لأنني وغيري من ملايين المواطنين الفلسطينيين والعرب لا نملك سلطة القرار, فلا يبقى لنا غير التعبير عن رأينا بالوسائل المتاحة لنا, فيما يجري التفاوض حوله من قضايا مصيرية تخص شعبنا العربي الفلسطيني وامتنا العربية, علنا نسهم في تشكيل رأي عام يسهم في اسناد الموقف الوطني من الموضوعات التي يجري الصراع التفاوضي حولها. مع علمنا المسبق بالدور المحدد جدا الذي يلعبه الرأي العام في التأثير على اصحاب القرار في وطننا العربي, وفي العالم الثالث عموما, خاصة في ظل نظام الهيمنة الامريكية الذي تحسب له دول العالم الثالث, وغيرها من دول العالم الاول ايضا, ألف حساب. لكن ذلك لا يعفينا من مسئولية التنبيه المستمر والتحذير الدائم من خطورة التهاون في القضايا المصيرية بالذات التي هي امانة للاجيال المقبلة لا يملك احد التفريط فيها او المساومة عليها. ومن بين هذه القضايا, تتفرد قضية اللاجئين الفلسطينيين بكونها القضية الوحيدة التي لا مجال فيها للمقايضة, او الحلول الوسط. فحدها الاعلى هو حدها الادنى. فاللاجئون كلهم لهم الحق في العودة, ولهم الحق في التعويض, يستوي في ذلك من هم في شتات المنافي, او القابعون على حدود وطنهم, او في داخل وطنهم في الضفة والقطاع, او حتى اولئك المهجرون من مدنهم وقراهم ممن يعيشون في الدولة العبرية. وليس في وسع احد ان يفرق من حيث الحق, والرغبة, في العودة بين غني وفقير, بين ساكن المخيم وساكن القصور, بين محتاج او غير محتاج, او بين حملة وثائق سفر اللاجئين الذين يسد اخوانهم العرب ابوابهم وحدودهم في وجوههم فلا يمكنونهم من كسب لقمة العيش لاطفالهم, او اولئك الذين يحملون جوازات سفر الدول العظمى ممن يستقبلهم موظفو الامن في مطاراتنا وحدودنا العربية بابتسامات عريضة. المساومة مرفوضة ومن لديه شك بهذه الحقائق, بإمكانه ان يرصد التحركات والتظاهرات والندوات التي تعم ارجاء الوطن الفلسطيني والعربي والعالم, والتي ينخرط فيها كل اللاجئين ومعهم كل شعبهم الفلسطيني, وكل شعبهم العربي, مؤكدة هذه الحقائق, ومحذرة من المساومة على قضيتهم وفي هذه التحركات رسالة واضحة لوفدهم الفلسطيني المخول بالدفاع عن حقوقهم في كامب ديفيد. واذا كانت الادارة الامريكية لا تعي قيمة هذه التحركات ولا تقدرها حق قدرها, او تعتقد, انها ليست اكثر من قضية انسانية يمكن معالجتها بتوفير بعض الاموال لتحسين الظروف المعيشية للاجئين. او كانت اسرائيل معنية بانهاء قضية اللاجئين بأي ثمن, وتريد اقتناص تنازل الطرف الفلسطيني عنها, او الالتفاف عليها عبر السماح لبضعة آلاف بالعودة مقابل انهاء القضية, والتوقف عن المطالبة بحق العودة. فإن الفريق الفلسطيني المفاوض, وقيادته بشكل خاص, يدرك عمق هذه القضية, وعمق ابعادها, ومدى خطرها على كل ما يمكن التوصل اليه من اتفاقات حول القضايا الاخرى. بل انه يدرك انها هي جوهر الصراع, وهي عنوان الاستقرار او عدمه في المنطقة. ومسئولية الفريق الفلسطيني ان يضع هذه المسألة بوضوح امام مفاوضيه الامريكيين والاسرائيليين. وما يدعونا للتأكيد على هذه المسألة, رغم علمنا بوعي القيادة الفلسطينية لابعاد القضية هو الاخبار التي تتسرب من كامب ديفيد عن حلها عبر لم شمل بعض العائلات لاسباب انسانية, وتوفير عشرات المليارات من الدولارات لتوطين اللاجئين وتحسين احوالهم المعيشية. ومما يثير القلق والخوف من هذه الاخبار ويكسبها خطورة, هو انها تأتي في اعقاب تصريحات لمسئولين فلسطينيين روجت مثل هذه الافكار. وذلك يوحي ان هؤلاء المسئولين لديهم الاستعداد للدخول في مساومات وصفقات من هذا النوع, وكأن اللاجئين واراضيهم وممتلكاتهم وحقوقهم الوطنية ليست اكثر من صفقة تجارية معروضة للبيع, ويجري تقدير ثمنها والخلاف فقط هو على الفرق بين الثمن المدفوع والمطلوب. حسابات خاطئة وهنا يخطىء المنخرطون في عملية المساومة هذه الحساب, لا من حيث تقدير الثمن, وانما من حيث تقدير الخطأ الذي يقعون فيه ومن حيث التقليل من حجم الاخطار والعواقب التي تترصد مشاريعهم بل هم لم يستوعبوا دروس هذه القضية على مدى اكثر من نصف قرن. فقد ظلت عصية على الجميع, ولم تستطع كل اشكال الاضطهاد والقمع والتجويع التي تعرض لها اللاجئون, ولا الحروب العديدة التي عصفت بالمنطقة ولا العدوانات والاحتلالات الاسرائيلية ان تذيب هذه القضية, او تنزعها من قلوب وعقول ابنائها. بل ان الكثير ممن حاولوا المساس بها, او التجرؤ عليها غيبتهم هي واحرقتهم, وبقيت شعلتها متوهجة تترصد كل من يحاول الاقتراب منها. نذكر بذلك اولئك الذين غابت ذاكرتهم او غيبوها وهما بأن كل شيء يمكن ان يشترى ويباع بالاموال, بما في ذلك الحقوق والاوطان او خوفا ورعبا من البعبع الامريكي, او طمعا في جاه او سلطان, او باسم الواقعية وتغير الظروف العربية والدولية. وبلغة الواقعية التي يجيد اللاجئون ايضا التحدث بها نقول: اننا لم نقرأ في اي من مدارسها او كتبها او دروسها اية نصوص تقول بتنازل شعب بأسره عن كامل اراضيه وحقوقه لطرف آخر, والتوقف عن المطالبة بها, والتوقيع على صكوك تحرم عليه وعلى اجياله اللاحقة حق الادعاء بوجود اية حقوق له لدى الطرف الآخر. لكننا نفهم ان الواقعية قد لا تمكننا من نيل هذه الحقوق الآن, او قد يمكن تحقيق بعضها الآن وبعضها لاحقا. وقد تعني قصور الجيل الحالي او عجزه عن تحقيقها, ولكنها لا تعني حرمان الاجيال اللاحقة من حق المطالبة بها والنضال في سبيلها. ولذلك ومرة اخرى باسم الواقعية نحذر من التعامل مع قضية اللاجئين وكأنها صفقة تجارية, او النظر الى ان معيار النجاح والفشل فيها هو قيمة الثمن المدفوع, او عدد العائلات التي سيجري لم شملها وانما الواقعية تقتضي ان يتم التعامل معها كقضية حق وطني وفردي للجميع يجري تثبيته اولا, ومن ثم يجري البحث في كيفية تطبيقه وتنظيم العودة وتجزيئها باعداد معينة, ووفق توقيتات معينة حتى لو طالت لسنوات وسنوات. وبذلك يتم تأكيد الحق وتثبيته من جهة وقطع الطريق من جهة اخرى على ادعاءات الخصم بعدم القدرة على استيعاب ملايين العائدين دفعة واحدة, ان كانت هذه حجته او فضح منطقه الاستعماري العنصري, الذي هو اساس المشكلة. * كاتب فلسطيني