلى أرقام فلكية أناس لا يستحقونه أو لا يرغبونه أو ليس لهم حاجة إليه وبهذا الشكل (ماذا تفعل ممثلة سينمائية أمريكية هي جوليا روبرتس بكل هذا المال حينما تتقاضى عن كل فيلم تمثله 20 مليون دولار عداً ونقداً؟!) هل المال أعمى مثل الحب؟ أم ان في الأمر حكمة لا يعلمها إلا الله. أظن أن حكم الله وحكمته غالبان على كل شيء.. ولا عزاء للفقراء سوى الصبر والسلوان.