كنت أتصورها امرأة كالدهشة في أرض البشر.. تحمل في يدها قصيدة حب رومانسية.. وتحمل في اليد الأخرى سجادة صلاة.. لكنني اكتشفت أنها تتعامل مع الرجال كما تتعامل مع طوابع البريد.. وأن لديها مجموعة من أغرب الطوابع.. وأندر الطوابع.. تلصقها على حدود القلب.. وحين تصاب بالملل.. تنزعها.. وقد كان الملك فاروق هو أول هذه الطوابع.. ولكنه لم يكن آخرها ولا أندرها.. كان في حياة الملكة فريدة طوابع أخرى.. سرية وخفية.. مصرية وأجنبية. منذ سنوات أهديت الكاتب الصحفي المتصل البريق محمد حسنين هيكل كتابي عن (آخر ملوك مصر).. الملك أحمد فؤ اد الثاني.. الملك الرضيع الذي تولى عرش مصر وهو في (اللفة).. وسقط من عليه وهو لايعرف أنه قد اعتلاه.. وبعد أن قرأ هيكل الكتاب قال لي: (إن ملاكك الحارس لم يكن كما صورته في الكتاب ).. كان يقصد الصورة الزائفة الخادعة التي كانت عليها الملكة فريدة.. وكان يشير الى الخطأ الشائع الذي وقعت فيه عن براءتها ووداعتها.. وأنها كانت مثل الخط المستقيم.. ولم تكن مثل الخط المشرشر.. وكانت حجتي فيما تصورت وكتبت المظاهرات الشعبية التي خرجت بعد طلاقها من الملك فاروق والتي كانت تهتف في الشوارع وأمام قصر عابدين: (فريدة خرجت من الدعارة الى الطهارة).. إنه حكم الدفاتر القديمة.. لكن.. كان هناك في جراب التاريخ أسرار جديدة. مصحة الملك في كتابه (المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل) يستخرج هيكل من الوثائق البريطانية ما يجعله يؤكد ويقول بصورة قاطعة أن الملكة فريدة كانت زوجة (خائنة) رغم (محاولات لا لزوم لها لرسم صورة مغايرة).. (إن التماثل في السن بينها وبين زوجها الملك فاروق خلق على ما يبدو لديها حاجة الى رجل أكثر نضجا.. وكان أن وقعت في غرام وحيد يسري (باشا) وهو بمثابة ابن عم الملك.. والأسوأ أن أمه الأميرة (شويكار) هي الزوجة الأولى للملك فؤاد).. وقد كانت أول من زين للملك فاروق الفساد. ويستطرد هيكل: (لكن مشكلة الملكة فريدة كانت فيما يبدو أعمق من ذلك.. فوثائق القصر والسفارة البريطانية والخارجية البريطانية تربطها بعلاقة غير شرعية مع ضابط بريطاني اسمه الكابتن سيمون إلويس.. وكان قبل الحرب رساما له مستقبل.. وقادته خدمته في مصر الى التعرف على بعض العائلات الكبيرة بها.. ورسم بالفعل صورا لبعض شخصياتها بما في ذلك صورة لناهد سري وهي قرينة حسين سري باشا الذي كان رئيسا للوزراء وفي نفس الوقت خالة الملكة فريدة.. وهكذا فإن سيمون إلويس دخل القصر أول مرة يرسم صورة زيتية للملكة ثم تذرع بأن زحام القصر يفسد إلهامه فدعاها الى تكملة الصورة في (مرسمه) وتطورت الأمور بين الاثنين.. وحين انكشفت العلاقة قام السفير البريطاني نفسه بالتحقيق مع الضابط الفنان الذي بلغ به السخف حد أن يقول: (إنه لايستطيع أن يرسم صورة إلا إذا أحس مباشرة بموضوعها).. (ويبدو أن ميكروب الرسم الذي احترفته فيما بعد قد تسلل اليها من هذه العلاقة).. وقد جرى ترحيل هذا الضابط الى جنوب افريقيا في ظرف أربع وعشرين ساعة). وكان ذلك في ربيع عام 1943. وبهذه الضربة القاسية التي تلقاها الملك فاروق على ظهره انكسر تماما.. وفقد سلامته النفسية.. ومن ثم فقد صلاحيته السياسية.. وتحول من ملك شاب يتفاءل به الشعب الى مريض بالاضطراب والشك وفقدان الثقة في الذات وبداء السرقة والقمار وبخطف ما في يد الآخرين من نساء وأشياء ثمينة.. وتحول قصر عابدين من مقر للسلطة الى مصحة للأمراض العقلية.. لكن.. من الذي كان يجرؤ على أن يقول للملك: انك مريض يا مولاي وأنك في حاجة الى علاج عاجل وإلا دفعت الأمة ودفع النظام الثمن.. وهو ما حدث فيما بعد.. لا أحد يجرؤ أن ينصح الملك بما يعيد اليه التوازن النفسي والسياسي.. بل راح الجميع ينفذون من الثغرات التي بدت مكشوفة لهم.. ويلعبون على الأوتار المغرية بعزف سيمفونية الفساد النحاسية الصاخبة.. وهي اللعبة المفضلة للحاشية في كل زمان ومكان.. أن ينفخوا في الحاكم حتى يطير.. أن يعزلونه عن الناس فلا يراهم ولا يسمعهم ولا يشعر بهم.. وعندما يغرق المركب.. تكون الحاشية مثل الفئران.. أول من يفكر في النجاة والهرب.. ولكن لا أحد يتعلم الدرس إلا بعد فوات الأوان.. إنها مأساة يجسدها الملك فاروق الذي غربت شمسه في مثل هذه الأيام قبل 48 سنة. لم تكن خيانة ( فريدة).. الزوجة.. هي الضربة الأولى التي تلقاها فاروق على ظهره.. سبقتها خيانة أخرى.. ارتكبتها (نازلي).. أمه.. إن نازلي التي كانت تكره زوجها الملك فؤاد مشت (على حل شعرها) بعد وفاته.. باعت ثيابه في سوق (الكانتو).. فكان باعة (البروبابيكيا) ينادون في الشوارع (بدلة الملك بجنيه).. ولم تتردد في غواية أحمد حسنين رئيس الديوان الملكي.. والذي نجح في أن يتزوجها في السر بعد أن رفض دور (العشيق).. فدور (الزوج) في كواليس القصر وحجراته الخلفية أقوى وأبقى.. وقد كان أحمد حسنين يعرف أن السيطرة على الملك فاروق تبدأ بالسيطرة على أمه.. وقد روى لي أمين فهيم السكرتير الخاص للملك فاروق والذي ظل معه حتى في المنفى وسجلت ما رواه بالصوت والصورة كيف أن الملك فاروق كان يتسلل على أطراف أصابعه الى جناح أمه وهو يحمل مسدسا في يده ليضبطها وهي في أحضان أحمد حسنين.. والرواية الشائعة أنه عندما و صل الى غرفة نومها وجد أحمد حسنين يعلمها قراءة القرآن.. ولكن الرواية الحقيقية على لسان شاهد العيان أمين فهيم أن الملك ضبطها ومعها أحمد حسنين في وضع لايليق.. وقبل أن يضغط الملك على الزناد فتح أحمد حسنين قبضة يده وأخرج منها صورة عقد الزواج.. وترك الملك يقرأ صورة العقد بينما راح يرتدي ملابسه في ثقة وهدوء.. لقد كان أحمد حسنين يضع العقد في يده أربعا وعشرين ساعة.. ولم يكن هذا العقد هو عقد زواج بأم الملك بقدر ما كان عقد سيطرة على الملك.. عقد تحكم فيه. شظايا متناثرة لقد كان أحمد حسنين واحد من اثنين اختارهما الملك فؤاد للاشراف على تربية ابنه فاروق.. ورافقاه في رحلة العلم التي لم تكتمل في بريطانيا.. وكان الآخر هو عزيز المصري.. وقد كان عزيز المصري صارما مستقيما.. على عكس أحمد حسنين الذي كان فاسدا متساهلا.. وهو ما أصاب فاروق بتناقض حاد عانى منه فيما بعد.. (وعانت منه مصر). إن فاروق الذي بدأ حياته على العرش شابا ذكيا قادرا على تعويض ما فاته من علم وثقافة سرعان ما وجد من يزين له الفساد.. ويحرضه ويجبره عليه نفسيا وواقعيا.. وقبل أن يصلب عوده كسرته أمه وهشمته ونثرت شظاياه في كل مدينة في مصر.. كما فعل ست بلحم شقيقه إيزيس بعد أن قتله.. ولم يكن هناك في النظام ولا حتى أم الملك من هو مستعد أن يلعب دور أوزوريس التي تلملم قطع الجسد المتناثرة, ويحاول أن ينقذ الجالس على العرش.. لم تدرك الملكة نازلي مسئولية حماية العرش والنظام.. وفتحت الباب أمام شهواتها على مصراعيه.. كانت لاتتردد في أن تقول: أنها عاشقة محرومة.. وأنها في حاجة الى الحب.. (والحب لاتصنعه إلا التجارب.. تماما مثل البحر لاتصنعه إلا المراكب.. ومثل الحرب لايصنعها إلا المحارب.. أنا مجنونة بالحب.. ولكن إذا سألوني عنه فأنا أفضل ألا أجاوب). وقد غادرت نازلي مصر عندما راح فاروق يضيق الخناق عليها وعلى جسدها.. وقد سألها مصطفى أمين وهي في الولايات المتحدة: (متى تعودين الى مصر)؟.. فقالت: (عندما يعود فاروق الى عقله).. ثم أضافت: (نحن نبني الأصنام من الشمع ثم نبكي بعد ذلك إذا ذابت من الشمس.. لقد بنى المصريون فاروق من الشمع وهم في دهشة لأنه يذوب.. ولكني لم أشك أن هذا سيحدث في يوم ما.. لقد نفخ الذين حول فاروق فيه.. ولا يزالون ينفخون.. وسيجيء يوم ويفرقع.. وكثيرا ما كنت أقول له لا تسمع أقوال الذين يزينون لك الأشياء السيئة التي تفعلها.. فكان يثور ويغضب.. ولقد يئست من اصلاحه.. ولهذا رأيت أن أبتعد عن مصر.. لأنني أعتقد أنه سيجيء يوم يعرف فيه الناس خارج القصر ما يعرفه من هم في داخله.. وعندئذ ستكون الكارثة). والحقيقة أن نازلي كانت بداية الكارثة.. سواء في القصر أو في خارجه.. سواء في مصر أو في خارجها.. ويروي مصطفى أمين: كان على رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي السفر الى نيويورك في يوم الاثنين 14 يوليو 1947 لعرض مشكلة مصر على مجلس الأمن.. وسأله الملك فاروق: (هل أنت مستعد لهذه المهمة الصعبة)؟.. فقال النقراشي: (كل شيء استعددت له.. وأنا مستعد لأي مفاجأة ولكن هناك شيئا واحدا أنا غير مستعد له).. فتساءل فاروق في دهشة: وما هو ؟.. فقال النقراشي: (والدتك الملكة نازلي إنني لا أريد أن أكون في الولايات المتحدة وهي هناك.. إنني أخشى أن تفعل (فصلا باردا) بينما أعرض قضية مصر على مجلس الأمن).. فتساءل فاروق مرة أخرى: (وماذا يمكن أن تفعل؟).. فقال رئيس الوزراء: (أخشى أن تذهب الى كباريه وترقص هناك أو تدلي بتصريح أو تقول عبارة لاتتفق مع الموقف الذي نحن فيه).. وطالبه الملك أن يعيد أمه الى مصر.. لكن النقراشي باشا قال له: (إن مهمتي هي إجلاء الانجليز عن مصر.. لا إجلاء الملكة نازلي عن أمريكا).. وأغلب الظن أن إجلاء نازلي عن أمريكا كان أصعب من إجلاء الانجليز عن مصر.. لقد قررت نازلي في سنواتها الأخيرة في الولايات المتحدة أن (ترتد عن الاسلام وتتنصر وتعتنق المذهب الكاثوليكي.. وقد أثرت نازلي على ابنتيها اللتين عاشتا معها في أمريكا وهما فايزة وفتحية وكلتاهما ماتت وهي مسيحية كاثوليكية).. وفتحية بالذات ماتت مقتولة.. قتلها رياض غالي.. ثم أطلق الرصاص على نفسه وانتحر.. وهكذا.. تحولت العائلة الملكية الى كتيبة اعدام شديدة القسوة.. وشديدة الأنانية.. ومعدومة الرؤية.. فلم تكن تدرك أنها تغتال الجالس على العرش فقط.. وإنما تغتال النظام الملكي بأكمله في مصر.. وأثبتت دون أن تقصد نظرية المؤرخ الشهير (أرنولد توينبي) عن سقوط النظم والحضارات.. وهي نظرية تقوم على أساس أن المتعة الحسية التي يغرق فيها الحكام والنظم والحضارات تولد طبقات من الفساد السياسي والاقتصادي يعبر عنها أصحاب المصالح الضيقة حولهم الذين يزينون لهم كل شيء بعيدا عن القانون وحقوق السواد الأعظم من الناس.. وفي اللحظة التي تتمكن فيها المتعة الحسية من النظام السياسي الفاسد يتحول الى نظام من (كرتون) يسهل سقوطه مع أول ريح تهب عليه.. وهو ما حدث للنظام الملكي في مصر. تشييع النظام إن نصابا مغامرا مثل رياض غالي نجح في أن يمد شباكه على الملكة نازلي.. ثم نجح في إقناعها بأن تزوجه ابنتها فتحية.. لقد كان رياض غالي موظفا في الخارجية.. وقد تعرفت عليه الملكة الأم في مرسيليا عندما انتدب ليكون في خدمتها خلال رحلتها هي وفايزة وفتحية الى فرنسا في منتصف عام 1946.. وكانت مواهبه هي شدة الأناقة ورشاقة الرقص وبراعة البروتوكول.. والخنوع حتى التمكن.. وقد قبلت نازلي أن ترقص معه في الملاهي والحانات.. ولم تستجب لتحذيرات ابنها ولا لشكواه.. وكل ما نجح فاروق فيه هو أنه طرد رياض غالي من وزارة الخارجية فعينته نازلي سكرتيرا خاصا لها بمئة جنيه.. وأرسلت خطابا الى فاروق شديد اللهجة تتهمه فيه بالظلم والاستبداد.. (وتقول له: إن رياض غالي لن يموت من الجوع وأنها ستدفع له أضعاف مرتبه).. ولم يكن رياض غالي يحلم بنازلي ولكن كان يحلم بفتحية.. ولكنه كان يعلم أن قلب فتحية يمر برضاء نازلي.. بكل ما تعنيه الكلمة.. وبكل ما توحي به.. وقد كانت فتحية التي كانت في السادسة عشرة من عمرها ترى فيه على حد وصف مصطفى أمين فارسا من فرسان القصص والروايات الغرامية.. وقد تحول هذا الفارس الى زوج عندما عثر لها على (مشبك) من الماس كان قد سقط منها في أحد المسارح.. وبهذا المشبك شبك قلبها.. ثم زاد اعجاب فتحية به عندما وجدته يشتري مسدسا سريع الطلقات ليحميها وليحمي الأم الملكة.. ولم يخطر على بالها أن هذا المسدس هو الذي ستقتل به.. وأن الخطر الحقيقي سيكون أقرب اليها مما تتصور.. سيكون من الذي تطوع لحمايتها. ووصلت سيطرة رياض غالي على الملكة نازلي الى حد أنها قالت: (أنها إذا أرادت أن تختار بين صداقتها لرياض غالي وأمومتها لفاروق فإنها تختار صداقة رياض غالي.. لأن فاروق أثبت في كل مناسبة أنه ولد عاق.. أما رياض غالي فقد أثبت أنه ولد مخلص).. ولم تتردد نازلي في أن تصف ابنها بالجنون علنا في أحاديثها الصحفية.. فخرجت إحدى الصحف الأمريكية تقول على لسانها (ابني مجنون).. وقالت: (إن ابنها أصيب بمرض السرقة وأنه أصبح يريد أن يسرق كل إنسان حتى أمه وأخواته).. وفي الوقت نفسه كانت تشيد بوفاء وإخلاص رياض غالي الذي لم يستحوذ على عقل نازلي وقلب فتحية فقط وإنما استحوذ على أموالهما ومجوهراتهما.. وأصبح المتحكم في كل شيء. وفي مذكرات كيرميت روزفلت مسئول المخابرات الأمريكية في الشرق الأوسط: أنه لم يصدق تهمة الجنون التي رمتها الملكة نازلي على ابنها الملك فاروق.. وقد كان كيرميت روزفلت يتصور أن الملك فاروق يمكن أن يقوم بثورة سلمية يطهر بها نظام حكمه الفاسد.. ويحسن من صورته بمساعدة رجال في الصحافة والأمن والحكومة مدوا جسورهم الخفية مع المخابرات الأمريكية.. وجاء كيرميت روزفلت الى مصر وعن طريق كريم ثابت جرت مقابلة مع الملك فاروق.. ولكن كيرميت روزفلت رفع تقريرا لقيادته في واشنطن يؤكد فيه: (أن الملك فاروق مثله مثل أي حاكم مخنوق بالبطانة الفاسدة لم يفهم الخطر المحدق به وبنظامه.. وكل ما راح يتحدث فيه هو مجموعة السيارات والبنادق التي يمتلكها.. إنه من أصحاب العقول غير الثقيلة.. ولكن ما وصل اليه كان بسبب الذين حوله.. فكلهم بلا استثناء استغلوه.. واستفادوا منه.. وحطموه.. وغدروا به). ولم يأخذ فاروق من نصائح كيرميت روزفلت سوى اطلاق لحيته واعلان أنه من نسل الرسول الشريف.. في محاولة لتحسين صورته.. ونجح في أن يجد من بين الشيوخ ورجال الدين من هو مستعد أن يبيع ضميره ويثبت ذلك.. ولم يتجاوز تفكيره هذه الصورة الشكلية.. لا هو نجح في أن يحارب الفساد الذي حول نظامه الى نظام هش ينخر فيه السوس.. ولا هو عالج نفسه من أمراضه النفسية والعقلية التي كسرته وحولته الى بقايا انسان.. وكان من الطبيعي بعد ذلك أن يقوم ضباط الجيش بما قاموا به في ليلة 23 يوليو 1952 ولم يكن من الصعب أن ينجحوا في تحطيم وإسقاط النظام بهذه السهولة التي جرت.. فقد كان النظام قد انتحر.. ولم يكن على جمال عبدالناصر ورفاقه سوى دفنه وتشييعه الى مثواه الأخير. كاتب وصحفي مصري