من اللافت للنظر ان عددا لا يستهان به من المفكرين في العالم اجمع, وعلى وجه الخصوص في البلدان النامية, يتهربون من طرح او مناقشة بعض القضايا التي لا يمكن تحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلمي دون مناقشتها والبت فيها. هذه القضايا هي من صميم الحياة والواقع. ومن هذه القضايا مفهوم (العرض) في الثقافة العربية والاسلامية والعلاقة بين العلم والدين وقضية استقلال العلم ومركز المرأة واستعمال الاجتهاد. ولعل المفكرين يتخوفون من مناقشة هذه القضايا وقضايا من هذا القبيل خوفا من اسخاط اصحاب النفوذ على المستويين الرسمي وغير الرسمي ومن اسخاط الجماهير. ولكن حيوية البت في هذه القضايا بالنسبة الى محاولة حمايتنا من التهديدات والتحديات التي تواجهنا, تتطلب ان يطرح المفكرون هذه القضايا وان يناقشوها. ان الشعوب كلها, النامية والمتقدمة النمو, تعيش ازمة فكرية واجتماعية ونفسية عميقة. وفي هذه الازمة لا تملك ترف مناقشة القضايا غير الخلافية, ناسية او متناسية او مهملة طرح ومناقشة القضايا الخلافية. من القضايا التي يجب طرحها قضية استمرار سطوة النظام الهرمي الطبقي. لقد اسهم هذا النظام ولا يزال يسهم في الحيلولة دون نشوء التفكير المستقل والشخصية المكتفية بذاتها والمستقلة بفكرها. وبتأثير سطوة هذا النظام طمست الآثار الجليلة للكثير من الرجال النابغين المفكرين العلماء ومن النساء النابغات المفكرات العالمات. ومن القضايا التي يجب ان تكون مطروحة ايضا قضية صلاح او سلامة خيار الاصلاح التوفيقي التصالحي التكييفي المعتدل, الذي ايده عدد من المفكرين العرب باعتباره اداة لتحقيق نهضة الذات العربية والاسلامية الحضارية. ولا يمكن للشعوب النامية ان تقيم الجسر الذي تحقق عبره التقدم المنشود الذي ترافقه المنعة دون ان تقر باستقلال العلم ودون اطلاق الفكر, واتاحة الابداع الفكري واحقاق حقوق الانسان. ومما له صلة بالخوف من طرح ومناقشة القضايا الخلافية ما نشاهده من التناول الغامض غير المحدد, الذي يقوم به بعض الكتاب, للقضايا المطروحة او لبعض القضايا غير المطروحة وعدم التحديد وسيلة من وسائل التهرب من التناول المباشر الصريح للقضايا. وعن طريق عدم التحديد تقل الفائدة من المعالجة. ما دام كاتب قد بدأ بمعالجة قضية جوهرية خلافية فليبلغ دون وجل بالمعالجة الى منتهاها. ولا ينبغي ان يكتب الكاتب او ان يحلل المحلل لمجرد اكتساب رضى الناس يجب ان يكتب ليضع اصبعه على الجرح وليضع النقاط على الحروف دون مجاملة الناس او مواربة او تردد او خوف. واذا سخط عليه الساخطون في الوقت الحاضر فلعل اجيال المستقبل ستكشف عن قيمة افكاره ووجاهتها بالنسبة الى مصلحة الشعب. وليكن عزاء الكاتب وجود احتمال ان تتعاطف معه الاجيال المقبلة. ويجب على الكاتب ان يعالج دون وجل القضايا التي يحترس اناس من تناولها مثل قضايا الشعب في حاضره ومستقبله, على الرغم من احتمال ان تثير هذه المسألة سخط قسم من الناس الذين قد لا يرون ابعد من انوفهم والذين تعميهم المصلحة الفردية, مصلحة تولي منصب من المناصب او مصلحة جني فائدة مادية, عن رؤية ضرورة اعتاق الفكر وضرورة المناقشة الجريئة الصريحة للقضايا من اجل الحفاظ على الوجود المادي والحضاري. ومن عيوب كتابات عدد كبير من المفكرين من شتى القارات وربما على وجه الخصوص البلدان النامية, حدة النبرة التي لا تدعمها البينات والنزعة الانتقائية في بياناتهم. اسباب هذه النزعة الانتقائية والتقريرية حضور العاملين الذاتي والايديولوجي في طروحهم التي يصفونها خطأ بأنها علمية موضوعية. ان للعاملين الايديولوجي والذاتي حيزا في فكرهم, وهذا الحضور يفسد عليهم الطرح المتسق والمنتظم فكريا وعلميا وفلسفيا. وعن طريق الانتقائية والتقريرية المقصودة وغير المقصودة يراعون الاعتبار الايديولوجي والعامل الذاتي ويسوقون في الطرح نفسه البيانات التحليلية والعلمية, وبذلك لا ترقى طروحهم الى مرتبة الطرح النظري العلمي المنتظم المتسق. وأحد اسباب النزعة التقريرية والانتقائية هو افتقار بعض الكتاب الى القدرة على الطرح النظري العلمي المتسق, او الى التقدير لاهمية هذا الطرح لدى من يريد الاخذ بالمنهج العلمي كأساس لتحسين ظروف معيشة البشر. والسبب الثاني في ذلك خوف المفكرين من ان يساء فهمهم اذا توخوا في كتاباتهم الانتظام او الاتساق الفكري والعلمي في الطرح. بهذا الاتساق تستبعد نقاط ايديولوجية لا صلة لها بالعرض الفكري العلمي الموضوعي, فمراعاة الجانب الايديولوجي تفسد الطرح الفكري الموضوعي. وبهذه المراعاة لا يعود الكاتب متسق الطرح الفكري. * استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة